عبدالله المزروع A. Almazroa
عبدالله المزروع A. Almazroa

@Arabian_Wisdom

80 تغريدة 87 قراءة Jan 26, 2023
(1/80)
🏮مجموعة ميلنر والجمعية الفابية..
من يظن العالم هو كما يبدو فهو واهم..
هذه وقفات تاريخية مختصرة تركز على القرن العشرين والتنظيمات والأشخاص والأحداث التي شكلت ما يسمى:
"النظام العالمي الليبرالي"
أو "النظام العالمي القائم على القواعد"
أو "النظام العالمي الجديد"
(2/80)
-منذ أفلاطون ومدينته الفاضلة وفكرة العولمة والحكومة العالمية الواحدة تدور في الفلك الفلسفي الغربي، مرورا بالألماني كانط في القرن الثامن عشر ونادي اليعاقبة ثم ماركس في القرن التاسع عشر.
-من الجذري في هذا المبحث أن ندرك أن الثورات الأوروبية ضد الملكية والكنيسة في القرن..
(3/80)
..التاسع عشر كان محركها الأساسي هي طبقة التجار، من أجل حكم ديمقراطي ليبرالي رأس مالي، وإن كانت غايتهم الحقيقية هي كسر ظهر الملكيات التي بقيت حائلاً بينهم وبين تمكنهم من استحكام قبضتهم الاحتكارية على ثروات الشعوب ومصائرها. ولم يكن حرصهم على فرض النظام الديمقراطي إلا لكونه..
(4/80)
أكثر النظم السياسية رهينة للتلاعب من ذوي المال والنفوذ.
-علماً أن المنصفين يقرون بأن المَلكيات كانت تمثل أصدق تعبير عن الديمقراطية لأنها الأقرب إلى حكم الشعب بالشعب حيث يكون الحكم لأسرة من ذلك الشعب نفسه.
-ومن الجدير بالإشارة أيضا أن ماركس لم يكن معارضا لوجود النظم..
(5/80)
الرأسمالية، على خلاف ما يتصور البعض، بل كان يرى وجودها ضرورة مرحلية من شأنها الانتقال الحتمي إلى الاشتراكية، وفقا لنظرية المادية الجدلية، ثم التحول الحتمي للشيوعية والزوال التام للطبقيات.
-ورأى ماركس حتمية حدوث الثورات العنيفة ضد الأنظمة الرأسمالية وسمى ذلك العنف..
(6/80)
.."الإرهاب الأحمر" Red Terror، تجسيدا للمادية الجدلية بين طبقتي العمال والملاك، ونتيجة لإيمانه بالداروينية الاجتماعية فقد رأى أن تلك الثورات تعد من قبيل النشوء والتطور وبالتالي هي حتمية علمية، ولذا سماها الاشتراكية العلمية Scientific Socialism، رغم أنها لم تكن غير تنبؤات..
(7/80)
لم تتحقق، وهنا ننتبه إلى أن مصطلح "العلم" Science في المنظور الماركسي لا يعني المعرفة الخاضعة للملاحظة والتجربة أو نحو ذلك، بل يعني كل ما وافق إملاءاتهم الأيديولوجية، ولذلك هو غير قابل للمساءلة أو النقد، وهذه هي حقيقة العلموية Scientism. (وفي هذا السياق مثلا، يقول أمثال..
(8/80)
الدكتور فاوتشي عن نفسه: "أنا العلم").
-لكن الواقع أن الزوال التام للطبقية سوف يكون على الجماهير وحدهم، مع بقاء نخب خاصة تتولى الإدارة والتنسيق، وفقاً لتنظيرهم.
-ووفقاً لهذا المنظور لن يكون الماركسيون وحدهم من يطمع في تحويل الجماهير إلى نسخ من بعضها هاملة وعائلة عليهم..
(9/80)
ومطواعة لإملاءات "النخب الإدارية" Managerial Elites، بل إن أرباب الرأسمالية الاحتكارية سوف ينافسون الماركسيين على هذا التموضع المهيمن، وهذا ما يفسر أحداثا مفصلية جرت وتجري.
-كما يعرف الجميع فإن نبوءات ماركس "العلمية" بشأن الثورات العالمية لم تتحقق، الأمر الذي استدعى..
(10/80) من الماركسيين إعادة فحص النظرية وإجراء تعديلات وإصلاحات لها، وقد سبق أن أفردتُ سلاسل Threads عن غرامتشي وفلاسفة مدرسة فرانكفورت الذين غيروا الجدلية من كونها بين طبقة الملاك وطبقة العمال لتكون جدلية ثقافية بين الفئات الاجتماعية (وفقا للعرق ولون البشرة والميل الجنسي ودرجة
(11/80)
الإعاقة.. إلى آخره).
-ولكن كان هنالك حراك ماركسي تصحيحي أخطر من ذلك بكثير، وقد تكون أقوى الحركات تأثيرا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا في العالم. وقد تبلورت في نهايات القرن التاسع عشر في إنجلترا، وذلك على مسارين متوازيين متخادمين.
-المسار الأول: بدأ على يد تاجر
(12/80)
ماسوني بريطاني اسمه اللورد سيسيل رودز Cecil Rhodes في نهايات القرن التاسع عشر، وكان من تجار مناجم الماس في جنوب أفريقيا تحت مظلة شركته شركة جنوب أفريقيا البريطانية، التي أسسها على نموذج شركة الهند الشرقية (كخادمة للإمبراطورية وماكنة غسل أموال)، كان مندوبا عن
(13/80)
الامبراطورية في حكم مناطق من أفريقيا منها زامبيا وزمبابوي اللتين سماهما على اسمه "روديشيا"، ونهب أراضي ومقدرات شعوبها. وكانت تدور حوله شبهات شذوذ وبيدوفيليا، وكان مهتما بجمعية البحوث الروحانية Society for Psychical Research، (عالم السحر والشياطين)، وفقاً لكاتب سيرته
(14/80)
روبرت روتبيرج.
-وكان من المهووسين بتمدد الإمبراطورية البريطانية وإعادة الولايات المتحدة الأمريكية تحت مظلة الكومنولث البريطاني.
-كما شاركه ذلك التوجه اللورد آلفريد ميلنر (السكرتير الخاص لبنك إنجلترا) واللورد روبرت سيسيل وآرنولد توينبي واللورد جورج كورزون (نائب
(15/80)
الإمبراطورية على الهند)، ومفكرون آخرون أكثرهم من جامعة أوكسفورد، وكثير منهم كانوا قيادات بمحافل ماسونية، وكانوا مدعومين من قبل اللورد ناثان روثتشايلد، بل الواقع أنهم كانوا أقرب إلى كونهم واجهة لروثتشايلد (ما بشبه دور كلاوس شواب اليوم)، وقد تولى معهم قيادة مجموعة خاصة
(16/80)
تتبنى شكلا من أشكال الاشتراكية بمسمى الامبريالية الليبرالية Liberal Imperium، والنظام العالمي اللبرالي Liberal World Order، تحت شعار الحرية والمساواة والإخاء، وذلك باستراتيجية براغماتية إذ يرون البراغماتية إرثا إنجليزيا أمريكيا.
-كما شاركت ضمن مساعيهم طائفة اليسوعيين
(17/80)
الكاثوليكية (الرهبنة اليسوعية) التي لها ميول اشتراكي وحضور تبشيري في ١١٢ دولة حول العالم.
-تم إطلاق عدد من الأسماء على هذه المجموعة منها: جمعية سيسل رودز السرية، جمعية المنتخبين Society of the Elect، مجموعة ميلنر Milner Group، مجموعة الطاولة المستديرة Round Table Group،
(18/80)
مجموعة تشاذام هاوس Chatham House Crowd.
-وقد وجدوا تحالفات مبكرة من أوساط ثراء أمريكية مثل جون مورغان الذي ترأس لاحقا شركة جي بي مورغان، وتاجر سكك الحديد وليام فاندربيلت، و المصرفي جيمس روزفلت (عم الرئيس ثيودور روزفلت) ومصرف تشيس Chase Bank وغيرهم، وعلى غرار
(19/80)
مجموعة ميلنر تشكلت في أمريكا مجموعة مورغان Morgan Group، وتمت تسمية المجموعة الأمريكية بـ "مؤسسة الميناء الشرقي الأنجلو أمريكية"، وكانوا يمثلون النخب المالية والأكاديمية على الساحل الأمريكي الشرقي.
-خلال عشرينيات القرن العشرين سيطروا في وقت وجيز على الصحافة والمنافذ
(20/80)
الإعلامية منها الواشنطن بوست، هيرالد تريبيون، كريسشيان مونيتار، سبيكتيتور، إيكونومست ، إلى آخره.
-وكان المسمى العام للمجموعتين على جانبي المحيط الأطلنطي هو "المؤسسة الأنجلو أمريكية" The Anglo-American Establishment، ثم امتدت لهم تحالفات في فرنسا عن طريق مصارف روثتشايلد
(21/80)
ومصارف لازارد، حتى رأى البعض أن التسمية الأدق هي "المؤسسة الأنجلو أمريكية الفرنسية".
-وقد أجروا "تجارب ديمقراطية" على المستعمرات مثل كندا واستراليا ونيوزيلندا بحيث يبدو للشعوب حكمٌ ديمقراطي بينما السيطرة الفعلية هي لمؤسسة الظل المصرفية ومقرها لندن، وقد وظفوا نتائج تلك
(22/80)
التجارب في مشاريعهم ومخططاتهم من أجل حكومة عالمية موحدة.
-وفي مرحلة لاحقة تغير توجههم من استعادة أمريكا إلى الإمبراطورية البريطانية، إلى التغلغل داخل أمريكا من أجل إلغاء سياسة عدم التدخل التي وضعها الآباء المؤسسون.
-كان من رفاق سيسيل رودز في هذا التجمع اللورد آرثر
(23/80)
بلفور Arthur Belfour، وكان عضوا معهم في المعهد الملكي للشؤون الدولية بل كان يشارك رودز اهتمامه بجمعية البحوث الروحانية، وبلفور هذا هو صاحب وعد بلفور (أو إعلان بلفور) رغم أن الذي حرر نص الإعلان في الواقع هو آلفريد ميلنر الذي تولى القيادة بعد موت سيسيل رودز.
-عام ١٩٢٠
(24/80)
أسسوا المعهد الملكي للشؤون الدولية (RIIA) في لندن، الذي اشتهر باسم تشاذام هاوس Chatham House، وعلى ذلك النموذج تم بعد عام وبالتنسيق مع حلفائهم وراء المحيط الأطلنطي تأسيس مجلس الشؤون الخارجية Council On Foreign Relations في نيويورك، الذي تطور ليصبح أكثر المنظمات
(25/80)
الأمريكية نفوذا وتشكيلا للأحداث والتاريخ.
-بحلول ١٩٣٨ سيطروا على القرار في المملكة المتحدة، وكان لهم الدور الأعمق في تنسيق الحربين العالميتين وفق تراتبيات تدفع بالحراك نحو حكومة عالمية واحدة تحت سيطرتهم.
-اللورد روبرت سيسيل كان المصمم الرئيسي لعصبة الأمم، ومقابل ذلك…
(26/80)
تم منحه جائزة نوبل عام ١٩٣٧، وبهذا ندرك كم هذه المؤسسات متداخلة ومترابطة من أجل غايات مشتركة.
-ملياردير الحديد الأمريكي آندرو كارنيجي ، الذي تأثر بالاشتراكية الفابية كما سيأتي، أنشأ مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وتولى رئاستها إيليهو روت، الذي كان وزير الخارجية في عهد
(27/80)
الرئيس ثيودور روزفلت، فتم توظيف إيليهو روت للتأثير على الرئيس الأمريكي الديمقراطي وودرو ويلسون وإقناعه والضغط عليه لإعلان التخلي عن سياسة أمريكا الانعزالية والانضمام لعصبة الأمم من أجل تأسيس حكومة عالمية، وقد نجحوا في إقناع الرئيس ويلسون إلا أن مساعيه اصطدمت بقلعة
(28/80)
الكونجرس الأمريكي الذي رفض الانضمام لمنظمة رأى فيها بوادر عولمية مناقضة لمبدأ الوطنية وعدم التدخل الذي قامت عليه الولايات المتحدة. وبالمناسبة، تم منح إيليهو روت جائزة نوبل للسلام.
-وبعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة وزيادة نفوذ هؤلاء داخل الولايات
(29/80)
المتحدة نجحوا خلال رئاسة الديمقراطي روزفلت في انضمام أمريكا، بتأثير من نائبه الماركسي الباطني هنري والاس، وبالمناسبة هو الذي أقنع روزفلت بإضافة صورة العين الماسونية على الدولار.
-وانضم إلى قافلة دعم حراك الحكومة العالمية عوائل ثرية مثل الإخوة لازارد وبنك لويد Loyds
(30/80)
Bank، وفي أمريكا جي بي مورغان J P Morgan وغيره كثير.
-كان هذا المجتمع الخاص يروج على السطح لمبادئ اللبرالية والمساواة، رغم أنهم نشروا أيضا ما يكشف معتقداتهم الداروينية العنصرية المتطرفة التي تؤمن بأن الإنسان الغربي ممثلا في الإمبراطورية البريطانية هو سقف التطور العرقي
(31/80)
البشري، الأمر الذي يوجب حكمهم للعالم وفرض حضارتهم عليه فرضا.
-وبالمناسبة كلنا يعرف كتاب داروين "أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي" ولكن من يدري أن العنوان الأصلي تضمّن "بقاء الأعراق المفضلة في الصراع من أجل الحياة"، يقصد العرق الإنجليزي.
-وقد اعتمدوا سياسة الاحتفاظ
(32/80)
بخصوصية الغايات والمخططات الفعلية داخل الدائرة الضيقة، مع تفعيل دوائر محيطة من المفكرين والساسة والإعلاميين الموهومين بأنهم يساهمون في نشر الإنسانية والمساواة، وسموهم بالمساعدين الخارجيين Outside Helpers، وأمثال هؤلاء في العرف الشيوعي يسمون بالحمقى النافعين Useful
(33/80)
Idiots.
-وكان لزوجاتهم أدوار أيضا، ولذا حرصوا على التزاوج الداخلي فيما بينهم لا سيما ضمن الدوائر الخاصة.
-وعملوا باستراتيجية الاختراق في ثلاثة ميادين: التعليم والإعلام والسياسة، بزرع عملائهم في المراكز المفصلية في المجتمع، والعمل على تحويل الساسة إلى مجرد منفذين
(34/80)
لأجنداتهم، وتجنيد عملائهم الساسة من كلٍّ من اليسار واليمين، كما تغلغل نفوذهم إلى داخل كنيسة إنجلترا التي يترأسها الملك.
-كما ابتكروا سياسة الباب الدوار Revolving Door، وهي أن يقوم عملاء هذا الحراك بالتنقل والتناوب ما بين المراكز المؤثرة في القطاعات السياسية والمالية
(35/80)
والإعلامية، نفس الوجوه تخرج من هذا الباب لتدخل في ذاك، وهو ما نراه اليوم جليا.
-وكان لهم منشورات منها مجلة الطاولة المستديرة Round Table Magazine، ومجلة الشؤون الخارجية Foreign Affairs الصادرة عن مجلس العلاقات الخارحية بنيويورك، فضلا عن سيطرتهم على منافذ إعلامية مثل
(36/80)
البي بي سي وصحف مثل التايمز اللندنية وغيرها، كل ذلك لترويج البروبجاندا التي تغطي على حقيقة مخططاتهم وإشغال الجماهير بالتهديدات الخارجية.
-وقد انتظمت ضمن هذا الحراك كلٌ من المصرفية الكاثوليكية والمصرفية البروتستانتية والمصرفية اليهودية، طمعا في فرض منظومات تضمن حرية
(37/80)
التجارة والتخلص من التعرفة الجمركية، والسيطرة على العملة وإصدارها.
-المسار الثاني: بالتوازي مع كل الأحداث المذكورة أعلاه منذ نهايات القرن التاسع عشر انطلق المسار الثاني محاذيا لها ومتداخلا معها، حيث كان يجتمع في لندن ماركسيون شغوفون من أهمهم جورج برنارد شو (الكاتب
(38/80)
المسرحي) وسيدني ويب وسيدني أوليفار وغراهام والاس، وتباحثوا حلولا لما أرقهم من عدم اكتساح الماركسية للعالم كما كانوا يحلمون، وذلك في مقهى كان مقرا لهم في لندن.
-فأسسوا عام ١٨٨٤ مجتمعا خاصا بهم سموه "الجمعية الفابية" Fabian Society، اخذوا اسمهم من اسم الجنرال الروماني
(39/80)
فابيوس كونكتادور (٢٠٣ قبل الميلاد)، الذي اشتهر بإتقان استراتيجية التدرج البطيء في الحرب، وتجنب الصدام المباشر وتأخيره قدر المستطاع، الأمر الذي استطاع عن طريقه الانتصار على هنيبعل، وهو ما يمثل استراتيجيتهم في نشر ماركسيتهم المصححة وهي ما تمت تسميتها بـ "الاشتراكية
(40/80)
الفابية". وبعض هؤلاء مع عضويته الفابية كان أيضا عضوا في مجموعة ميلنر، مثل جورج برنارد شو غيره.
-يعرفون أنفسهم بأنهم مجتمع أخلاقي يعمل على نشر المبادئ الأخلاقية الماركسية الاشتراكية.
-وكان من أهم تعديلاتهم للمنظور الماركسي الكلاسيكي هو تركيزهم على ما أسموه بالاقتصاد
(41/80)
السياسي، مما أدى بهم عام ١٨٨٥ إلى تأسيس كلية لندن للاقتصاد (LSE) الشهيرة.
-وقد تأثر بهم الاقتصادي جون مانيارد كينز الشهير الذي ينسب له الاقتصاد الكينزي Keynesian Economics الذي يكرس سياسة استمرار العجز في الميزانيات Perpetuated Deficit، وكان له يد في تأسيس البنك الدولي
(42/80)
ومؤسسة النقد الدولية.
-كما أسسوا عام ١٨٩٠ الاتحاد الاقتصادي البريطاني (BEA) والذي أصبح عام ١٩٠٢ الجمعية الملكية الاقتصادية، كل ذلك لترويج الاشتراكية الفابية، وكان للفابيين يد في تشكيل الاتحاد الاقتصادي الأمريكي عام ١٨٨٥ في ساراتوجا بولاية نيويورك، ثم انتقل مقره إلى
(43/80)
ناشفيل ولاية تينسّي.
-وقد تبنوا استراتيجية الـ Permeation، أي التسلل والاختراق والتغلغل، وهي استراتيجية التحول الاشتراكي خلسةً وليس عن طريق الثورات المباشرة.
-وقال جورج برنارد شو إن الاستراتيجية الفابية هي "جر الأسلاك داخل الحكومات لتمرير الإجراءات الاشتراكية"، وكان
(44/80)
شو يطعّم مسرحياته التي يكتبها بالايديولوجيات الاشتراكية الفابية، وكان يعلن دفاعه عن لينين وستالين.
-عام ١٩١٠ استصنع جورج برنارد شو لوحة زجاجية ملونة تظهره هو واثنين من رفاقه يصنعون النظام العالمي الجديد، وتحتهم أتباعهم من الفابيين في وضع الركوع والعبادة لهم وبجوارهم
(45/80)
ركام من الكتابات الفابية. وتحتوي اللوحة شعارا يقول "إعادة تشكيل العالم لشيء أقرب إلى رغبة القلب". وتسمى اللوحة بـ "النافذة الفابية" وهي موجودة الآن بكلية لندن للاقتصاد حيث تم تدشينها عام ٢٠٠٦ بحضور رئيس الوزراء توني بلير الذي صرح لصحيفة الكلية بأنه فابيٌ ملتزم.
(46/80)
وقد نصوا في كتاباتهم على أن غايتهم هي هدم العالم كما هو وإعادة بنائه وفق المنظور الاشتراكي، وصرحوا بضرورة العمل على إلغاء الأسرة النووية، لاسيما بعد سيطرتهم على مجلس مدينة لندن في الخمسينيات، الأمر الذي ظهرت إحصائياته المريعة في بريطانيا خلال بدايات القرن الواحد والعشرين.
(47/80)
وقد اتخذوا شعارا لهم هي رسمة ذئب متنكر في ثياب حمل، كذلك شعار السلحفاة التي تمثل منهجيتهم في التغلغل البطيء.
-إضافة إلى نشر الإلحاد فإن الفابيين باسم معالجة مظلوميات الماضي كرّسوا سياسات تشجيع الهجرة من الجنوب العالمي إلى إنجلترا بل أوروبا كلها من أجل تغيير ديمغرافي
(48/80)
مقصود، لاسيما من العالم الإسلامي لكسر شوكة قوى المسيحية الأوروبية المعاندة لهم، وحرصوا على قبول المهاجرين من الانتماءات الصوفية والخرافية. وقد قال فيلسوفهم الملحد بيرتراند راسل: "الإسلام سيكون أداة عظيمة كقطعة شطرنج لإعادة تنظيم المجتمع". وانتقلت هذه السياسة إلى رفقائهم
(49/80)
الأمريكيين، وهذا ما يفسر الانتماء اليساري لعموم المجتمعات المسلمة في الغرب. وإن كانت تدابيرهم هذه قد أدت في الواقع إلى ما لم يكونوا يتوقعونه وهو الانفجار الهائل في انتشار الإسلام بين الغربيين أنفسهم.
-للإنسان هنا أن يتساءل عن مصادر تمويل الجمعية الفابية، والجواب أن
(50/80)
التمويل خلال تلك البدايات كان عن طريق شركة الحلويات كادبوري Cadbury و راوندتريز Roundtrees، مما يعد من أولى مظاهر التحالف الاشتراكي الرأسمالي.
-ومارسوا فيما بعد ما أسموه باصطياد المليونيرية، عن طريق مخالطة النخب الثرية، وفي هذا السبيل قام جورج برنارد شو بتوظيف قدراته
(51/80)
الأدبية في صياغة منشور "دعوي" عنوانه "الاشتراكية للمليونيرية" Socialism for Millionaires.
-هذا المنشور أدى إلى قدح فتيل حراك بين الأثرياء ووجد طريقه عبر المحيط الاطلنطي حتى اقتنع به ملياردير الصناعات الحديدية الأمريكي آندرو كارنيجي، وهنري فورد مؤسس شركة فورد للسيارات،
(52/80)
وجون روكفلر صاحب شركة Standard Oil، وهو والد ديفيد روكفلر.
-والأحداث المتوالية ستثبت أن "الاعتناق" السريع من قبل هؤلاء الرأسماليين الاحتكاريين للاشتراكية لم يكن بدوافع "عدالة اجتماعية" وإنما لأنهم رؤوا في النظام الاشتراكي وسائل لإحكام قبضتهم الاحتكارية وآليات لزيادة
(53/80)
نقل الثروات من جيوب الجماهير إلى حساباتهم.
-وكان من أعضائهم من النساء الماركسية آني بيسانت، صاحبة خطة النقاط العشر للاستيلاء على المسيحية، وكذلك الماركسية آليس بيلي، صاحبة مؤسسة "الشيطان" Lucifer التي تعمل كجهة استشارية للأمم المتحدة في مجال التعليم.
-وقد أسس الفابيون
(54/80)
كلية لندن الامبريالية Imperial College، بتمويل من شركات الماس، وكان لهم تأثير على جامعات أمريكية أهمها جامعة هارفارد التي كانت تحت تحكم جي بي مورغان، وفيها درس ديفيد روكفلر كما درس أيضا في كلية لندن للاقتصاد فاستشرب الاشتراكية الفابية. وبالمناسبة، ديفيد روكفلر اشتغل
(55/80)
عميلا استخباراتيا، وهو يعزو ما كونه من شبكات علاقاته الدولية إلى تلك المرحلة.
-وعن طريق تنظيم مجموعة ميلنر والفابيين قامت عناصر من الاستخبارات البريطانية بالتنسيق مع حلفائهم في أمريكا بتأسيس جهاز الاستخبارات الأمريكي، مكتب الخدمات الاستراتيجي OSS عام ١٩٤٢، دون مرجعية
(56/80)
دستورية، ومن أول من ترأسه ويتني شيبردسون، وهو اشتراكي فابي، وتحول OSS فيما بعد إلى الـ CIA، ليكون جهازا يحمل أولوية خدمة وحماية مشروع هؤلاء النخب للهيمنة الغربية على العالم، وكانت بداية نشوء ونمو الدولة الأمنية الأمريكية أو الدولة العميقة، وتحويل أمريكا من تاريخها
(57/80)
الجمهوري إلى دولة إمبراطورية.
-من المؤسسات التي تم تأسيسها على يد أعضاء مجموعة ميلنر والاشتراكيين الفابيين، أو كانوا خلف تأسيسها:
•نظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ١٩١٣ Federal Reserve، على نموذج بنك إنجلترا.
•عصبة الأمم (التي فشلت)
•"مجموعة من أجل حكومة عالمية" التي
(58/80)
تحولت إلى اتحاد البرلمانيين
•الأمم المتحدة (الأرض التي أقيمت عليه كانت تبرعا من عائلة روكفلر)
•الحلف الأطلسي ١٩٤٩ NATO
•البنك الدولي
•صندوق النقد الدولي
•بنك التسويات الدولية
•محكمة الجنايات الدولية
•محكمة العدل الدولية
•مجلس الكنائس العالمي
•الاتحاد الأوروبي
(59/80)
•مجموعة الـ G8
وغيرها
-من اللافت أن تلك القوى النخبوية الغربية، سواء مجموعة ميلنر أو الاشتراكيون الفابيون، يشتركون في أهدافهم ومن أهمها تقليص سكان الكوكب إلى تعداد "تَسْهُل إدارته"، ولم يتركوا مجموعات تأثير إلا جندوها لصالح أجنداتهم الهيمنية، بما في ذلك الطوائف الباطنية
(60/80)
والروحانيون وعباد الشيطان، كأمثال الإنجليزي أليستر كراولي، واعتبروا تلك المسالك الروحانية Mysticism غطاءً جيداً للأعمال الاستخباراتية.
-ومن الموثق أن تنظيم الإخوان المسلمين كان يعمل لصالح الاستخبارات البريطانية والأمريكية دعما للهيمنة الغربية على العالم رجاءَ أن يصبحوا
(61/80)
مناديبهم في إدارة هذه المنطقة، وكانوا عملاء الغرب في "خلق الإرهاب ومنظماته وتمويلها"، كما فصّل ذلك مايلز كوبلاند في كتابه "لعبة الأمم" Game of Nations.
-ومن المعلومات الصاعقة أنه تحت إشراف هؤلاء النخب كانت بيوت المال والمصارف الغربية الكبرى مصدر تمويل للثورة على
(62/80)
الإمبراطورية الروسية ١٩١٧ ومقدمات الثورة البلشفية، من خلف واجهات مثل الصليب الأحمر، بل كانت تلك المصارف مصدرا لتمويل النازية، بل إن تاجر الحديد كارنيجي كان يورد الحديد إلى ستالين إبان الحرب الباردة، وخلال الحرب الأهلية الصينية كانوا يتظاهرون بدعم الصينيين الوطنيين بينما
(63/80)
كانت الـ OSS الأمريكية تدرب جنود ماو الشيوعيين، وكانت كبريات الصحف مثل النيويورك تايمز تمجد التجربة النازية قبل الحرب، كما كانت مشاركةً في التعتيم على الإبادات والمجاعات التي حصلت على يد ستالين.
-لقد كان هؤلاء النخب الغربيون يخططون وينفذون بدقة عالية، من حيث دعم
(64/80)
الرأسمالية الاحتكارية الغربية ودعم الشيوعية الشرقية، لتكون الأولى فرضية والأخرى فرضية مقابلة، حتى تنتهي الجدلية بين الفرضيتين إلى ما سموه بالطريق الثالث، ألا وهي رأسمالية أصحاب المصالح StakeHolder Capitalism، بأيديولوجياتها الاجتماعية والبيئية.
-وأسسوا في سبيل ذلك
(65/80)
تجمعات وأندية سرية منها:
•الجمجمة والعظام Skull&Bones والتي قامت ابنة أحد أعضائها وهي امرأة اسمها تشارلوت آيزربيت Charlotte Iserbyt بنشر القوائم السرية لأسماء أعضائها والذين يشكلون أبرز الأسماء والعوائل ذات الثقل السياسي والمالي.
•مجموعة برايس ١٩١٤ Brice Group
•معهد
(66/80)
بروكينجز ١٩١٦ Brookings Institution
•تشاذم هاوس ١٩٢٠ Chatham House
•مجلس العلاقات الخارحية Council on Foreign Relations
•منظمة الاشتراكيين الدولية Socialist International، وكان يترأسها انتونيو غوتيريش قبل توليه منصب أمين عام الأمم المتحدة
•مجموعة بيلدربيرج Bilderberg
(67/80)
Group في الخمسينيات
•معهد آسبين Aspen Institute
•المجلس الأطلنطي Atlantic Council
•اللجنة الثلاثية Trilateral Commission عن طريق ديفيد روكفلر وبريجنسكي وبعضوية كيسنجر الذي تولى تربية كلاوس شواب سياسيا
•شواب أسس المنتدى الإداري الأوروبي في السبعينيات
•والذي تحول في
(68/80)
التسعينيات إلى المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي اكتمل تجييشه للبنوك والشركات الغربية الكبرى، لتحقيق غاياته ومنها القضاء على المؤسسات التجارية المتوسطة والصغيرة وبالتالي السعي المتدرج لانقراض الطبقات المتوسطة في العالم.
-إن كل ما مضى شكل أحداثا متسلسلة مترابطة من أجل
(69/80)
غاية واحدة، وقد حرصت تلك التجمعات والمنظمات على استهداف الشباب لتنشئة أجيال متوالية مبرمجة ومجندة لخدمة مشروع الهيمنة الغربية، من خلال مناهجهم العولمية التي تتبناها مؤسسات الأمم المتحدة وأهمها مناهج "التعليم الاجتماعي العاطفي" SEL التي قطعوا أشواطاً في مسعاهم الحثيث
(70/80)
لإقحامها في جميع مدارس العالم، وكذلك مدرسة القادة العولميين الشباب التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي والتي تنتقي تلاميذها من حول العالم بكل دقة من الطبقات ذوي النفوذ والتأثير، وكذلك منظمات "مشكِّلو العالم" Global Shapers التي اخترقت بفروعها الشبابية (Hubs) أغلب دول
(71/80)
العالم.
-و هم يرون في جبروت حكم الحزب الشيوعي الصيني الباطش نموذجا للطريق الثالث الذي يسعون لفرضه على العالم، واستنفاد مقدرات الشعوب عن طريق رأسمالية أصحاب المصالح التي تعد أكبر حيلة احتكارية وتحكُّمية مرت في التاريخ البشري، والتي جسدوها وفرضوها باسم تصنيف الـ ESG
(72/80)
بايديولوجياتها الاجتماعية والبيئية التي وضعوها هم، والتي تمثل آلية صارمة لتنقية السوق العالمي من الشركات التي تنأى بنفسها عن الخضوع لخدمة أجنداتهم السلطوية على العالم، ولكي تتكدس وتتركز التجارة التموينية والخدماتية كلها بيد الشركات الاحتكارية متعددة الجنسية الخادمة
(73/80)
للأجندة العولمية، بحيث تمثل تلك الشركات جهازا بوليسيا عالميا يفرض تنفيذ وإلزامية أجنداتهم على الجماهير والأفراد، (بل ضد الحكومات أيضا كما سلطوها ضد روسيا مؤخرا)، من أجل غاية الوصول إلى حرمان الشعوب من الملكية الخاصة، كما أعلن ذلك المنتدى الاقتصادي العالمي: "لن تملكوا
(74/80)
شيئا وستكونون سعداء".
-وإن غايتهم النهائية من كل هذا هي توظيف التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي والتبريرات الصحية وحوافز "تسهيل الحياة" في التحول إلى مرحلة ما بعد الإنسانية، والتي يرونها مرحلة الاكتمال التام لسيطرتهم على الكون ويعدونها حياة الخلود في منظورهم الوضيع
(75/80)
البائس.
-إن غطرستهم وغرورهم الشيطاني وعنصريتهم العرقية الداروينية وثرواتهم المختلسة جعلتهم يحقرون الجماهير والشعوب ويستغبونها إلى حد بدائي، لكنهم أصبحوا يعيشون صدمة وحيرة أمام ما يرونه من وعي الشعوب المتزايد ويقظتها النشطة وتحركها السلمي المضاد لكل أيديولوجياتهم
(76/80)
وخطواتهم الاستعبادية، ولذا بدؤوا يدركون أن أيام علوهم واستكبارهم غدت معدودة، وسوف يرمون بباقي ما لديهم من أدوات خلال هذه المرحلة القريبة القادمة، وقد يتهورون.
والله غالب على أمره.
-المصادر:
إن كل ما هو مذكور أعلاه ليس سوى قطرات من بحر أجاج من الأحداث التاريخية الموثقة
(77/80)
في مصادر مثل:
•كتاب "المآسي والأمل" Tragedy and Hope، ١٩٦٦، لكارول كويجلي، وكان مؤرخا نخبويا مؤيدا للحراك العولمي، وكانت مصادره هي أرشيف مجموعة الطالة المستديرة وأرشيف مجلس العلاقات الخارحية. وكان الكتاب ذو الصفحات الـ ١٣٠٠ مرجعا تدريبيا لعناصر الاستخبارات الأمريكية
(78/80)
ليدركوا خلفيات الأحداث ولا يستشكلوا ما يبدو أنها تناقضات، مثل الدعم الغربي للشيوعية الشرقية إبان الحرب الباردة.
•كتاب "المؤسسة الأنجلو-أمريكية" The Anglo-American Establishment، ١٩٨١، لكارول كويجلي.
•"وول ستريت والثورة البلشفية" WallStreet and The Bolshevik
(79/80)
Revolution، ١٩٧٤، لآنثوني سوتون، وقد اقتبس زبغنيو بريجنسكي من كتابات سوتون ضمن كتاب بريجنسكي "العصر التكنوقراطي" Technocratic Era.
•"وول ستريت وصعود هتلر" WallStreet and The Rise of Hitler، ١٩٧٦، لآنثوني سوتون.
•"لعبة الأمم" Game of Nations، ١٩٦٩، مايلز
(80/80)
كوبيلاند.
•"مؤامرة ميلنر-الفابيون" The Milner-Fabian Conspiracy، ٢٠١٢، للكاتب الروماني لون راتيو.
•هذا رابط لكتاب "المؤسسة الأنجلو-أمريكية":
papelesdesociedad.info
(نهاية السلسلة Thread)

جاري تحميل الاقتراحات...