[ وقعت قصر الباهلي بين التُّرك والمسلمين ]
في سنة 102هـ كتب الخليفة يزيد بن عبد الملك إلى أخيه مسلمة بولاية العراق وخراسان، وبعث مسلمة إلى خراسان (إقليم كبير يشمل أفغانستان، وأزباكستان، وغيرها في آسيا الوسطى) خَتَنهُ -زوج ابنته- سعيد الملقَّب "بخُذينة"
=
في سنة 102هـ كتب الخليفة يزيد بن عبد الملك إلى أخيه مسلمة بولاية العراق وخراسان، وبعث مسلمة إلى خراسان (إقليم كبير يشمل أفغانستان، وأزباكستان، وغيرها في آسيا الوسطى) خَتَنهُ -زوج ابنته- سعيد الملقَّب "بخُذينة"
=
(لقَّبوه استضعافًا له ولأنه كان رجلًا ليِّنًا متنعِّمًا) فجعله عاملًا عليها من قِبَله، فسار إليها فحرّض أهلها على الصبر والشجاعة.
=
=
وسعيد خُذينة هذا استعمل على سمرقند (أوزباكستان) عثمان بن عبد الله بن مطرِّف -بعد أن عزل شُعبة بن ظهير عن السُّغد أو الصُّغد (طاجيكستان)- وفي هذا الوقت غزت التُّرك هذه البلاد من قِبَل ملكها خاقان التُّرك.
=
=
وقيل عن سبب غزو التُّرك:
أراد عظيمٌ من عظماء الدَّهاقين (مُفرد دِهقان= وهو من كبار التُّجار ذو وجاهة ومال) أن يتزوج امرأة من باهلة (قبيلة عربية) وكانت في ذلك القصر (قصر الباهلي في الصُّغد) فأرسل إليها يخطبها، فأبت،
=
أراد عظيمٌ من عظماء الدَّهاقين (مُفرد دِهقان= وهو من كبار التُّجار ذو وجاهة ومال) أن يتزوج امرأة من باهلة (قبيلة عربية) وكانت في ذلك القصر (قصر الباهلي في الصُّغد) فأرسل إليها يخطبها، فأبت،
=
فاستجاش ورجا أن يسبوا من في القصر فيأخذ المرأة. [1] فجاء بالترك فحاصروه. [2]
غزوة التُّرك ومُحاصرة القصر:
وضعَّف الناس سعيدًا وسمَّوه خُذينة، فطمع فيه التُّرك، فجمع له خاقان التُّرك ووجّههم إلى السُّغد، فكان على التُّرك "كورصول" وأقبلوا حتى نزلوا قصر الباهلي. [3]
=
غزوة التُّرك ومُحاصرة القصر:
وضعَّف الناس سعيدًا وسمَّوه خُذينة، فطمع فيه التُّرك، فجمع له خاقان التُّرك ووجّههم إلى السُّغد، فكان على التُّرك "كورصول" وأقبلوا حتى نزلوا قصر الباهلي. [3]
=
حَصَرَ أهل القصر وفيه مائة أهل بيت بذراريهم، وعلى سمرقند عثمان بن عبد الله. [4] وبين القصر وسمرقند مسافةً، فخاف أهله أن يبطئ عليهم المَدَد فصالحوا التُّرك على أربعين ألفًا وأعطوهم الرهائن السبعة عشر رجلًا. [5]
=
=
وندب عثمان الناس فانتدب المسيب بن بشر الرِّياحي وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل، وفيهم شُعبة بن ظهير وثابت بن قُطنة وغيرهما من الفرسان، فلما عسكروا قال لهم المسيب: "إنكم تقدمون على حَلْبة التُّرك عليهم خاقان، والعِوَض إن صبرتم الجنة، والعِقاب إن فررتم النار،
=
=
فمن أراد الغزو والصبر فليقدم." فرجع عنه ألف وثلاثمائة. فلما سار فرسخًا رجع بمثل مقالته الأولى فاعتزله ألف، ثم سار فرسخًا آخر فقال لهم مثل ذلك فاعتزله ألف، ثم سار فلما كان على فرسخين منهم -من التُّرك وهم حول القصر المحاصر- نزل. [6]
=
=
ولما قرب من القوم جاءه دِهقان فقال له:
"لم يبقى من الدَّهاقين إلَّا من بايع التُّرك غيري، وأنا في ثلاثمائة مقاتل ونحن معك، والتُّرك قد حاصروا القصر وصالحوهم على أربعين ألفًا وأعطوهم سبعة عشر رجلًا رهائن، ولما بلغ التُّرك وصولكم قتلوا الرَّهائن،
=
"لم يبقى من الدَّهاقين إلَّا من بايع التُّرك غيري، وأنا في ثلاثمائة مقاتل ونحن معك، والتُّرك قد حاصروا القصر وصالحوهم على أربعين ألفًا وأعطوهم سبعة عشر رجلًا رهائن، ولما بلغ التُّرك وصولكم قتلوا الرَّهائن،
=
وميعادهم -أي أن أهل القصر أعطوا التُّرك موعِدًا- أن يقاتلوا غدًا أو يفتحوا لهم القصر" وكان في القصر عبد الملك بن دثار الباهلي. [7]
يقول ابن كثير:
"وقد عزم المسلمون الذين هم فيه على قتل نسائهم وذبحِ أولادِهم أمامَهم، ثم ينزلون فيقاتلون حتى يُقتلوا عن آخرهم." [8]
=
يقول ابن كثير:
"وقد عزم المسلمون الذين هم فيه على قتل نسائهم وذبحِ أولادِهم أمامَهم، ثم ينزلون فيقاتلون حتى يُقتلوا عن آخرهم." [8]
=
فقال المسيب لرجُلين: اذهبا وتحَيَّلا في وصولكما إلى القصر وأخبرا أهله بالغِياث. [9] وقال لهم: "إذا قرُبتم فشُّدُّوا دوابَّكم بالشَّجَر، واعلموا عِلم القوم" فأقبلا في ليلة مظلمة، وقد أجْرَت التُّرك الماء في نواحي القصر؛ فليس يصل إليه أحدٌ، ودنوا من القصر. [10]
=
=
وخاضا الماء في القصر، فصاح الديدبان -حارس القصر- فقالا: "اسكت ونادِ لنا عبد الملك بن دثار" فناداه. [11] فقالا له: "أرسَلَنا المسيب، وقد أتاكم الغِياث" قال: "أين هو؟" قالا: "على فرسخين، فهل عندكم امتناع ليلتك وغدًا؟"
=
=
فقال: "قد أجمعنا على تسليم -وعند ابن الأثير (على تقديم نسائنا للموت أمامنا)- نسائنا وتقديمهم للموت أمامنا؛ حتى نموت جميعًا غدًا". [12]
فرجعا إلى المسيب، فأخبراه فقال المسيب للذين معه: "إني سائرٌ إلى هذا العدوّ، فمن أحبَّ أن يذهب فليذهب" فلم يفارقه أحدٌ وبايعوه على الموت. [13]
=
فرجعا إلى المسيب، فأخبراه فقال المسيب للذين معه: "إني سائرٌ إلى هذا العدوّ، فمن أحبَّ أن يذهب فليذهب" فلم يفارقه أحدٌ وبايعوه على الموت. [13]
=
فسار وقد زاد الماء الذي أجروه حول المدينة -القصر- تحصينًا، فلمَّا كان بينه وبينهم نصف فرسخ نزل، فأجمع على بَيَاتهم -مفاجأتهم ليلًا- فلمَّا أمسى أمر الناس فشَّدُّوا على خيولهم، وركب فحثَّهم على الصَّبر، ورغَّبهم فيما يصير إليه أهل الاحتساب والصَّبر،
=
=
وما لهم في الدنيا من الشَّرف والغنيمة إن ظفروا، وقال لهم: "اكعَموا دوابَّكم -شيء يجعل على فم البعير، وكَعَمَ البعير= شَدَّ فاهُ بالكَعام في هياجه لئلا يعض أو يأكل- وقُودوها، فإذا دنوتم من القوم فاركبوها، وشُدُّوا شَدَّةً صادقةً وكبِّروا، وليكن شعاركم: يا محمد؛
=
=
ولا تَتَّبعوا مُوَلِّيًا، وعليكم بالدَّوابِّ فاعْقِروها، فإنَّ الدوابَّ إذا عُقرت كانت أشدَّ عليهم منكم، والقليل الصَّابر خيرٌ من الكثير الفَشِل؛ وليست بكم قِلَّة، فإنَّ سبعمائة سيفٍ لا يُضرب بها في عسكرٍ إلا أوهنوه وإن كَثُر أهله" [14]
=
=
وعبَّأهم وجعل على الميمنة كُثيِّر بن الدَّبوسيّ، وعلى الميسرة رجلًا من ربيعة يقال له ثابت قُطنة، وساروا حتى إذا كانوا منهم على غلوتين -مُفردها غلوة: وهي بمسافة رمية سهم- كَبَّروا وذلك في السَّحر، وثار التُّرك، وخالط المسلمون العسكَر، فعَقَروا الدوابَّ، وصابرهم التُّرك،
=
=
فجال المسلمون وانهزموا حتى صاروا إلى المسيب، وتبعهم التُّرك وضربوا عَجُز دابَّة المسيب -مؤخَّرة الدابَّة- فترجَّل رجال من المسلمين، فيهم: ( البَخْتُريُّ أبو عبد الله المرائي، ومحمد بن قيس الغَنَويُّ، وزياد الأصبهانيُّ، ومعاوية بن الحجَّاج، وثابت قُطنة ) [15]
=
=
فقاتل البَختري فقُطِعت يمينه، فأخذ السيف بشماله فقُطِعت، فجعل يذبُّ بيديه حتى استشهد. واستشهد أيضًا محمد بن قيس العنبري أو الغنوي، وشبيب بن الحجَّاج الطائيّ. [16]
ثم انهزم المشركون، وضرب ثابت قُطنة عظيمًا من عظمائهم فقتله. [17]
=
ثم انهزم المشركون، وضرب ثابت قُطنة عظيمًا من عظمائهم فقتله. [17]
=
قال ابن كثير: وفرَّ المشركون بين أيديهم هاربين لا يَلْوون على شيء، وقد كان الأتراك في غاية الكثرة، فنادَى منادي المسيب: "أن لا تَتْبعوا أحدًا، وعليكم بالقصر وأهله" فاحتملوهم وحازوا ما في معسكر أولئك الأتراك من الأموال والأشياء النَّفيسة. [18]
=
=
ونادى منادي المسيب: "لاتَتْبعوهم؛ فإنهم لا يدرون من الرُّعب اتَّبعتموهم أم لا! واقصدوا القصر، ولا تحملوا شيئًا من المتاع إلا المال -وعند ابن الأثير (إلا الماء)- وتحملوا من يقدر على المشي" وقال المسيب: "مَن حمل امرأة أو صبيًّا أو ضعيفًا حِسْبَةً فأجرُه على الله،
=
=
ومَن أبَى فله أربعون درهمًا، وإن كان في القصر أحدٌ من أهل عَهْدكم -الكفار- فاحملوه" فقصدوا جميعًا القصر فحملوا مَن كان فيه. [19]
=
=
يقول ابن كثير: وانصرفوا راجعين -إلى سمرقند (كما جاء عند الطبري وابن الأثير) سالمين بمن معهم من المسلمين الذين كانوا محصورين،
=
=
وجاءتِ التُّرك من الغد إلى القصر، فلم يجدوا به داعيًا ولا مجيبًا، فقالوا فيما بينهم: "هؤلاء الذين لَقُونا بالأمس لم يكونوا إنسًا، إنما كانوا جِنًّا ! " [20]
وكان التُّرك أربعين ألفًا. [21]
=
وكان التُّرك أربعين ألفًا. [21]
=
فقال ثابت قُطنة:
فَدَتْ نفسي فوراسَ مِن تميمٍ
غَدَاةَ الرَّوع في ضَنْكِ المقامِ
فَدَتْ نفسي فوارسَ أكْنَفوني
على الأعداءِ في رَهَج القتَامِ
بِقَصْرِ الباهِليِّ وقَدْ رأوْنِي
أُحَامِي حيثُ ضَنَّ به المُحامي
=
فَدَتْ نفسي فوراسَ مِن تميمٍ
غَدَاةَ الرَّوع في ضَنْكِ المقامِ
فَدَتْ نفسي فوارسَ أكْنَفوني
على الأعداءِ في رَهَج القتَامِ
بِقَصْرِ الباهِليِّ وقَدْ رأوْنِي
أُحَامِي حيثُ ضَنَّ به المُحامي
=
بسيفي بَعْدَ حَطْمِ الرُّمحِ قُدْمًا
أذُودُهُمُ بذي شُطَبٍ جُسَامِ
أكُرُّ عليهم اليَحْمُومَ كَرًّا
كَكَرِّ الشَّرْبِ آنيَةَ المُدامِ
أكُرُّ به لدَى الغَمَراتِ حتى
تَجَلَّتْ لا يَضيقُ بها مَقامي
=
أذُودُهُمُ بذي شُطَبٍ جُسَامِ
أكُرُّ عليهم اليَحْمُومَ كَرًّا
كَكَرِّ الشَّرْبِ آنيَةَ المُدامِ
أكُرُّ به لدَى الغَمَراتِ حتى
تَجَلَّتْ لا يَضيقُ بها مَقامي
=
فلوْلا اللهُ ليس له شَرِيكٌ
وضَرْبي قَوْنَسَ المَلكِ الهُمامِ
إذًا لَسَعَتْ نساءُ بني دِثَارٍ
أمامَ التُّركِ بادِيَةَ الخِدَامِ
فَمَنْ مِثْلُ المُسَيّبِ في تميمٍ
أبي بِشْرٍ كَقادِمَةِ الحِمامِ. [22]
=
وضَرْبي قَوْنَسَ المَلكِ الهُمامِ
إذًا لَسَعَتْ نساءُ بني دِثَارٍ
أمامَ التُّركِ بادِيَةَ الخِدَامِ
فَمَنْ مِثْلُ المُسَيّبِ في تميمٍ
أبي بِشْرٍ كَقادِمَةِ الحِمامِ. [22]
=
وقال جرير يذكر المسيّب:
لولا حِمايةُ يَرْبُوعٍ نساءَكُمُ
كانت لغيركُمُ مِنْهنَّ أطْهَارُ
=
لولا حِمايةُ يَرْبُوعٍ نساءَكُمُ
كانت لغيركُمُ مِنْهنَّ أطْهَارُ
=
حَامى المُسَيّبُ والخيلانِ في رَهَجٍ
إذ مازِنٌ ثَمَّ لا يُحمَى لها جارُ
إذ لا عِقَالٌ يُحَامى عن ذِمارِكُمُ
ولا زُرَارَةُ يَحْمِيها و وزَّارُ.[23]
=
إذ مازِنٌ ثَمَّ لا يُحمَى لها جارُ
إذ لا عِقَالٌ يُحَامى عن ذِمارِكُمُ
ولا زُرَارَةُ يَحْمِيها و وزَّارُ.[23]
=
قال عبد الله بن محمد -أحد رواة الوقعة- عن رجل شهد ليلة قصر الباهلي قال: "كُنَّا في القصر، فلمَّا التَقوا ظَنَنَّا أنَّ القيامة قد قامت لِمَا سمعنا من هَمَاهِم القوم، و وقع الحديد، وصهيل الخَيل." [24]
المصادر 📘:
1- تاريخ الطبري [6/608] دار المعارف
2- مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي [7/14] دار الكتب العلمية
3- تاريخ الطبري المصدر نفسه
4- المصدر نفسه
5- مرآة الزمان المصدر نفسه
6- الكامل في التاريخ لابن الأثير [4/348] دار الكتب العلمية
7- مرآة الزمان المصدر نفسه
=
1- تاريخ الطبري [6/608] دار المعارف
2- مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي [7/14] دار الكتب العلمية
3- تاريخ الطبري المصدر نفسه
4- المصدر نفسه
5- مرآة الزمان المصدر نفسه
6- الكامل في التاريخ لابن الأثير [4/348] دار الكتب العلمية
7- مرآة الزمان المصدر نفسه
=
8- البداية والنهاية لابن كثير [10/44] دار ابن كثير ط5
9- مرآة الزمان المصدر نفسه
10- تاريخ الطبري المصدر نفسه ص609
11- مرآة الزمان المصدر نفسه
12- تاريخ الطبري المصدر نفسه
13- المصدر نفسه
14- المصدر نفسه
15- المصدر نفسه ص610
16- المصدر نفسه
17- المصدر نفسه
=
9- مرآة الزمان المصدر نفسه
10- تاريخ الطبري المصدر نفسه ص609
11- مرآة الزمان المصدر نفسه
12- تاريخ الطبري المصدر نفسه
13- المصدر نفسه
14- المصدر نفسه
15- المصدر نفسه ص610
16- المصدر نفسه
17- المصدر نفسه
=
20- البداية والنهاية المصدر نفسه
21- مرآة الزمان المصدر نفسه ص15
22- تاريخ الطبري المصدر نفسه ص611
23- المصدر نفسه
24- المصدر نفسه ص612
21- مرآة الزمان المصدر نفسه ص15
22- تاريخ الطبري المصدر نفسه ص611
23- المصدر نفسه
24- المصدر نفسه ص612
جاري تحميل الاقتراحات...