حيث طلب الجيش الأمريكي من صدام حسين توقيع بيان يدعو العراقيين لوقف الهجمات فرفض قائلا: كرامتى تمنعني حتي من قراءته
ويقول مكملا :الكثير من معلومات «سى آى أيه» حول صدام كانت خاطئة.. وسألني مرة: من أين تأتون بمعلوماتكم؟
كان صدام يجلس علي كرسي معدني قابل للطي، يرتدي دشداشة بيضاء، عليها جاكت أزرق شتوي. فقد كان في ديسمبر والجو باردا. كانت هناك جروح وخدوش علي وجهه وذراعه جراء عملية اعتقاله. لكنه تصرف كأنه صاحب المكان ونحن ضيوف لديه.
حذر الأمريكيين: لن تجدوا حكم العراق سهلا وستفشلون لأنكم لا تفهمون العقل العربى .
هكذا يلخص ضابط الاستخبارات الأمريكي جون نيكسون، في كتابه «استجواب الرئيس: التحقيق مع صدام حسين»، المرة الأولي التي رأي فيها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
هكذا يلخص ضابط الاستخبارات الأمريكي جون نيكسون، في كتابه «استجواب الرئيس: التحقيق مع صدام حسين»، المرة الأولي التي رأي فيها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
عندما جاء لبدء جلسات استجوابه إثر اعتقاله في 13 ديسمبر 2003 بعد نحو 9 أشهر علي الغزو الأمريكي للعراق.
كان نيكسون قد درس صدام حسين لسنوات بوصفه ضابطا فى الاستخبارات الأمريكية التى انضم اليها 1998.
كان نيكسون قد درس صدام حسين لسنوات بوصفه ضابطا فى الاستخبارات الأمريكية التى انضم اليها 1998.
وكم تبدو تلك التحذيرات دقيقة اليوم. لقد مرت فى 30 ديسمبر الماضى الذكرى العاشرة لإعدام صدام عام 2006، والعراق والمنطقة ما زالا فى نفق أسود من الفوضى والعنف الطائفي.
يقول نيكسون إنه فى الأسبوع الأول من ديسمبر 2003 كانت هناك علامات أن القوات الأمريكية على وشك اعتقال صدام، موضحا:«وذات يوم استدعانى رئيس مركز الاستخبارات الأمريكية فى بغداد وسألني: كيف ستتعرف على صدام؟. كانت لدى معايير منها وشم قديم، وأثر رصاصة قديمة فى ساقه.
ويقول نيكسون إنه فى البداية كان من الصعب استجواب صدام، فهو رجل التناقضات. ففى البداية كان لطيفا، ذكيا، مهذبا، لديه حس ساخر حتى من نفسه. لكنه مع الوقت وتكاثر الأسئلة عليه أصبح متحايلا وشريرا ومثيرا للخوف. وبطبيعة الحال لم تكن الجلسات الأولى سهلة.
ومع كل جلسة استجواب كان نيكسون يشعر بالصدمة، فكل ما كان يعرفه عن صدام لم يكن مماثلا للحقيقة فأن «تدرس شخصا من الأرشيف شيء وأن تقابله وجها لوجه شيء مختلف تماما... فبدلا من أن أجد نفسى أتحدث مع سفاح بغداد، وجدت نفسى أتحدث مع ذلك الرجل العراقى المسن...
ومع مرور جلسات استجوابه، ينبغى أن أقول أن صدام كان من أكثر الشخصيات كاريزمية التى قابلتها فى حياتي. أعنى أنه عندما كان يدخل الغرفة، وحتى وهو سجين، تشعر بتغيير الأجواء».
لم تكشف جلسات التحقيق عن رجل يختلف عن الصورة السائدة فى أوساط الاستخبارات الأمريكية فحسب
لم تكشف جلسات التحقيق عن رجل يختلف عن الصورة السائدة فى أوساط الاستخبارات الأمريكية فحسب
بل كشفت أيضا أن الكثير مما كانت الاستخبارات الامريكية تعتبره حقائق، لم يكن ذلك.
ويقول نيكسون إن «سى آى أيه» لم يكن لديها أى فكرة مثلا حول تفويض صدام الكثير من صلاحيات تسيير الأمور اليومية إلى كبار مساعديه ووزرائه. فالاستخبارات الأمريكية كانت تعتقد أن صدام«يأخذ كل قرار فى العراق».
ويقول نيكسون إن «سى آى أيه» لم يكن لديها أى فكرة مثلا حول تفويض صدام الكثير من صلاحيات تسيير الأمور اليومية إلى كبار مساعديه ووزرائه. فالاستخبارات الأمريكية كانت تعتقد أن صدام«يأخذ كل قرار فى العراق».
لكن جلسات الاستجواب مع صدام ومع كبار مساعديه ووزرائه الذين اعتقلوا بعد الغزو أظهرت أن صدام منح الكثير من الصلاحيات والمهام اليومية ليديرها مساعدوه والمقربون منه وذلك كى يتفرغ هو لكتابة رواية.
وفى إحدى المرات بينما كان صدام يحكى عن صلاح الدين، أوقفه ضابط استخبارات آخر يدعى بروس وقال له:«صدام. نحن نريدك أن تركز على السؤال الذى طرحناه والا تتطرق للتفاصيل التاريخية». فرد صدام بعدما بدا مندهشا من الاعتراض:«لكن ما أقوله هام جدا. ويجب أن تسمعه كله».
لكن كان لصدام جانب مرح. فقد كان يتمتع بحس الدعابة وكان يستخدمه عندما يريد الالتفاف على سؤال أو التهرب منه. ومن وقت لآخر كان صدام يروى حكايات مضحكة من خلال سنوات حكمه. ويقول نيكسون:«عندما كان ينهى الحكاية كنا نعقب: هذه قصة مسلية جدا، فيرد: لدى قصة أخري».
كل هذه المداخل كانت لبناء ثقة وعلاقة ألفة وذلك لاستجوابه فى الموضوع الوحيد والأساسى الذى يهتم به البيت الأبيض وهو أسلحة الدمار الشامل. ويقول نيكسون إن الإجابة التى أعطاها صدام فى ذلك الملف لم تكن الإجابة التى يريد المسئولون فى واشنطن سماعها.
فقد نفى صدام أن يكون لدى العراق برنامج لإنتاج أسلحة دمار شامل. قائلا:«لقد عثرتم على خائن أوصلكم إلى صدام حسين، أليس هناك خائن آخر يكشف لكم عن أماكن تواجد أسلحة الدمار الشامل؟»، مؤكدا «لم نفكر أبداً فى استخدام أسلحة الدمار الشامل، ولم تطرح هذه المسألة للنقاش».
ويوضح نيكسون أنه كان من الصعب جدا التأكد من أن ما يقوله صدام صحيح أم لا بسبب مراوغته. لكن بناء على استجوابه واستجواب عدد كبير من مساعديه والمسئولين فى نظامه والوثائق التى عثر عليها الجيش الأمريكي، والأهم من كل ذلك حقيقة أن القوات الامريكية لم تعثر على أى أسلحة دمار شامل .
باتت هناك قناعة واحدة لا مفر منها وهى أن العراق لم يكن لديه أو بصدد بناء برنامج لأسلحة الدمار الشامل قبل الغزو مباشرة. وبالتالى الحجة الامريكية لغزو العراق كانت كذبة. ومن نافلة القول إن تلك الحقيقة كان من الصعب جدا على البيت الأبيض بلعها.
كما نفى صدام كل صلة بين نظامه و«القاعدة» وهجمات 11 سبتمبر. ويقول نيكسون إن صدام قال له إن العراق وأمريكا كان يفترض أن يكونا حليفين طبيعيين لمكافحة «القاعدة» فى الشرق الأوسط بعد 11 سبتمبر. وسأل صدام نيكسون:«ألم تقرأ رسالتى التى أرسلتها مع طارق عزيز إلى رامزى كلارك»
المدعى العام الأمريكى السابق) بخصوص التعاون بين واشنطن وبغداد بعد 11 سبتمبر. وكان صدام يتحدث عن خطاب ارسله عبر طارق عزيز إلى بوش يعزى فيه فى ضحايا 11 سبتمبر، ويدين الارهاب ويقول إن العراق ايضا كان ضحية عمليات ارهابية.
وخلال التحقيقات حذر صدام حسين واشنطن من المخاطر التى ستواجه أمريكا فى العراق، قائلا:«سوف تفشلون. ستجدون أنه ليس من السهل حكم العراق. ستفشلون فى العراق لأنكم لا تعرفون اللغة، التاريخ، ولا تفهمون العقل العربي».
وكان الخطر الأكبر الذى تحدث عنه صدام مع تحلل نظامه هو الحركات الجهادية السنية. ويتذكر نيكسون أن صدام كان يقول إن الحركات الجهادية السنية إذا ما وجدت موطئ قدم فى العراق سيكون من الصعب التخلص منها، لأنها ستنشط فى قلب شبكة الدعم القبلي-الطائفى السنى الموالية له.
وعندما تنتشر وتستشرى وسط القبائل السنية فإن التخلص منها لاحقا سيؤدى إلى إغضاب وتهميش تلك القبائل.
وتوقع صدام ظهور تنظيمات مثل «داعش»، قائلا إن الجهادية العالمية ستتخذ من العراق «ملعبا لها» بعد الإطاحة به، وأنها يمكن أن «تتمدد وتنتشر أسرع مما يمكن أن يتصور أى شخص».
وتوقع صدام ظهور تنظيمات مثل «داعش»، قائلا إن الجهادية العالمية ستتخذ من العراق «ملعبا لها» بعد الإطاحة به، وأنها يمكن أن «تتمدد وتنتشر أسرع مما يمكن أن يتصور أى شخص».
وتوقع صدام ظهور تنظيمات مثل «داعش»، قائلا إن الجهادية العالمية ستتخذ من العراق «ملعبا لها» بعد الإطاحة به، وأنها يمكن أن «تتمدد وتنتشر أسرع مما يمكن أن يتصور أى شخص»، مستفيدة من الغضب الشعبى من حكومات المنطقة وتراجع الفكر القومي.
وبحسب ما قال صدام فى جلسات استجوابه:«لأن للعراق حدودا مع الأردن والكويت وتركيا والسعودية وإيران فإنها مكان مثالى للمتطرفين. العراقيون عاشوا وسط توازن. وأى حقن لذلك البلد بعناصر أجنبية سيقضى على ذلك التوازن».
ففى إحدى الجلسات سأل نيكسون صدام عن العلاقات بين العراق وسوريا. فخفض صدام رأسه ونظر إلى أصابع يده وهى عادة كان يكررها كلما ضغط سؤال على أعصابه. وإذا تواصلت الأسئلة التى تثير أعصابه يبدأ فى الانشغال بتنظيف أظافره. ويقول نيكسون:«عندما كنا نستفسر عن شيء فى التبادلات التجارية
بين العراق وسوريا، رد صدام منفعلا قائلا: من يكترث بالتجارة؟ هل تعتقدون أن صدام حسين تاجر. هذه الأشياء حثالة التاريخ».فخلال كل مراحل التحقيق كان صدام يتعامل مع الأمر كأنه يعطى «شهادة تاريخية» عن زمنه وبلده ومنطقته وحكمه، لكن عندما تصبح الأسئلة متعلقة أكثر بما حدث فى الماضى القريب
أو الحاضر، يبدأ صدام فى الشكوى من أن الاستخبارات الأمريكية «تستجوبه»،وأن الحوار لم يعد حول التاريخ. ويضيف نيكسون:«فى كل الحالات تحدث صدام كرئيس للعراق، وكان يشير إلى نفسه بالرئيس. طبعا من ناحيتنا لم نخاطبه سوى باسمه الأول: صدام. وقد ضايقه هذا فى البداية لكنه سرعان ما اعتاد عليه».
كما كان صدام عدائيا فى كل ما يتعلق بإيران. ويتحدث بوصفه «حامى العرب» فى المنطقة، وحامى السنة فى العراق من النفوذ الإيراني. كان لديه كراهية لا شك فيها لإيران التى قال إنها كانت وراء محاولة اغتيال ابنه عدى عام 1996. كما رد بشكل عدائى عندما سئل لماذا بدأ العراق الحرب مع إيران.
فقد قال صدام إن إيران ارتكبت 548 عملا عدائيا ضد العراق قبل بدء الحرب. ويقول نيكسون إن صدام حاول تجنب الإجابة على تساؤلات بخصوص استخدام العراق أسلحة كيماوية فى الحرب مع إيران، لكنه تدريجيا قال إن إيران هى من بدأت باستخدام الأسلحة الكيماوية .
تحدث صدام عن الكثير من القضايا لكنه لم ينطق بكلمة حول الاستخبارات العراقية، وأمنه الشخصي، وشبكة الموالين له، وعلاقاته مع الزعماء العرب، فقط أثنى فى عدد من المرات على الرئيس المصرى الراحل جمال عبد الناصر.
وطبيعيا لم يرتح صدام لاستجوابه حول زوجتيه وأبنائه،ورفض تأكيد أن له ابنا يدعى على من زوجته الثانية سميرة شهبندر،قائلا لنيكسون:«هل تريدون قتله كما فعلتم مع قصى وعدي؟».
ومن جلسات الاستجواب تظهر علاقة معقدة ومتشابكة بين صدام وكل من قصى وعدي.فقد قال صدام إنه«فخور بهما رغم كل أخطائهما»
ومن جلسات الاستجواب تظهر علاقة معقدة ومتشابكة بين صدام وكل من قصى وعدي.فقد قال صدام إنه«فخور بهما رغم كل أخطائهما»
صدام إنه «فخور بهما رغم كل أخطائهما»، متحدثا عن ثورته وسخطه عليهما بسبب البذخ فيما العراق تحت طائلة العقوبات وسلوكهما العنيف داخل الدائرة الضيقة حول صدام.
كما ذكر ابنتيه رغد ورنا هو الشيء الوحيد الذى يجلب الدموع لعين صدام خلال التحقيقات، مرددا دائما «أفتقدهما كثيرا».ويتذكر نيكسون أنه خلال التحقيقات أراد صدام أوراقا وأقلاما كى يسجل يومياته فى السجن لكن «سى آى أيه» رفضت إدخال أدوات كتابة خوفا من أن يستخدمها للانتحار.
لكن صدام كان يحب القراءة وفى السجن كان يطلب كتبا تاريخية وعيونا من الأدب العربى والعالمي. ويقول نيكسون إن صدام كان يحب أدب نجيب محفوظ وطلب نسخة من «الثلاثية»، كما أعاد قراءة «الجريمة والعقاب» لدوستوفيسكي.
ويتذكر نيكسون أنه فى نهاية إحدى الجلسات الشاقة العصبية سأل صدام فى محاولة لترطيب الأجواء المشحونة:«ماذا تحب أن تقرأ؟». فرد: كتب التاريخ والأدب العربي. فسألت:«ما هى روايتك المفضلة؟». فرد صدام:«العجوز والبحر» (للكاتب الأمريكى ارنست هيمنجواي).
وأوضح صدام: «فكر فى الأمر. رجل وقارب وسنارة. هذا كل ما تحتويه الرواية، لكنها تخبرنا الكثير جدا عن الوضع الإنساني».
جاري تحميل الاقتراحات...