ما أكلتُ طعاماً شهيا، ولا اشتريتُ لباساً جديدا، ولا رددت برد هذا الشتاء بلحاف دافئ، ولا وضعتُ رأسي آمنا مطمئناً على فراشي بين أهلي في داري، ولا وضعتُ قدمي لقضاء حاجة من حوائج الدنيا لها في نفسِي لذّة وحظوة.. إلّا تذكرتُ إخواني من فقراءِ وضعاف المسلمين.
وكم وددتُ والله أن يكونَ لي من المال ما أعينهم به على قضاء حوائجهم وحفظ ماء وجوههم، ومن القوّة ما أدفع به مرارة الظلم عنهم، ولكن لله الأمرُ من قبل ومن بعد.
وإني ما رأيتُ سفه المسلمين وتبذيرهم إلَّا قلت: "بطون الجياع أولى وأحق" ولكنَّها للأسف مقالة عاجزٍ لا يملك من أمره شيئاً.
لا البكاء يُشفيه، ولا الكلمات تُطفئ النار التي تشتعل في جوفه، كلَّما أراد هذا -العاجز- أن يتقدَّم خطوة للأمام رَجعت به دموع اليتامى ألف خطوة.
ألا فتعاهدُوا إخوانكم بالنّصحِ والمعونة يا كرام، عودُوهم في مرضِهم، وواسُوهم حال مصيبتهم، وافرحوا معهم، اجعلوا الطريق بأفراحه وأتراحه واحد، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمّى.
وتيقَّن أنَّ جارك إن بات جائعًا سُئِلت عنه وحرِمت به فضلًا كبيرا، وصاحبُك إن اشتدت عليه الدنيا ولم تعنْهُ فأنت ومصيبتُهُ سواء -ومصيبتُه فيك أعظم-.
وإنَّي أعرف والله في القومِ من يُخرج اللقمةَ من فمِه ويطعمُها جارَه، ويتصدقُ خفية فلا تعلمُ يمينه ما أنفقت يسارَه، فلا يُطعم إلا وشبِع، ولا يكسُوا إلا ودفِئ، ولا يُعطي إلّا وهنِئ، ويأبى الله إلا أن يكون أكرم من عبده.
وإنّ الرجل لتنزلُ به النّوائب والمصائب حتّى ليقول النّاس: "ما نراه ينجو!"، ثمّ يُخرجه الله منها كأن لم يكن فيها، ولولا تلك الخبايا لهلك.
فابذل بذلَ من لا يعرف الفقر والحاجة، فلستَ إذ تمنع الناس مالك وودَّك وكلامَك الطيّب إلّا مانعًا نفسك نارًا وفقرًا..
ولو كنت عاقلًا لاتقيتهم بشقِّ تمرة.
ولو كنت عاقلًا لاتقيتهم بشقِّ تمرة.
واعلم يا صديقي أنَّ الشحَّ يورِثُ الفقر والجبن، وأنك لن ترى بخيلًا حتّى ترى الدنيا قد تمكَّنت من قلبه غاية التمكن، جبانًا يظنُّ كلَّ صحيةٍ عليه هي العدو، حريصًا كأنَّ في وسعه اتقاءَ الموت بإحدى يديه.
وأنَّك إذ تنصر أخوك في شدتِه؛ فإنما تنصره على نفسِه التي تدعوه لليأس والقنوط والجزع، حتى ليظنّ أنّ الخير في الأمةِ قد مات، وتنصرهُ على نفسك التي تدعوك إلى التعذَّر والكسل والتثاقل كأنك لا تعرف خيراً قط، والثانيةُ دعواها أقوى من الأولى، وصوتُها أسمعُ وأعلى.
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حولَ ولا قوّة إلَّا بالله.
جاري تحميل الاقتراحات...