نسطور
نسطور

@nkh39

15 تغريدة 9 قراءة Jan 15, 2023
كان الإمام مالك رحمه الله، كثير التقديس للحديث الشريف، وكان رجلًا مَهيبًا، تعلّم الوقار من شيوخه، فصار مثلهم، وكان جريئًا مقدامًا عند الولاة والسلاطين .. وهذه بعض مآثره وأخباره
ونبدأ من صباه، يحدّثنا الإمام مالك أن التلاميذ الذين كانوا يُفطرون على عجل، نبغوا أكثر من الذين كانوا يهدرون وقتهم في الجلوس للإفطار، فكانت أمهات بعضهم، ومنهم مالك، يغمسن لهم الرغيف في اللبن، فيأخذه الغلام معه ويأكله في الطريق، اختصارًا للوقت
ومن أخبار صباه وبداية طلبه أيضًا، أنه خرج يومًا للدرس، فلما حضر لم يجد مكانًا للجلوس، وكان يأبى أن يكتب حديث رسول الله ﷺ وهو واقف، فانصرف، فلما جاء موعد المجلس التالي، عاتبه شيخه بلطف، وقال له: لِمَ انصرفت أمس ولم تسمع؟ قال: كرهتُ أن أكتب حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم
وكان من شيوخه الإمام الزهري، وكان مهيبًا، فكان الإمام مالك يتحيّن الفُرص للقائه، وجاءه في صباح يوم العيد، فقال الزهري للخادمة: مَن بالباب؟ قالت: غلامك الأشيقر، تعني مالكًا، فأدخله واختبر ذاكرته بعدد من الأحاديث ولمّا رأى قوة حفظه وذاكرته علم أنه وعاء علْم
حينما رآه الزهري في صباح العيد عاتبه وقال ما معناه: أهذا موعد ملائم للدرس في صباح العيد فأخبره مالك أن الناس اليوم مشغولون بالعيد، وأنها الفرصة الملائمة للانفراد بالزهري والسماع منه
كبِر مالك بن أنس وصار إمام دار الهجرة "المدينة المنورة"، وصارت تشد له الرحال، وكان متحرّزًا يُكثر من قول: "لا أدري" وجاءه يومًا رجل من بلاد بعيدة فاستفتاه فقال له مالك: "لا أدري" فقال الرجل: ماذا أقول للقوم الذين بعثوني من بعيد؟ قال: قل لهم: إن مالكًا لا يدري.
ويُروى أن أحد تلامذة مالك لحِق بالرجل، فقال له: اعرض مسألتك، فعرضَها فأفتاه التلميذ، فقد رحِم مجيئه من بلاد بعيدة لأجل هذه المسألة.
كان الإمام مالك يقدّس الحديث، فكان التلاميذ يأتونه، وتخرج لهم الجارية تسألهم: تريدون الحديث أم المسائل؟ فإذا قالوا: الحديث، دخل مالك فاغتسل وتطيّب ولبس أفضل ثيابه، وإذا قالت: المسائل، يعني الفقه، ولم يكن الفقه معروفًا بهذا اللفظ، خرج إليهم دون أن يغتسل ويتهيأ
ويُروى أنه يومًا خرج من المسجد النبوي ومعه تلميذ من أخص تلامذته لعله ابن القاسم أو غيره، خرجا يمشيان، فسأله عن حديث، فغضب مالك جدًا، وقال له: تسألني عن حديث من أحاديث النبي ﷺ ونحن نمشي؟ فخجل التلميذ جدًا وفي الدرس لم يجلس قريبًا من شدة خجله، لكنّ مالكًا قرّبه ووعظَه بلُطف
كان من أصول مذهب مالك أصل مختلف عن بقية المذاهب، وهو أصل قوي جدًا هو عمل أهل المدينة، فقد يروي مالك حديثًا لكنه لا يعمل به في مذهبه، لأن عمَل أهل المدينة "المتواتَر" يخالف الحديث
فقد سأله يومًا أحد تلامذته: أتروي حديث: البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا؟ قال مالك: نعم أرويه وأنت طفل تلهو في البقيع، قال: ولِم لا تفتي به؟ قال: لأنه ليس عمَل أهل المدينة
وحينما أتاه أحد كبار تلامذة أبي حنيفة من العراق، لعله محمد بن الحسن، جادله في المُد والصاع، وكان بين أهل المدينة والعراق خلاف في ذلك، فأخذه مالك بيده إلى السوق، وقال: هذا مُد النبي ﷺ وهذه الآنية يتوارثها القوم، فرجع العراقيّ عن قول الأحناف وتبِع مالكًا في مقدار المُدّ
وحينما أتى الإمام الشافعي من مكة، جاء بوساطة كبيرة ليستقبله مالك ويتتلمذ على يده ومعه رسالة من والي مكة، فلمّا استقبله عند الباب وقرأ الرسالة غضب وقال: أيُطلب العلم بالوساطات؟ فمزّق الرسالة، لكنه نظرَ إلى وجه الشافعي وتفرّس فيه شيئًا، أو ناقشه قليلًا فعرف مقدار عقله
ثم صار الشافعي من تلامذة مالك، ويخبرنا الشافعيّ رضي الله عنه أنه كان يتهيّب أن يُصدر صوتًا وهو يقلّب الأوراق في مجلس مالك، من شدّة هيبته وهيبة مجلسه
ولعل للحديث بقية .. إن شاء الله

جاري تحميل الاقتراحات...