صالح بن عيسىٰ العَبْرِي
صالح بن عيسىٰ العَبْرِي

@Saleh_Abri_OMN

19 تغريدة 22 قراءة Jan 17, 2023
لستُ [مُهرِجًا] فصنعتي ليست [الإضحاك]
تحت هذه التغريدة قصتي في مستشفى الصين، وعتاب إحدى الجهات على رأيٍ شَخَّصته، واستوقفني أحد الفضلاء عن مقالٍ لي اشعره بالتشاؤم!
اكمل القراءة تحت التغريدة
#صالح_العبري
١
مرضتُ ذات مرة وأنا مقيم في الصين، فاضطررت الذهاب للمستشفى، كان المستشفى ثالثيا تابعا لاحدى الجامعات، ضخم المباني، كبير الحجم، متعدد الطوابق، متشعب الأقسام
٢
يحدث ما سبق في اغلب مستشفيات العالم، فالمستشفيات الثالثية مقصد الناس ليكشف الطبيب عن عللهم، كذلك المستشفيات الثانوية والرعاية الصحية الأولية. ليست "داروخانة" بل هي مكان لتشخيص المرض، ونجاحها في التشخيص، ينعكس على نجاعتها في العلاج. فأكثر من نصف العلاج التشخيص
.
٣
قاعة الإنتظار عبارة عن ممر طويل، اطول من ساعة الألم المبرح التي يعاني منها المريض.
الألم نعمة من الله للإنسان، نعم الألم نعمه، فالألم هو صرخة رعب من الجسم للإنسان، لكي ينتبه الإنسان أن هنالك أسباب داخل جسمه تهدده، وتؤذن بزوال صحته
٤
الألم بحد ذاته ليس عرضا ولا مرضا، إنما هو ناقوس خطر، ليستجيب صاحبه بمعالجة اسباب الخطر، ألا ترى أن مريض السكري المتقدم يفقد الكثير من الاحساس عن رجليه، فينجرح ويصاب بدون أن يحس بذلك، يؤدي ذلك لاحقا إلى مضاعفات لا تحمد عقباها كغرغرينا القدم السكري
٥
وأنا في الانتظار دخل مرافقي إلى غرفة الطبيب ثم عاد إليَّ يدعوني الدخول إلى الطبيب، فأخالني قُدِّمت عن كل الصينيين المنتظرين لأني ضيف على الصين، هكذا فهمت من الطبيب
٦
دلفت من الباب فإذا غرفة الطبيب طويلة لدرجة أني كنت اناظر رجلا كهلا في نهايتها وكأنه في نهاية ساحة عامة وخلفه مساحة فارغة إلا من بضع كراتينٍ واقفاصٍ وأكياس، الطبيب كبير السن والقدر، يجلس على كرسي وطاولة امامه عليها بعض الاوراق
٧
أمام الطاولة كرسيان، عليهما زوجان صينيان مسنّان، يحمل الرجل قفصًا به بيض قدمه إلى مساعد الطبيب وهو يتمتم بعبارات صينية لا افقهها، الصينيون يتكلمون لغات متعددة، فالصينية ليست لغة واحدة
.
٨
رَجَعَتْ بي الذاكرة قبل دقائق عندما رأيت الناس في الانتظار -أغلبهم- يحملون متاعا في ايديهم، كرتون أو قفص أو كيس، فظننتها امتعتهم، فإذا هي قرابين للطبيب
٩
اشار إلي الطبيب أن أجلس في كنبة على زاوية الغرفة، كنبة تتكون من قطعتين، مكسوة بجلد أسود، قطعة واحدة تتسع لشخص، والقطعة الأخرى طويلة تتسع لثلاثة اشخاص، جلسنا أنا ومرافقي عليها، في انتظار الطبيب يفرغ من مريضته الصينية المسنة
١٠
كل أؤلائك الناس المرضى -وأنا منهم- جاؤوا إلى الطبيب ليسمعو منه بالغالب رأيًا لا يسرهم، بل ليسمعوا رأيا صريحا صادقا عن مشكلاتٍ صحية يعانوا منها، ليستطيعوا التخلص من آلامها، وما جاؤوا إلى الطبيب إلا بعد أن أوجعهم الحال، وقضم راحتهم السهر
١١
الطبيب ليس مهرجًا ليسمع من يأت إليه كلاما يضحكه، بل هو صاحب صنعة يشخص الداء فيصف له الدواء. مهما كان وقع إخبارِ المريض بمرضه صادما، إلا أنه لا سبيل للشفاء إلا أن يعرف المريض مرضه، ثم يأخذ عليه الدواء وتعليمات الطبيب، فيأت الشفاء بتلك الأسباب بعد أن يأذن الله بالشفاء
١٢
الميكانيكي عندما تشكي علة في سيارتك، يخبرك سبب العطل، ويعطيك الحلول مهما كان ذلك مكلفا لك.
لا فرق بين الطبيب والميكانيكي والإقتصادي والخبير في فن من فنون المعرفة
واجبه مصارحتك بالمشكلة لا إضحاكك، مصارحتك بالمشكلة ليس تشاؤما، بل هذا هو منتهى الصدق لك. فإن لم يفعل ذلك فقد خانك
١٣
الطبيب أو المُشَخِّص إن رأى مريضه بعد مدة وقد تعافى من علته فأخبره أن صحته تامه، وأن مساره في التعافي صحيح، ليس لأنه غير كلامه، بل لأنه صادق معك، غير موتور بالقدح فيك
هو يصارحك بالواقع الذي يراه. ويخبرك بالعلة ليس تشاؤما، بل ذلك قمة التفاؤل أن حدد العلة ورسم طريق التعافي
١٤
الفرق الأساسي بين العلة الجسدية وباقي العلل الحياتية والإدارية والاقتصادية والأسرية و.. أن الجسد أنعم الله عليه بالألم، ليشعرك بالمشكلة المحتاجة للعلاج، فيقض مضجعك حتى تسعى.
أما المرض الإداري والإقتصادي بالغالب لا تراه، أو تغض الطرف هربا للأمام. فعين الرضا عن كل عيب دميمة
١٥
العِلَلَ لا فرق فيمن تأت إليه، فردا أو أسرة أو مؤسسة أو فريق أو فرقة أو ناديًا أو مشروعًا. كل أمرٍ عِلته من نفسه، إن لم يتأتى له الخبير الخارجي، ليكشف عنه، ولا مؤشرات أداء، فمن سينبهه! وستظل علته فيه، تتفاقم حتى تقضي عليه. فرحم الله امرء أهدى إليّ عيوبي، قالها الفاروق يوما
١٥
ليس من مهام الخبراء أو الصحافة المدح وتلميع الصورة، فذلك فن آخر له ناسه، تقوم عليه مؤسسات العلاقات العامة. مهمتها تقديم الحقيقة في قالب واضح خالٍ من الوقاحة
١٦
الصحافة[بانواعها] كسلطة رابعة تشير إلى أمراض في الشأن العام أو الخاص، ربما لم يراها من وقعوا فيها، فتعمل الصحافة عمل نعمة الألم، فهي تصرخ لتعالج، وتكشف لتفحص، لا تصرخ لتفضح، وبين الزاويتين بون شاسع في الرؤية لمن يهتدي
١٧
{قال یـٰقومِ أرءیتم إن كُنتُ علىٰ بیِّنةࣲ من ربی ورزقنی مِنهُ رِزقًا حسنࣰا وماۤ أُریدُ أن أُخالِفكُمۡ إلىٰ ماۤ أنۡهىٰكُم عَنۡه إِن أُریدُ إلَّا ٱلۡإِصلَـٰح ما ٱسۡتطعتُۚ وما توفیقی إلا بٱلله علیه توكلۡتُ وَإِلَیۡهِ أُنِیبُ(٨٨)}هود
٢٢جمادى الثانية١٤٤٤هـ
#صالح_العبري

جاري تحميل الاقتراحات...