أ.د. طلال الطريفي
أ.د. طلال الطريفي

@AltorifiTalal

25 تغريدة 11 قراءة Dec 23, 2022
(1-25)
"هل باريس تحترق؟..."
السؤال الذي لم يجد له "هتلر" إجابةً من حاكمه النازي على باريس "ديتريش تشولتيتز"
وهذا ما جعل يوم 25 أغسطس (1944) عصيبًا على "أدولف هتلر"؛ فالكل كان يتهرب من إجابته...
(2-25)
في لحظةِ ضعفٍ انتابت حاكم باريس خلال الحرب العالمية الثانية ديتريش تشولتيتز؛ اعترف في مُعتقله بحديقة "Trent Park" اللندنية بأنه كان مسؤولاً عن مذبحة اليهود الروس، ولم يكن يعلم أن اعترافه مُسجَّلاً.
كما اعترف عن مسؤوليته بتدمير "Rotterdam" الهولندية بالقاذفات سنة (1940).
(3-25)
وعلى الرغم من اعترافات تشولتيتز؛ إلا أن بعض الفرنسيين لا يزال يتعاطف معه إلى يومنا، بل في جنازته حضر مجموعةً من الضباط الفرنسيين سنة (1966) للمشاركة وتقديم العزاء بمدينة "Baden Baden" الألمانية. مع أنه كان الحاكم النازي لمدينة باريس في نهاية الاحتلال الألماني سنة (1944).
(4-25)
كانت أكثر خدمة تشولتيتز في الجيش الألماني على الجبهة الروسية، وفي صيف (1943) التقى زعيمه هتلر الذي كان مفتونًا به كغيره من الألمان؛ لكنه بعد اللقاء شعر بخيبة أمل؛ لما كان يظهر على الزعيم من أعراض مرض "Parkinson's disease" (حالة عصبية دماغية وضعف إدراكي واضطراب عقلي).
(5-25)
غادر تشولتيتز المؤتمر مذهولاً ومتوترًا بعد أن أخبره هتلر بثقته به، وأنه سيعينه حاكمًا على باريس، لينفذ سياسة الأرض المحروقة عند انسحاب قواتهم المتوقع. واستقل الجنرال القطار وهو يفكر مذعورًا من أن تدمير مدينة النور باريس، التي تُعد أجمل مدينة أوروبية أوكل إليه شخصيًا.
(6-25)
في طريقه لباريس؛ توقف تشولتيتز في مدينته بادن لأخذ زوجته وبنتيه وابنه، وأخبر زوجته بتوتره من الأمر المرعب الذي كُلِّف به من هتلر. لكنه ما إن وصل باريس حتى وجد أن سلاح المهندسين الألمان وضع المتفجرات في الأماكن الاستراتيجية والتاريخية ومواقع المياه، ومنها قصر لوكسمبورغ.
(7-25)
يوم 16 أغسطس أصدر هتلر أوامره بإخلاء باريس من الألمان غير المقاتلين، ما يؤكد علمهم بأن الوقت قد حان لدخول الحلفاء وبالتالي يجب تدمير المدينة التي بعثت النهضة في العالم الأوروبي. وتلقى تشولتيتز بعدها بيوم فقط في 17 أغسطس برقية تقول: "أعطي الأمر بالتدمير المتصوَّر لباريس".
(8-25)
تشولتيتز في موقفٍ حرج، ففي الوقت الذي أُمر فيه بتفجير باريس؛ كان موعودًا بوصول تعزيزات من الجيش الألماني لتقوية موقفه أمام الحلفاء. فبين أن يأمر بتفجير الطوربيدات المنتشرة أسفل مدينة باريس، أو ينتظر التعزيز للمقاومة. وهنا أيقن أن الخيار الأول هو ما يرغبه الزعيم النازي.
(9-25)
عمدة باريس تشارلز تاتينجز التقى تشولتيتز؛ بعد قلقه من تفجير باريس لما سمعه عن انتشار المتفجرات. فقال وهو يأخذ تشولتيتز إلى شرفة مطلة على باريس: "تخيل مستقبلاً أنك ستقف على هذه الشرفة كسائح لتقول يوم ما كنت سأدمر هذه المدينة، لكنني احتفظت بها كهدية، ألا تستحق هذا المجد".
(10-25)
لم يُشعر تشولتيتز تاتينجز بأنه استجاب له، بل رد بعد أن نظر من شُرفة مكتبه في إحدى فنادق باريس لمتحف اللوفر وساحة الكونكورد وبرج إيفل: "لقد قمت بواجبك بشكل جيد، وبصفتي جنرالاً ألمانيًا؛ يجب أن أفعل واجبي أيضًا". ورغم رد الألماني المعاند؛ إلا أنه كان يفكر بالأمر جديًا.
(11-25)
يوم 19 أغسطس انتفضت باريس على الألمان، بعد أن قرر الجنرال الفرنسي ديغول المهاجمة، وانضم الشيوعيون إليه، فكانت بنادق ليبل والمولوتوف والمسدسات تحصد من جنود الألمان العشرات، ورد تشولتيتز بالقاذفات والقنابل والدروع يوم 20 أغسطس، فبدت المدينة في التحول إلى مرحلة الدمار.
(12-25)
ساءت الأمور؛ فاقترح القنصل السويدي في باريس راؤول نوردلينج على تشولتيتز عرض الهدنة مع الحلفاء، ورغم أنه تم الاتفاق عليها؛ إلا أن المتمردين الفرنسيين خرقوها بين الحلفاء والألمان، حتى أيقن تشولتيتز أن هتلر لن يعزز له قواته؛ ليجبره على التفجير من دون الدفاع عن باريس.
(13-25)
ومن ساحات باريس الملأى بالجثث والبارود، وفي 23 أغسطس؛ كان هنالك أربعة مهندسين ألمان يتفقدون دعامات برج إيفل، بحثًا عن أفضل مكان لتوجيه الشحنات والانفجار. في هذا الوقت أمر رئيس أركان الجيش الألماني هانز سبايدل البدء بالتفجير؛ أكد تشولتيتز بأن تدمير المدينة قد بدأ فعلاً.
(14-25)
بدأت قوات الحلفاء محاصرة باريس ودخولها، ومن المقرر أن يتم التفجير، لذلك شعر هتلر بتراخي تشولتيتز؛ فأمر الرائد الألماني لوفتواف في باريس بشكلٍ مباشر بتنفيذ غارة على المدينة لضرب المواقع المحددة والتفجير، إلا أن الرائد اعتذر بأنه يفترض أن يتلقى الأمر من تشولتيتز مباشرة.
(15-25)
ارتبك الجنود الألمان بعد أن بدأت محاصرتهم وسط باريس، فراحوا يقومون بحرق وثائق إداناتهم في مكاتبهم، كذلك أعدموا 4500 فرنسي في معتقلات الشرطية السياسية (الجستابو)، حتى لا يشهدوا ضدهم. وفي يوم 24 أغسطس أطاح الفرنسيون والحلفاء بآخر نقطة قوة ألمانية بباريس.
(16-25)
حين علم تشولتيتز أنه أعداءه يقتربون من مقره في باريس، ورغم أنه رفض تفجير المدينة؛ إلا أنه لم يكن ينوي الاستسلام للحلفاء، بل عقد اجتماعًا مع ضباطه، وقال لهم: "سأطلق النار على الرجل الذي سيأتي لي ليقترح التخلي عن باريس دون قتال". مؤكدًا على دفاعه من دون تنفيذ جريمة هتلر.
(17-25)
بدأ الفرنسيون احتفال التحرير الساعة 9:30 مساءً من يوم 24 أغسطس، بينما كانت القوات الألمانية المنتشرة في أماكن متفرقة بباريس تقاتل بشراسة، إلى أن بدأوا يستسلمون للحلفاء بعد أن فقدوا رغبتهم بالقتال، فرُفع العلم الفرنسي ليرفرف فوق برج إيفل يوم 25 أغسطس، معلنًا تحرير باريس.
(18-25)
في فندق موريس بباريس لحظة التحرر، كان تشولتيتز ينتظر دخول الحلفاء عليه، وحين دخل عليه الملازم هنري كارشر من جيش ديغول بفرقته بادره تشولتيتز: "أنا الجنرال تشولتيتز قائد باريس"، فرد عليه الملازم: "أنت سجيني الآن أيها القائد". فأجبره على توقيع استسلامه قبل أن يقتاده معتقلاً.
(19-25)
تحلق حول تشولتيتز جنوده المكلفين بحمايته، وبالكاد كانوا قادرين عن رد ما يرمى عليه من الناس المتجمهرين على مدخل فندق موريس، والذين كانوا يسبونه ويصفونه بأقذر الأوصاف، والجميع كان ينتظر لحظة إعدام تشولتيتز دون محاكمة، رغم أنه لم ينفذ أمر هتلر بإحراق مدينتهم وتفجيرها.
(20-25)
خلال لحظة الاستسلام كان هتلر يردد سؤاله: "هل باريس تحترق؟"، لأنه أصدر أوامره لقائده وحاكمه على باريس ثم لأحد القادة خوفًا من التأخر؛ غير أن الإجابة على السؤال كانت استسلام نازية باريس من دون أن يتطاير تاريخها أو تتساقط معالمها وحضارتها، الأمر الذي لم يكن يتوقعه هتلر.
(21-25)
بعد أن أفاق هتلر من صدمته؛ أمر بعقد محكمة عسكرية لمحاكمة تشولتيتز غيابيًا بتهمة الخيانة، غير أن تلك المحكمة لم تُعقد، حيث قام ضباط مقربون من تشولتيتز بتأخير عقدها، لان الجميع كان في حالة ذُهان الحرب، وانتهت الحرب من دون أن يصدر في حق تشولتيتز أمر الإعدام.
(22-25)
نُقل تشولتيتز إلى لندن، وتحديدًا في حديقة "Trent Park" التي خُصِّصت لاعتقال الضباط الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، وظل تشولتيتز في الاعتقال حتى أُفرج عنه سنة (1947)، وعاد إلى ألمانيا. حيث كتب مذكراته سنة (1951) مؤكدًا أنه جنَّب باريس الدمار بعصيانه أوامر هتلر.
(23-25)
توفي تشولتيتز في نوفمبر من سنة (1966). لكن لم يزل فرنسيون كُثُر يدينون له بالفضل في الحفاظ على باريس من دون أن ينفذ مخطط هتلر.
لكن في المقابل ظهرت بعض الآراء التي تبنتها بعض الصحف الفرنسية؛ بأن كل ما وراه تشولتيتز عن حمايته باريس لم يكن سوى محض خيالٍ من جنرال نازي متكبر.
(24-25)
ويذهب الرأي القائل بأن تشولتيتز لم ينقذ باريس إلى أنه كان ينوي المقاومة الشرسة اعتقادًا منه بأنه سيستطيع ذلك، لكن حين أيقن فشله، لم يكن لديه من القوات والمأمورين من ينفذ أوامره بتنفيذ التفجير، وبالتالي اختلق قصة عصيانه لهتلر فقط كي يكسب تعاطف الحلفاء ويظهر بشكلٍ إنساني.
(25-25)
غير أن الحقيقة لا تزال غامضة وغير واضحة في أن تشولتيتز بالفعل أنقذ باريس، أم أنه وجد نفسه مأسورًا قبل أن يفعلها ويفجر مدينة النور، لا سيَّما أنه معتاد على الجرائم، من قضايا إعدام اليهود إلى قصف روتردام.
وتبقى في التاريخ زوايا رماديَّة...
youtube.com

جاري تحميل الاقتراحات...