الحمد لله وصلِّ اللهم وسلم على رسول الله
أما بعد:
اعلم -حفظك الله- أنه مع ما للشعر من يدٍ في حفظ الأخلاق والتذكير بها، ومع كونه موردًا عذبًا للمعاني الذكية والصور الخلّابة، ومع الدروس التي يُوردها في فهم الحياة؛ فإن له أثرًا خفيا دقيقا ليس بالحسن على إيمان وتدين المكثر الاستماع
أما بعد:
اعلم -حفظك الله- أنه مع ما للشعر من يدٍ في حفظ الأخلاق والتذكير بها، ومع كونه موردًا عذبًا للمعاني الذكية والصور الخلّابة، ومع الدروس التي يُوردها في فهم الحياة؛ فإن له أثرًا خفيا دقيقا ليس بالحسن على إيمان وتدين المكثر الاستماع
له، وله حَيدة دقيقة بالمرء عن النظر المطلوب عقديًّا من الإنسان إلى الحياة، ما يجعل من الضروري للإنسان أنه يتنبّه له ويعمل على تحجيمه.
أحسَب أن المنطقة الأساسية التي يُنازِع فيها الشعر نظر الإنسان المسلم إلى الحياة هي منطقة الإيمان بالقدر، فالشعر على خلاف الإيمان بالقدر -معظمه-
أحسَب أن المنطقة الأساسية التي يُنازِع فيها الشعر نظر الإنسان المسلم إلى الحياة هي منطقة الإيمان بالقدر، فالشعر على خلاف الإيمان بالقدر -معظمه-
أرجو أن أستطيع شرح فكرتي بوضوح:
يقتضي الإيمان بالقدر، ويتجلى في نظر العارفين بالله، أن يُنظَر إلى الحياة وأحداثها نظرًا يصلها بالله عز وجل، فلا يكتسب شيء قيمته وحقيقته إلا من حيث هو دالّ على الله، ومن حيث هو صنع وتقدير الله، بذلك تكون المصيبة ابتلاء بغرض امتحان العبد،
يقتضي الإيمان بالقدر، ويتجلى في نظر العارفين بالله، أن يُنظَر إلى الحياة وأحداثها نظرًا يصلها بالله عز وجل، فلا يكتسب شيء قيمته وحقيقته إلا من حيث هو دالّ على الله، ومن حيث هو صنع وتقدير الله، بذلك تكون المصيبة ابتلاء بغرض امتحان العبد،
والخير كذلك، لتتضاءل المعاني الأخرى المحيطة بهذين الحدثين، فلا ييأس ويسخط الإنسان -وهو مجبول على ذلك- عند المصائب، بل يراها كفارة للذنوب وابتلاء ليعلم الله من يحسن العمل، ولا يفرح بالخير فرحه يحجبه عن اعتبار الابتلاء في الخير، وامتنان الله عليه به، ما يوجب عليه إحسان العمل أيضًا.
يمكننا أن نرى من ذلك أنّ عقيدة القدر تؤول إلى النظر إلى الحياة وأحداثها من جهة كونها مفعولة لله عز وجل، والانفعال بها من هذه الجهة، فهي بذلك فرع عن توحيد الله عز وجل، فرع عن جعله المرجع والوجهة للسائر إليه، وهذا الوجه من النظر لا يصل إليه إلا العارفون بالله، لكنه بوصلة كل سائر.
الشعر -على النقيض من ذلك- معظمه يقوم على النظر إلى الحياة والانفعال بها بمعزل عن ذلك، أظنّ -باستقرائي الناقص- من جهة أثرها على ذات الشاعر وأحاسيسه، ومأساته الخاصة، ونتيجة ذلك أنّ عدوّ الشاعر هو "الدهر/الأيام"، وهو أمر واضح لمن له أدنى اطلاع على الشعر، فالدهر -وهو موجود رمزي
لاشخصي- يُرسِل بالرزايا للشاعر، ويُبعِده عمن يحب، ويكلّفه الصعاب، ويذهب بالأحبّة في غياهب القبور، ويرفع ويخفض، وغير ذلك.
والدهر/الأيام: قوى عمياء ظالمة -يمكن نقول عشوائية- اشتكى منها الجاهليون وتبعهم في ذلك من بعدهم، ليست وظيفتها سوى تنغيص مباهج الحياة وتكديرها على أهلها.
والدهر/الأيام: قوى عمياء ظالمة -يمكن نقول عشوائية- اشتكى منها الجاهليون وتبعهم في ذلك من بعدهم، ليست وظيفتها سوى تنغيص مباهج الحياة وتكديرها على أهلها.
هنا يمكننا ملاحظة الاختلاف بين النظرين واضحًا، فالنظر الأول يعتبر الأحداث مفعولة لله، ويعتبرها الثاني مفعولة للدهر، وينظر إليها الأول انطلاقًا من فكرة الكتابة والحكمة الإلهية، والثاني انطلاقًا من الظلم والعبث، ويؤدي الأول إلى انفعال تزكوي، والثاني إلى انفعال جمالي/مأساويّ.
قد تؤدي كثرة استماع الشعر إلى أن يتسرب إلى مستمعه النظر إلى الحياة نظرًا يغفل عن اعتبارها من خلق الله ومكتوبه (وهي حال الغفلة)، فإذا وقع الإنسان في الغفلة لا يعود يصبر ابتغاء مرضاة الله، أو يفرح بامتنان الله عليه، ولا يلجأ إليه متذكرًا قيمة الدنيا، بل يميل لينفعل بالأشياء
انفعالًا شخصيًّا تكون فيه أحداث الحياة موجهة ضده أو له، ينسب إلى نفسه النجاح والفرح وينسب إلى العالم الضرر الواقع عليه، ويتوكل على نفسه الضعيفة في جلب الخير ودفع الشر، وتكبر مباهج الحياة في نفسه حتى لا تبقى لحقائق الآخرة في نفسه محلّ، وحتى تستمكن الغفلة من نفسه.
من المفهوم جدا لمَ كان هذا هو نظر الشعراء الجاهليين الوثنيين إلى العالم، لكن لمَ نجد الشعراء الإسلاميين بعدهم مضوا في نفس هذا الشكل من النظر إلى العالم؟
هنا لديّ حدس هو في بداياته، وهو يتعلق بالأساس بعلاقة الدين بالفنون، وهي علاقة شديدة الالتباس يصعب فك التباسها بسهولة.
هنا لديّ حدس هو في بداياته، وهو يتعلق بالأساس بعلاقة الدين بالفنون، وهي علاقة شديدة الالتباس يصعب فك التباسها بسهولة.
لكنني أحسَب، أنّ انفعال الفنان بالعالم هو انفعال يُضفِي على العالم قيمة كبرى، فلا ريبَ أن الفنون تنفخ في الحيّ أوجهًا جديدة من الحياة، وتضيف إليه من المعاني ما لم تكن له، وكل ذلك ليكون انفعال الإنسان بالحياة في أشدّ أحواله من فرط المعاني الحياتية التي يُبرِزها الفنان/الشاعر.
أما الدين فيعمل على تحجيم هذا الانفعال الشديد والانخراط الضخم في الحياة، حتى لا يجعل الإنسان غارقا في مباهجها وتسكن نفسه إليها وينسَى عهده الإلهي القديم، تأمل قوله تعالى: "وابتغِ في ما آتاكَ الله الدار الآخرة، ولا تنسَ نصيبك من الدنيا..."، ولما كانت النفس بطبعها بتنجذب إلى الدنيا
ومباهجها لم يكثر في الشعر التنبيه عليها وعلى حظ الإنسان منها، وإنما على بيان دناءتها وقلة قيمتها وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة
فالفن من هذه الجهة يغذّي طبعًا الدين يأمر بكل من حفظه توجيهه في الخير وعدم الاسترسال معه، وعن هذه المسألة تتفرع مسائل عديدة مثل تحريم النحت/التصوير
فالفن من هذه الجهة يغذّي طبعًا الدين يأمر بكل من حفظه توجيهه في الخير وعدم الاسترسال معه، وعن هذه المسألة تتفرع مسائل عديدة مثل تحريم النحت/التصوير
وتحريم الموسيقى -على معتمد المذاهب الأربعة، وفيها خلاف مشهور-، وأقوال العلماء في حكم استماع الشعر وأنواعه وخلافاتهم حوله، وغيرها الكثير.
ومن العبارات الجامعة في بيان طرف من هذه المسألة هو القول الآتي لابن تيمية -قدس الله سره- وتعليق مولانا أحمد سالم:
ومن العبارات الجامعة في بيان طرف من هذه المسألة هو القول الآتي لابن تيمية -قدس الله سره- وتعليق مولانا أحمد سالم:
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
جاري تحميل الاقتراحات...