عبدالمنعم بن راشد السعيدي
عبدالمنعم بن راشد السعيدي

@a_saidi1973

19 تغريدة 5 قراءة Jan 26, 2023
١. إن الناظر في كتاب الله يجد أن الخالق سبحانه ذكر لنا كثيرا عن أحوال بني إسرائيل وأبان لنا المزالق التي وقعوا فيها لنحذر منها ولا نقع فيما وقعوا فيه
ومن ذلك أنه عاب سبحانه على بني إسرائيل أنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض وتوعد من يسلك مسلكهم بالعذاب الأليم في الآخرة
٢. قال سبحانه:
{أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضࣲۚ فَمَا جَزَاۤءُ مَن یَفۡعَلُ ذَ ٰ⁠لِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡیࣱ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَیَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ یُرَدُّونَ إِلَىٰۤ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ}
٣. وحذرنا في ذات السورة من أن نمني النفس بما تمنته بنو إسرائيل عتوا وغرورا فقال:
{وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدࣰا فَلَن یُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥۤۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ}
٤. ثم صدّر الآية التي تليها بكلمة (بلى) التي تفيد الإضراب والنفي لقولهم (لن تمسنا) فكان الجواب بلى ستمسكم قال جل شأنه:
{بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَیِّئَةࣰ وَأَحَـٰطَتۡ بِهِۦ خَطِیۤـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ}
وأحاطت به أي مات بلا توبة منها
٥. ثم قال في الآية التي تليها مباشرة:
{وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ}
لبيان سبيل المؤمنين المستحقين لدخول الجنة أنهم يتصفون بصفتين:
أ) الإيمان
ب) العمل الصالح
وهذا له نظائر كثيرة في كتاب الله
٦. منها قول الله في سورة مريم:
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَ ٰ⁠تِۖ فَسَوۡفَ یَلۡقَوۡنَ غَیًّا، إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ یَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا یُظۡلَمُونَ شَیۡـࣰٔا}
وغيا وادٍ في جهنم
٧. وقوله جل وعلا في سورة الفرقان بعد ذكر جملة كبائر:
{یُضَـٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ وَیَخۡلُدۡ فِیهِۦ مُهَانًا، إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلࣰا صَـٰلِحࣰا فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ یُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَیِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَـٰتࣲۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورࣰا رحيما}
٨. وأكد ذات المعنى في الآية التي تليها:
{وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَإِنَّهُۥ یَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابࣰا}
ولو تتبعنا كل آي الكتاب العزيز سنجد أن الله يجعل الإيمان والعمل الصالح قرينان وما ذلك إلا دلالة جازمة أن أحدهما لا ينفك عن الآخر
وأكدت ذات المعنى السنة المطهرة
٩. ففي صحيح البخاري من طريق عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
"لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ السّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ".
وفي هذا الحديث بيان واضح وصريح على انتفاء صفة الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وسائر الكبائر
١٠. ولهذا فهم الحديث الشريف الصحيح:
"لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن كِبْرِياءَ" لا يكون بمعزل عن باقي النصوص الأخرى من الكتاب العزيز والسنة المطهرة الثابتة
١١. وإلا فمن فعل ذلك فقد وقع فيما وقع فيه بنو إسرائيل من الإيمان ببعض الكتاب دون بعض والأخذ بشيء منه دون الآخر
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن هذا الفهم مؤداه أن يقع الناس في عقيدة الإرجاء الباطلة وهي بمثابة صكوك الغفران لدى النصران والتي حذر منها ربنا سبحانه حينما قال:
١٢. {فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفࣱ وَرِثُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ یَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَیَقُولُونَ سَیُغۡفَرُ لَنَا وَإِن یَأۡتِهِمۡ عَرَضࣱ مِّثۡلُهُۥ یَأۡخُذُوهُۚ}
ولذلك من أعظم ما ابتلي به النصارى بعد الشرك بالله هو توزيع صكوك الغفران وضمان الجنة لكل أتباعهم
١٣. مما جعلهم يستمرؤن الخطيئة والإيغال في المعاصي وعدم الاكتراث بها لأن أساقفتهم كذبوا عليهم بضمان دخول الجنة وأن صلب عيسى كان تكفيرا لخطاياهم جميعا
وهذا ما حُذرنا نحن معاشر المسلمين من الوقوع فيه فنكذب على الله بادعاء ضمان دخول الجنة بمجرد الإيمان وحده فقط دون العمل الصالح
١٤. وما جرأ المسلمين على المعاصي والذنوب إلا مثل هذه العقيدة التي ترسخ فيهم جانب الرجاء دون الخوف من الله رغم أن الله جمع بين الخوف والرجاء في كثير من المواضع في كتابه العزيز وما ذلك ليكون المؤمن بين الخوف والرجاء فلا يغلّب الخوف فيقنط ولا يغلّب الرجاء فيغتر
قال الله جل شأنه:
١٥. {نَبِّئۡ عِبَادِیۤ أَنِّیۤ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ، وَأَنَّ عَذَابِی هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِیمُ} [سُورَةُ الحِجۡرِ: ٤٩-٥٠]
وقال:
{وَیَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَیَخَافُونَ عَذَابَهُۥۤۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورࣰا}
وغيرها الكثير في كتاب الله العزيز
١٦. ومن يتعلق بالرحمة فقط مستدلا بقول الله سبحانه:
{وَرَحۡمَتِی وَسِعَتۡ كُلَّ شَیۡءࣲۚ}
فنقول هنا وقعت فيما وقعت فيه بنو إسرائيل وحذرنا الله منه وهو الإيمان ببعض الكتاب دون بعض
فهذه الآية مجتزأة من سياقها لأن ما بعدها مفصل لها تفصيلا يبين بيانا واضحا ماهية تلك الرحمة ومن يستحقها
١٧. فقال:
{وَرَحۡمَتِی وَسِعَتۡ كُلَّ شَیۡءࣲۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِینَ یَتَّقُونَ وَیُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِینَ هُم بِـَٔایَـٰتِنَا یُؤۡمِنُونَ}
فجعل أول صفة من صفات المستحقين لرحمة الله أنه من المتقين، فهل مرتكب الكبائر من المتقين البررة؟
سؤال اترك جوابه للقارئ المنصف
١٨. ثم قال في الآية التي تليها:
{ٱلَّذِینَ یَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِیَّ... فَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ مَعَهُۥۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ}
(أولئك هم) أسلوب حصر واضح أن الفلاح محصور في هؤلاء
١٩. بناء عليه فإن أخطر ما يُخشى على المسلم هو عقيدة الإرجاء التي تجعل المسلم مغترا بعمله وكأنه قد ضمن الجنة مهما وقع فيه من الذنوب ومهما قارف من كبائر دونما اكتراث بالتوبة والإنابة والخوف من الله وأليم عقابه ولهذا تجده سادرا في غيه لا يبالي بظلم نفسه وعباد الله
والله المستعان

جاري تحميل الاقتراحات...