Al sayed al domiaty
Al sayed al domiaty

@sayedaldomiaty

75 تغريدة 1 قراءة Jan 12, 2023
* مزيدٌ من صدأ الأجراس :
* الزمن (دوائر) وليس خطّاً مستقيما.. ولا نحن مستقيمون.. مثله.. لكنّ الدائرة لم تكتمل بعد ونحن واقفون على نقطةٍ فيها لا نرى محيطها الدوّار !!
(١) (عبد السلام المويلحى) ميرابو مصر :
* إقتحم جنود الملك (مجلس طبقات الأمّة) لطرد النُوّاب قبل مناقشتهم للقضايا..
المصيريّة التى كانت بين أياديهم.. فصاح (ميرابو) فيهم : نحن هنا بإرادة الشعب.. ولن نخرج إلّا على أسنّة الرماح.. فأصبحت عبارته ضمن مُفجّرات الثورة الفرنسيّة.
* بعد تسعين عاماً من (ميرابو) فجّرت صرخة (عبد السلام المويلحى) الثورة العرابيّة !!
* أنشأ (إسماعيل) ١٨٦٦ م مجلس ..
(شورى النوّاب) ضمن خطّته لإشراك المصريّين فى المسئوليّة.. وكان (نوبار باشا) يرأس الحكومة التى تضمّ ضمن وزرائها وزيرين أحدهما (إنجليزىّ) والآخر (فرنسىّ) للتحضير لإعلان إفلاس مصر.. كحلٍّ أخير لأزمة الديون الأجنبيّة.
* علم الوطنيّون المصريّون بنوايا الحكومة التى تدبّرها فى الخفاء..
فأعدّوا مشروعاً مضادّاً يلتزم بمقتضاه المصريّون بتسديد الديون من دخلهم القومىّ بشرط تنظيم الشئون الماليّة وإصلاح (مفاسد الإدارة) بعيداً عن تدخّل الوزيرين الأجنبيّين.. فاستشعرت الحكومة ما تعدّه المعارضة الوطنيّة.. فبيّتت النيّة على إجهاض ذلك.. واستصدرت مرسوماً خديويّاً بفضّ المجلس
قبل موعده !!
* فى صباح الخميس ٢٧ مارس ١٨٧٩ م توجّه (رياض باشا) ناظر الداخليّة إلى قاعة مجلس النوّاب بالقلعة.. وتلا قرار فضّ الدورة.. فانبرى له (عبد السلام المويلحى) قائلاً :
- كيف ينفضّ المجلس ولم ننظر بعد فى القانون الخاصّ بالشئون الماليّة ؟ إنّ الأهالى قد أنابوا عن أنفسهم..
نوّاباً للدفاع عن حقوقهم.. فمن الواجب أن يُعرض جميع ما يتعلّق بالأهالى على نوّابهم لينظروا فيه ويتدبّروه.. ومن المستحيل أن ينفضّ المجلس.
* بهت الناظر لهذه اللهجة التى لم يتعوّدها من (مصرىّ) ينتمى أبوه إلى طائفة التجّار.. فقال :
- ماذا تقول حظرتكم ؟ كيف يكون فضّ المجلس مستحيلا..
بعد أمر الخديوى العظيم ؟ هل حظرتكم فاهم قيمة مسئوليّة ما تقول ؟
* ثمّ توجّه إلى باقى النوّاب للتخويف :
- ما أظنّ حظرات إخوانك يوافقون على ما تقول.
* اندفع النوّاب الوطنيّون لشدّ أزر زميلهم وأعلنوا تضامنهم معه فى كلّ ما يقول.. فهمّ الناظر بالقيام إيذاناً بإنهاء الجلسة..
أستكمل بعد قليل.. فالأمر مستطيل !!
فأوقفه (عبد السلام المويلحى) هاتفاً :
- إنّنا هنا سلطة الأمّة.. ولن نخرج من هنا إلّا بقوّة الحراب.
* وجم الباشا وعاد إلى مقعده :
- يعنى حظرتكم تقلّدون نوّاب فرنسا الذين ثاروا على حكومتهم ؟ يعنى حظراتكم الآن بعمائمكم وجببكم مثل نوّاب أوربّا وأمريكا ؟
* فردّ النوّاب الإهانة..
بعشرة أمثالها.. صاح (أحمد العويسى) :
- يا باشا.. أنت الآن تشتم نوّاب أمّتك.. التى تعطيك أنت وغيرك مرتّباتكم الشهريّة.
* وقال (عبد الشهيد بطرس) : إنّ كلامك هذا وقاحة.. والمجلس لا يقبل هذه الوقاحة من ناظر الداخليّة بل يردّها عليه.
* فقال (أحمد الصوفانى) :
- أوافق العضو على ردّ..
الإهانة للناظر حتى يعلم أنّ فى البلاد أمّة حيّة ولها نوّاب يدافعون عن كرامتها.
* وهنا قال (المويلحى) :
- أرأيت عاقبة تسرّعك فى الكلام ؟ إعلم أنّ المسألة ليست مسألة زىّ وثياب.. بل مسألة نوّاب.. لهم عقول تفهم جيّداً رغبات الأمّة التى أنابتهم عنها.. أليس من العيب وأنت وزير..
فى وزرارة يزاملك فيها وزير إنجليزى وآخر فرنسوى ؟ وهما فى الحقيقة خفيران عليك وعلى الحكومة ؟ ثمّ بالأمس تجمع أصحاب الجرائد أمام هذين الوزيرين وتقول لهم أنّ الحكومة عزمت على فضّ مجلس شورى النوّاب غدا ؟ ثمّ تحذّرهم من نشر كلمة واحدة عن هؤلاء النوّاب فى جرائدهم حيث هم ناس جهلاء ..
وهمج ؟ تقول ذلك عن نوّاب بلادك وأمّتك ؟ مصر العزيزة ؟!!
* نهض الشيخ (حسن عبد الرازق) قائلا :
- إنّ ما قاله المويلحى يعبّر عن أفكارنا جميعا.
* فصاح باقى النوّاب : موافقون موافقون.. فغادر رياض باشا القاعة مهمهما :
- أنا منسحب.. أنتم عصاة.. أنتم ثوّار.
* فقال المويلحى لكاتب الجلسة :
- لا تحذف حرفاً واحداً ممّا قيل فى جلسة اليوم.. حتى إذا نقلته الجرائد غدا.. علمت الأمّة جميعا من هم الهمج.. النوّاب أم النظّار !!
* ثمّ قام النوّاب باعتبار المجلس فى حالة انعقادٍ دائم.. وتناوب الأعضاء المبيت فى القاعة حتى اهتزّت أركان الحكومة فاستقالت.. ثمّ توالت الأحداث التى..
أفضت فيما بعد إلى الثورة.
* كتاب (مصر من نافذة التاريخ) د. جمال بدوى.
* أسئلة : هل لدينا شارع باسم المويلحى ؟ هل لدينا برلمان مثل برلمان زمن المويلحى وزملائه ؟ ماذا لدينا إذنً ؟
* غدا نستكمل هنا صوراً أخرى لما يدور !!
إستكمال :
(٢) إسماعيل (صورةٌ أخرى) :
* كان (إسماعيل) الخديوى مصاباً بداء (الفخامة) وحبّ الظهور.. وهو داءٌ له مفعول (القمار) إذا تمكّن من المرء قضى عليه ودفعه إلى بيع ثيابه.. وبرغم الأعمال المجيدة التى قام بها هذا (العاهل) المستنير فإنّ تصرّفاته الخرقاء أكلت حسناته.. كما أكلت..
عرشه وألقت به طريداً منبوذاً فى العواصم الأوربّيّة مثله كمثل المدمن الذى بدّد ثروته من أجل متعةٍ عابرة وقاتلة (مصر من نافذة التاريخ - د. جمال بدوى)
* كان إسماعيل يستدين من صعاليك المرابين الأوربّيّين ليقيم حفلات فاخرة يبهر بها أنظار ضيوفه ويخدعهم بثرائه الكاذب.. لكنّهم كانوا..
أعلم الناس بحقيقة الوضع المالى للخديوى المفلس.. فكانوا يأكلون من خيره ويصبّون عليه اللعنات لسفاهته وحماقته.. ولشغفه بإقامة الحفلات الأسطوريّة كانت حفلات افتتاح قناة السويس أشهر مظاهر السفه الإسماعيلى.. رغم أنّ الحفلات التى أقامها بمناسبة أفراح أنجاله كانت أكثر بذخاً وإسرافا..
وأشدّ خطراً على المسار الاقتصادى.. فقد أقيمت فى وقتٍ انكشفت فيه الخزانة العامّة وأوشكت على الإفلاس.. لكنّه تجاهل هذه الحقيقة المؤلمة.. فأخذ ينثر الأموال ذات اليمين وذات الشمال.
* فى منتصف يناير ١٨٧٣ م (مائة عام قبل العبور) قرّر إسماعيل تزويج أربعة من أنجاله هم :
توفيق ولىّ العهد - حسين - حسن - فاطمة.. وأراد أن يجعل من هذه المناسبة حدثاً يتناقله الرواة وتتحدّث به الركبان.. بما يفوق حادثة زواج الأميرة قطر الندى بنت حاكم مصر (خمارويه) ابن أحمد ابن طولون بالخليفة العبّاسىّ فى بغداد.
* دامت الأفراح أربعين ليلة كاملة.. عشرة أيّام لكلّ فرح منهم
وتحوّلت القاهرة إلى مهرجانٍ كبير من الأنوار.. حتى اختلط الليل بالنهار.. وتحوّلت القصور الخديويّة فى القبّة وعابدين وقصر النيل والجزيرة وغيرها إلى مراقص صاخبة وحاناتٍ عامرة تقدّم أطايب الطعام والشراب لعشرات الألوف من المدعوّين الذين جاءوا يغترفون من نهر ملذّات الخديوى الميمون..
* أفاض مؤرّخو عصر اسماعيل فى وصف البذخ والإسراف الذى جرى فى أفراح الأنجال الاسماعيليّين.. مثل وصف زفّة (شوار) الأميرة (أمينة) منذ خروجها من القصر العالى إلى قصر القبّة حيث يقيم العريس (محمد توفيق) والتى سارت عبر شوارع القاهرة تخفرها الفرسان بزىٍّ بديع مع آلاى من المشاة بملابس..
بيضاء تتقدّمه جوقة موسيقيّة من أمهر العازفين.. والهدايا موضوعة فى أقفاص مكشوفة فوق عرباتٍ مكسوّة بالقصب المشغول على وسائد من القطيفة المزركشة بالذهب والماس.. يغطّيها شاش فاخر يُمسك بأطرافه أربعة من الجنود فى كلّ عربة.. ويتبعهم ضبّاط بملابسهم الرسميّة بسيوفٍ مشهرة فى أياديهم..
وكانت الهدايا مجوهرات سنيّة وقلائد من الماس البرّاق من النوع المعروف باسم (برلنتى) وأحزمة من الذهب الخالص وأقمشة مطرّزة باللؤلؤ النادر.. وزمرّد فى حجم البيض.. وملابس بيضاء مطرّزٌ عليها (رقم الأميرة) باللآلئ والأحجار الكريمة.. وأوانٍ متنوّعة من الفضّة الصبّ الخالصة بكمّياتٍ..
عظيمة.. وكان ضمن الهدايا المقدّمة من الخديوى إلى أكبر أبزائه سريرٌ من الفضّة الصبّ مماثلٌ لنفس السرير الذى أهداه إلى الإمبراطورة (أوجينى) أثناء إقامتها فى مصر.. وكلاهما محلّى بماء الذهب الإبريز.. وعواميده الفخمة مرصّعة بالماس والياقوت الأحمر النادر والزمرّد والفيروز..
ولم يختلف شوار الأميرات (عين الحياة هانم - خديجة هانم - فاطمة هانم) وهداياهم عن شوار (أمينة هانم) !!
* لم يكن أحدٌ من أهالى القاهرة الذين شاهدوا تلك الأفراح يعلم من أين يأتى حاكمهم الهمام بكلّ تلك الأموال الطائلة.. ولم يجرؤ أحدهم على طرح السؤال.. فالحاكم لا يُسأل عمّا يفعل..
ولم تمض بضعة أعوام حتى كان إسماعيل يقف خائراً ذليلا أمام أصحاب الديون الواقفين ببابه.. آخذين بخناقه.. مطالبين بأموالهم مضافاً إليها فوائد هى أضعاف ما أُخذ.. فكانت النهاية المفجعة للخديوى المستنير !! (نفس المصدر).
* غدا صورة ثالثة :
* صورةٌ ثالثة (شقيقُ الرضاعة) :
* الخديوى الصغير - الصدر الأعظم المصرىّ - إسماعيل صدّيق !!
* لعب هذا الشقيق فى حياة الخديوى وفى حياة مصر دوراً خطيرا.. أثناء الأزمة الماليّة الطاحنة التى أخذت بخناق البلاد وانتهت بضياع استقلال مصر وضياع الأخوين معاً.. فالأوّل فقد عرشه والثانى حياته
فى مأساةٍ مرعبة بعد أن تربّع على خزائن الأرض لسنواتٍ عشر !!
* كان هو الرجل الأوّل فى الدولة بعد الخديوى.. والمتصرّف الأوحد فى شئونها الماليّة والإداريّة.. حتى خلعوا عليه لقب (الخديوى الصغير) و (الصدر الأعظم المصرى) فكأنّ الكبير هو الحاكم والصغير هو الحكومة !!
* لم يكن هذا ..
الخديوى الصغير من أبناء الطبقة الراقية التى كان الوزراء والحكام وقادة الجيش يُختارون منها.. وهى طبقة كانت تضمّ بقايا المماليك من الترك والشركس والكرد والأرناؤد.. فضلاً عن شراذم الألبان الذين استقدمهم (محمد على) وجعل منهم جميعاً أركان حكمه وأنعم عليهم بالأراضى التى صادرها..
من أصحابها المصريّين.. وإنّما كان هذا (الصدر الأعظم المصرى) من أبناء الفلّاحين الذين فقدوا أراضيهم وأصبحوا أجراء يعملون بالسخرة فى الزراعة وحفر الترع وشقّ المصارف.. فقد وصفه مؤرّخٌ معاصر بأنّه (إبن فلّاح صعلوك الأصل طالما مُدّ أجداده.. بل أبوه ذاته.. تحت الكرباج.. وازرقّت..
أرجلهم حتى دفقت دماً من تعاقب السياط عليها) !!
* الروايات التاريخيّة لا تقدّم تفسيراً معقولاً للظروف التى مكّنت هذا (الفلّاح) المصرىّ المعدم من اختراق حاجز الفقر والصعود إلى عالم الجاه والسلطان.. فى زمنٍ لم يكن يُسمح فيه للمصريّين بالخروج خارج النطاق المرسوم لهم..
فكلّ ما يذكره المؤرّخون أنّ الوالدة باشا (خوشيار هانم) زوجة الوالى (إبراهيم باشا) شعرت بجفاف ألبانها بعد ولادة طفلها (إسماعيل) فساقت إليها الأقدار فلّاحة مصريّة لتتولّى إرضاع الوليد مع إبنها الذى أطلقت عليه إسم الأمير الصغير تبرّكاً وتيمّناً وتقرّبا.. فنشأ صبيّها فى دهاليز ..
القصور الخديويّة يتقلّب فى أعطاف النعيم.. وينهل من ينابيع العزّ الفخيم.. فنشأت بين الطفلين عاطفةٌ مشتركة.. فما إن تولّى إسماعيل عرش الديار (المحروسة) حتى أطلق يد أخيه فى الرضاعة ليتصرّف فى أمور البلاد على هواه.. لكنّ (الشقيق) لم يكن رفيقاً بأهله وعشيرته.. ورحيماً بطبقة آبائه..
وأجداده.. وفيّاً للبلد الذى خرج من طينه وتربته.. العكس هو ما حدث.. وحشٌ غير آدمىّ يبطش بالفلّاحين ويتفنّن فى تعذيبهم ويرغمهم على الهجرة من الأرض التى يزرعون.. ناقلاً ملكيّتها إلى أخيه حيناً وإلى ملكيّته حيناً آخر.. حتى استطاع خلال سنواته العشر التى تولّى فيها وزارة الماليّة..
أن ينافس أمراء البيت المالك فى ثرائهم وبذخهم وترفهم وسفههم.. وعندما أوشكت شمس حياته على المغيب كانت ممتلكاته قد بلغت ثلاثين ألف فدّان من أجود الأراضى العشوريّة وثلاثة قصورٍ فخيمة بحدائقها الغنّاء فى ميدان الاسماعيليّة (التحرير) وقصر منيف على ترعة المحموديّة بالاسكندريّة بهم..
أفخر الرياش والتحف.. أمّا المجوهرات فقد قُدّرت بحوالى ٣٠٠ ألف جنيه إنجليزى فى زمنها.. وكان يمتلك حوالى ٣٠٠ (جارية) من مختلف الأجناس !! إلى أن ضاع كلّ هذا هباءاً منثورا.
* كان (الخديوى الصغير) يقتطع لنفسه نصيب (الثعلب) محافظاً على أن يكون نصيب (الأسد) محفوظاً ومصوناً للكبير..
* كانت البنوك الأوربّيّة قد أمسكت يدها عن إمداد الخديوى بالقروض.. بعد أن لاحت تباشير الإفلاس.. فاستدار مرّة أخرى إلى الداخل للمزيد.. وكان شقيق الرضاعة هو رجل الساعة.. بحكم منصبه الأقدم كمفتّش عام على عموم القطر.. يُعيّن المحافظين والمديرين والمآمير وأتباعهم من العُمد والمشايخ..
وأصبح الآن وزيراً للماليّة فى يده كلّ الخيوط اللازمة ليحطّ على قرى مصر فيسلبها المال والزاد ليملأ به وعاء الحكومة المثقوب !!
* كانت الجرائم أكثر وأكبر من أن تحصى.. لكنّ أعظمها جُرماً فى نظر الوطنيّين المصريّين كانت إيعاز الصغير إلى الكبير ببيع نصيب مصر فى أسهم قناة السويس..
والذى يقارب النصف.. مقابل أقلّ من أربعة ملايين من الجنيهات.. وكان (صدّيق) هو من فاوض القنصل البريطانىّ فى (الصفقة) ووضع خاتمه على الأسهم قبل تسليمها إلى القنصل الذى أودعها قاع سفينةٍ كانت فى طريقها إلى بلاد البريطان (حيث اشتراها روتشيلد).. وكانت تلك هى بداية الطريق المشئوم..
الذى أفضى إلى ضياع استقلال مصر - ماليّاً ثمّ سياسيّاً - وخضوعها للإشراف المباشر من الحكومة البريطانيّة.
* كانت صفقة الأسهم آخر (سهم) فى جعبة (الثعلب) لكنّها كانت أيضاً آخر مسمار فى نعشه.. فما أن وصل الخبراء الإنجليز إلى القاهرة لإصلاح (ماليّة مصر) حتى كان أوّل مطالبهم إقصاء هذا..
المفتّش عن منصبه الخطير.. فاحتار الخديوى بين خيارين أحلاهما مرّ.. لكنّه ضحّى بالثعلب بأمل الإبقاء على الأسد !!
* كان النصيب الأكبر من الأذى قد وقع على عاتق الفلّاحين المصريّين.. لكنّهم بحكم ضعفهم التاريخىّ كانوا الأقلّ قدرة على إزاحة ذلك الشيطان عن موقعه العتيد..
وتكفّلت جبهة الأمراء العلويّين بالقيام بتلك المهمّة لأسبابٍ لا علاقة لها بردّ المظالم.. وإنّما لاستئثاره دونهم بالأسلاب والمغانم.. وجرأته على منافستهم - وهو الفلّاح الجلف - فى حياة البذخ والنعيم.. وتفوّقه عليهم فى بناء القصور واقتناء الجوارى والمحظيّات.. وكان أكثر الأمراء حقداً..
عليه هم أبناء الخديوى الثلاثة : توفيق - حسين - حسن.. الذين ساءهم قرب الرجل من أبيهم وحظوته عنده.. لكنّ الخديوى كان يهمل تلك الدسائس الصغيرة ولا يقيم لها عنده أىّ اعتبار.
* أمّا الخطر الأكبر الذى حاق بمصير ذلك المفتّش فقد جاء من جانب الإنجليز الذين بات من حقّهم الهيمنة على..
ماليّة مصر بمقتضى مرسوم أصدره الخديوى إسماعيل لحماية مصالح الدائنين الأجانب.. فأُعلنت الرقابة الثنائيّة من انجلترا وفرنسا.. وتولّى الرقيب الانجليزى الإشراف على إيرادات الدولة.. والرقيب الفرنسى الإشراف على مصروفاتها.. وكان الرقيب الانجليزىّ (جوشن) يضمر عداءاً شخصيّاً للمفتّش..
لأسبابٍ قديمة !! فبدأ يُقلّب فى الدفاتر.. وسرعان ما اكتشف أنّه ليست هناك أىّ (ميزانيّة حقيقيّة) وإنّما المسألة لا تعدو أن تكون مجرّد (ضيعة خاصّة) يتحكّم فيها الخديوى وشقيقه.. فقرّر أن يزيح الأصغر أوّلاً إلى أن يأتى دور الكبير !!
* لم يكن سهلاً على الخديوى الاستجابة لذلك المطلب..
فإذا كان الانجليز (يتغدّون) بالمفتّش ظهراً فسوف (يتعشّون) بالخديوى فى المساء.. فامتنع عن طرد الشقيق.. فهدّد الانجليز بتقديم المفتّش إلى المحاكمة بتهمة اختلاس ٤٠ مليون جنيه وجدوا أوراق ما يثبت ذلك فى الدفاتر.. هنا اقتنع الخديوى بضرورة اختفاء المفتّش.. من الحياة لا من الوزارة !!
* فى صباح اليوم الموعود استدعى الخديوى شقيقه إلى قصر عابدين واصطحبه فى نزهةٍ خلويّة على ضفاف النيل.. راكبين العربة الخديويّة المكشوفة على مرأى من الجميع يتضاحكان ويتسامران.. اعتبر المفتّش هذا الرضا السامى خير دليلٍ على كذب الشائعات بقرب نهايته.. عبرت المركبة كوبرى قصر النيل..
فى اتّجاه قصر الجزيرة (ماريوت) وتوقّفت أمام بوّابة القصر.. فتقدّم الحرس وألقوا القبض على المفتّش وساقوه إلى الداخل وهو يستغيث بأخيه الذى عاد وحده إلى قصر عابدين.
* إستدعى الخديوى المجلس المخصوص (مجلس وزراء مصغّر) واستصدر منه قراراً بإبعاد المفتّش إلى دنقلة بالسودان..
وحمل مصطفى باشا فهمى (محافظ القاهرة ووالد السيّدة صفيّة زغلول) القرار إلى قصر الجزيرة لإبلاغ المفتّش وإقناعه بالتزام الهدوء والصمت.. لكنّ المفتّش كان يعلم جيّداً أنّ قرار إعدامه على وشك التنفيذ.. فحاول إقناع المحافظ بخطر التخلّص منه باعتباره حاملاً لرتبة (المشير) العثمانيّة..
والتى تحول دون محاكمة حاملها إلّا فى الأستانة وحدها.. وبعد قليل صعد المفتّش بصحبة المحافظ إلى سفينة نيليّة وألقى الحرس به إلى إحدى غرفها فأقلعت باتّجاه الجنوب.. بينما انتظر المحافظ تنفيذ الإعدام بواسطة (إسحاق بك) وهو تركىٌّ متخصّص فى الإجهاز على ضحاياه بطريقة خاصّة جدّاً..
مستعملاً قبضتيه الفولاذيّتين.. يهجم باليسرى على فم الضحيّة ليكتم أنفاسه بينما باليمنى يقبض على خصيتيه يعتصرهما إلى آخر الأنفاس !!
* عبرت السفينة مقياس الروضة.. فتقدّم إسحاق بك لتنفيذ المهمّة.. دخل على المفتّش القابع كالفأر المذعور.. وقام بمهمّته خير قيامٍ فى خمس دقائق..
ظنّ بعدها أنّ المفتّش قد أسلم الروح.. فمدّ يده لانتزاع الخاتم الذهبىّ الذى يضعه المفتّش فى سلسلة ذهبيّة تحيط بعنقه.. لم يكن يعلم أنّ فى جسد الرجل بقيّة من حياةٍ ذاوية.. انتهزها للانتقام من قاتله فاتحاً فمه كسمكة القرش فقضم إصبع إبهام إسحاق بك حتى قطعه تماماً.. ثمّ سكن إلى الأبد..
بعد تلك الانتفاضة الأخيرة !!
* تقدّم الحرس ووضعوا جثّته فى جوال مع أحجارٍ ثقيلة ملقين به فى النيل حتى استقرّ فى قاعه.. فتوقّفت السفينة أمام ساحل المعادى ونزل منها المحافظ.. الذى كانت فى انتظاره مركبة خديويّة حملته إلى قصر عابدين.. بينما واصلت السفينة طريقها إلى السودان..
مرسلةً إلى القاهرة كلّ حين برقيّاتٍ تنشرها الصحف عن حالة المفتّش الذى لا يكفّ عن البكاء وطلب الصفح وشرب الخمر !!
* بعد أسبوع من وصول السفينة إلى دنقلة قام طبيب (انجليزىّ) بكتابة تقرير عن أنّ المفتّش قد مات متأثّراً بانفجار الزائدة الدوديّة وأنّه قد سمح بدفنه بعد توقيع..
الكشف الطبّى عليه.. ونشرت الصحف ذلك الخبر القادم من دنقلة.. رغم أنّ مياه النيل الشاهدة لم تنشر ذلك !!
* غدا.. الصورة الرابعة.. وهى الأولى فى الترتيب !!
* إتّضح أنّ الغد قريب !!
(٤) الصورة الرابعة : فى البدء كان.. الغدر !!
* المملوك الشارد :
* فى الأوّل من مارس ١٨١١ م موعد سفر الحملة المصريّة بقيادة الأمير (طوسون) لإخماد (الحركة الوهّابيّة) فى الحجاز.. خرج شعب القاهرة إلى الشوارع المحيطة بالقلعة لتوديع الجيش وسط أهازيج الفرح..
ودقّات الطبول.. لكنّ صيحات الفرح تحوّلت فجأةً إلى صرخاتِ استغاثة.. وطغى صوت الرصاص على دقّات الطبول.. وتحوّل الموكب إلى مهرجانٍ من الدمّ !!
* فى الصباح.. تصدّر (محمّد على) قاعة الاستقبال الكبرى فى قصره بالقلعة مستقبلاً للكبراء مهنّئين.. وانتهزها المماليك فرصةً لإظهار ولائهم..
للعهد الجديد بعد خمود الحروب الطاحنة التى دارت رحاها فى الصعيد.. بين فلولهم وقوّات الباشا بعد يأسهم من إحراز نصرٍ حاسم.. فهبطت عزيمتهم وأعربوا عن رغبتهم فى إلقاء السلاح.. فتظاهر محمد على بقبول الصلح وأعطاهم الأمان.. وسمح لهم بالعودة إلى القاهرة وغيرها ليعيشوا فى قصورهم بين..
حريمهم وغلمانهم آمنين.
* ذهب البكوات إلى القلعة يرفلون فى ثيابهم المزركشة الفضفاضة متمنطقين بالسيوف الذهبيّة البرّاقة دون البنادق.. فاستقبلهم الباشا بالبِشر والترحاب.. نازعاً عن نفوسهم كلّ شكٍّ أو ارتياب !!
* دوّى النفير إيذاناً بتحرّك الجيش.. فانتصب الباشا واقفاً ونهض المماليك..
طالبين الإذن بالانصراف.. فألمح لهم بأنّه سيكون أكثر حبوراً لو أنّهم شاركوا فى المهرجان كى يراهم شعب القاهرة وهم فى صحبة الجيش مودّعين.. فتلقّف المماليك الطعم شاكرين.. فبدأ الموكب سيره حسب الخطّة المرسومة.
* فى المقدّمة جوقات الطبول والموسيقى ثمّ طليعة الفرسان ووراءها كتيبة ..
الجنود الألبان بقيادة (صالح قوش) وهو أحد أربعةٍ اشتركوا مع الباشا فى تلك الخطّة.. وبعد الجنود جاءت جموع البكوات المماليك على صهوات جيادهم المطهّمة.
* تهادى الموكب من بوّابة القصر ثمّ انحرف يساراً فى طريقٍ ضيّقٍ ووعر.. منحوتٍ فى الصخر يتدرّج فى الانحناء حتى باب العزب الذى يفضى..
إلى ميدان الرميلة (صلاح الدين).
* عبرت الفرقة الأولى باب العزب ثمّ انغلق الباب بإحكام.. وفى سرعةٍ خاطفةٍ تسلّق الألبان بأسلحتهم الناريّة قمم الصخور المتاخمة للطريق.. بينما جموع المماليك تتقدّم نحو الباب.. وفى نفس الوقت كانت صفوفهم الخلفيّة تواصل سيرها.. حتى إذا ما اكتمل عددهم..
انغلق الباب الذى دخلوا منه فباتوا محصورين فى ذلك الخندق الصخرىّ المغلق.
* دوّت طلقةٌ ناريّة كانت هى إشارة البدء.. فانفتحت أبواب الجحيم وأفواه البنادق كالسيل المنهمر.. تحصدهم حصدا.. لا يملكون فكاكاً ولا مهرب.. إنسدّت فى وجوههم طرق النجاة من الجحيم المستعر.. وتلاطمت خيولهم..
التى أثارها دوىّ الرصاص فازدادت فزعا.. وراحت الخيل تلفظ راكبيها عن ظهورها وتدكّهم بأقدامها.. ومن حاول تسلّق الصخور عاجلته رصاصات الألبان التى يهوى بعدها صريعاً أو جريحاً فتدهسه الخيول النافرة.. أمّا الوحيد الذى نجا.. فهو (أمين بك) الذى كان فى المؤخّرة.. ما إن سمع دوىّ الرصاص..
حتى ركض بجواده نحو أسوار القلعة ثمّ لكز جواده بقوّة فهوى به إلى الوادى السحيق.. تهشّم الجواد ونجا المملوك الهارب فنهض واقفا.. ثمّ أطلق ساقيه للريح فى صحراء المقطّم ولم يكفّ عن الجرى حتى وصل إلى لبنان لائذاً بأميرها (بشير الشهابىّ) !!
* لم تكن المذبحة هى فصل الختام..
فهى مجرّد صورة (ممّا فعله من قبل السفّاح العباسىّ فى الأمويّين على عدّة مراحل فى ولائم متتالية) فقد كان عدد المماليك الذين ذهبوا إلى احتفاليّة القلعة ٤٠٥ فقط.. وبقيّة المماليك آمنين فى قصورهم المنتشرة فى الجمّاليّة والأزبكيّة والناصريّة لا يدرون شيئا.. فما إن سكن غبار المذبحة..
حتى انقضّ جنود الألبان على قلب القاهرة يذبحون المماليك فى عقر ديارهم ويستبيحون نساءهم وينهبون أموالهم.. كانت تعليمات الإبادة صريحةً وواضحة.. حتى لا يبقى لهم على ظهر الأرض ديار.
* نفّذ الألبان المهمّة وقاموا بها خير قيام.. وقد تملّكتهم شهوة الانتقام.. حتى باتت القاهرة فى ذلك اليوم
كالمديزة المفتوحة أمام غزوةٍ تتاريّةٍ بربريّة.. فعاث الجند فساداً فى المدينة.. ولم يسلم المصريّون من تلك المحنة.. فأصابهم بعض ما أصاب المماليك من السلب والنهب وهتك الأعراض.. رغم أنّهم سارعوا إلى إغلاق حوانيتهم ولجأوا إلى ديارهم بمجرّد سماع نبأ المذبحة.. إلّا أنّ وحوش الألبان..
الكاسرة لم تفرّق بين قصور المماليك وبيوت المصريّين.. فاستباحوا كلّ ما تصل أياديهم إليه.. واستمرّت الفوضى ثلاثة أيّامٍ بلياليها.. وكأنّما الزمان يعيد إلى الذاكرة سقوط الإسكندريّة بعد الاستعصاء خمس سنوات من الحصار على يد ابن العاص.. الذى استباحها لأيّامٍ ثلاث.. ولم تتوقّف الفوضى..
إلّا بعد أن نزل محمد على بنفسه إلى شوارع المدينة وتمكّن من كبح جماح جنوده محاولاً إعادة الانضباط إلى المدينة التعيسة.
* فى نفس الوقت الذى دارت فيه عمليّات الإبادة فى القاهرة كانت هناك عمليّات مماثلة فى الإسكندريّة وباقى المدن التى بها المماليك.. ولم يفلت منهم إلّا من ..
أسعده الحظّ بالهروب إلى الصحراء بحثاً عن كهفٍ مظلم أو قبرٍ مهجور يأوى إليه ليعصمه من الموت والإبادة.
* هكذا انطوت إلى الأبد من تاريخ مصر صفحة المماليك.. بعد خمسة قرون أو تزيد.. أولئك الذين جاءوا إلى مصر غلماناً يُباعون فى أسواق النخاسة.. ثمّ أصبحوا ملوكاً يدين الناس (الأحرار) لهم
بالطاعة ويدعون بالعزّ والنصر وتأييد السماء فى كلّ دعاء !!
* لكنّه لابدّ من القول أنّ فناء المماليك على يد محمد على قد سبقته عوامل الفناء الذاتىّ.. فحكمت عليهم بالموت البطئ.. ظنّوا أنّ العالم سوف يتوقّف عند اللحظة التى شهدت أمجادهم.. حين أذلّوا كبرياء هولاكو فى عين جالوت..
وأسروا لويس التاسع فى المنصورة.. وحرّروا القدس من الصليبيّين.. وأزالوا آخر قلاعهم فى عكّا.. فتقوقعوا بعدها فى شرنقة الغرور والاستعلاء والجهل صانعين أكفانهم بأياديهم.. فدخلوا مرحلة الفناء البطئ حين تجاهلوا حركة التاريخ.. فلمّا أجهز عليهم محمد على.. لم يجدوا أحداً يبكى عليهم..
ويأسف على رحيلهم الدموىّ !!
* تلك هى عبرات التاريخ لمن يعتبر.
* انتهى.. إلى حين.

جاري تحميل الاقتراحات...