عبدالرّحمٰن
عبدالرّحمٰن

@a6dulrahmann

15 تغريدة 23 قراءة Dec 03, 2022
هُنا الرّياض، المدينة لم تعد كما تركتها آخر مرة؛ شوارع لاتخلو، تجمعات بشريّة ضخمة، سكّان لايعرفون النوم. لايوجد فيها وقت للذروة، فكل الأوقات ذروة، وإن فكّرت في الانتقال من مكان إلىٰ مكان فأنت إما فدائي أو مجنون. أصبح الداخل فيها مفقود، والخارج مولود، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.
ولا يغيبنّ عن بالك أن قصة عودتي لها هي بداية مصيبتي، وحين أقول مصيبتي لا أريد بذلك علىٰ وجه التخصيص تلك المتاعب الكبيرة التي عانيتها بالسفر، أو الأزمة التي تخبطت بها في زحام شوارعها؛ بل عندما اختارَ لي القدر سائق أوبر يتفضّل علي؛ ليأخذني إلىٰ المنزل!
سائق شاب في ريعان الصحة، أشبه مايكون بقائد عصابة عظيم؛ الرأس أصلع تمامًا، الملامح محددة فيها شيء من عنف المقاتل، تشعر وكأنه يحمل بطاقة عضويّة في الرابطة الوطنيّة لحملة البنادق. أقمت معه في الدائري عدّة أسابيع، لو أنني اخترت جيادًا ذلك الوقت؛ وصلت بشكل أسرع
لأكثر من أسبوعين ونحن في السيارة نسير، لا نفكر في شيء سوىٰ الطريق، ولا نعيش لشيء سوىٰ الوصول.أراد أن يكسر رتابة الطريق، وزحمته التي أعاقت وصولنا، فأخبرني أنه رسام تشكيلي -إنه ينتمي إلىٰ ذلك النوع من الأفراد الرسامين!- وددت حينها لو أصرخ مستغيثًا، مستنجدًا؛ كبحّار مكروب في زورق
لأنك ياعزيزي القارئ أنتَ قادر علىٰ مجاراة أي أحد، مهما علا شأنه وسما فنّه، أما أن تجاري التشكيليون وتنافسهم، فليت أبويك رقدوا ذٰلك الليل! هم الذين تُدرك بفضل وجودهم أنك لاتفقه شيئا .. هناك هالة رهيبة ضخمة تحيط بهم، هناك حواجز كثيفة بينك وبينهم، أسوار وبوابات وحراس وأفكار أيضًا
بدأ يستعرض رسوماته بزهوٍ وخيلاء، وأن انتاجاته الفنية لم تتم إلا بعد الإلهام الإلهي؛ كومة من الأخشاب مع مجموعة من الحبالِ عرَضها كعمل فني ضمن مايسمونه بمدرسة الشيئية، ومن الفضائح الثقافية الكبرىٰ، أنني لم أشعر بأي تذوّق فني لهذه اللوحة، لاتعبّر عن شيء، ولا توحي بشيء
يستحق بحق أن يُجلّس علىٰ حزمة الحطب هٰذه، وأن يُشد إليها بالحبال التي بجانبها شدًا وثيقًا، وأن يصنع له مجد عظيم كمجد جان دارك في آخر لحظات حياتها.
"رسمة ثقافية أخرى، آلهة الحب والجمال عند الأغريق، والشهيرة بفينوس، يُقال أنها جميلة، آية في الحُسن، جسدها ينطق بأنوثة رائعة، لكن من العسير أن يُعجب رجل إعجابا كاملا بملكة جمال مقطوعة الذراعين! أتخيل أنها في عصرنا هذا، حتما سينتهي بها المطاف وهي تطلب المارّة بمساعدتها عند الإشارات
صراحة رسّام يستحق الدعم .. بالسيارة.
المصيبة أنه يؤكد لي أن سر جمالها كونها مقطوعة الذّراعين! ربما لهم فلسفة أخرىٰ وهي أنها لاتستطيع مد يدها على زوجها، وهنا يكمل أنها ستكون زوجة مثاليّة!
استنكر جهلي الرهيب، وعاملني بخصوص هذا الإنتاج الفني كعدو من أعداء الفن والثقافة. والحمد لله أننا اقتربنا حينها من المنزل أكثر؛ فقد تبقى ثلاثة أيام للوصول. بعد ذلك وجب علينا تزويد سيارتنا بالوقود وتزويد أنفسنا بالقهوة!
وإن كان في موناكو فندق مونت كارلو حيث يُلعب القمار وتُحرق فيه النقود، هُنا مكان آخر للنصب علىٰ النّاس؛ المطاعم والكافيهات، إنها تستنزف المرء ببشاعة وتقدّم له طعامًا رائعًا، برداء تحفة فنيّة احترافية، يكاد المرء ينحني أمامه إظهارًا للإعجاب ويتردد في تناوله من فرط إعجابه بالطبق
والرياض تحمل على سرواتها وعلى رؤوسها وعلى أطراف أذرعها التي لاتحصى، ألوفًا من الكافيهات والمطاعم، تستقبلك وذراعاها مبسوطتان، تحملك كرغبة تطلب الاشباع؛ لتنفق فيها نقودك لحين ماتُرديك من الجياع.
وهكذا انتهت رحلتي ووصلت، ولقد استمرّت شهرين، وإن استبعدنا الوقت المنقضي في طريق المطار، والأسابيع التي قضيتها في الدائري، والسّاعات التي ضاعت هباء عند الإشارات؛ فستكون ربع ساعة ولن تزيد.
وفي الرياض ياعزيزي يجب أن تصطحب وسادتين كبيرتين معك في السيارة أثناء التنقلات؛ ستمر الأيام في إثر الأيّام، والأسابيع في أثر الأسابيع حتىٰ ينقضي حول كامل وأنت مقيم في الشارع ذاته .. مع حتميّة تأثر عظام الترقوة، والكتفين، والفقرات؛ بسبب كثرة استعمال المكابح هنا.

جاري تحميل الاقتراحات...