ظهر فتور منه، وتبين لي أن لديه شك في الإلحاد وليس في الإيمان، ويبدو أن اللقاء كان غرضه الاطمئنان على قراره في الإلحاد، ويريد فقط أن يتأكد من صلابة بعض المسائل. وبعد الحديث المعتاد حول نقاط رئيسة، تبسمتُ وقلت له: أحب أن تصارحني، لماذا ألحدت؟ فيظهر أن الأمر لا يتعلق بقضايا علمية.
تبسم هو بدوره، وقال: هناك أمور لا أستطيع أن أتركها، أنا أعشقها ومدمن عليها، والإيمان ينغص حياتي، قلبي يعيش صراع بين ممارستها والشعور بالذنب والمعصية، هذا الجحيم لم أعد أطيقه، ولم أعد ألتلذ بتلك الأمور وأنا أمارسها بنفس طبيعتها لوامة تقرعني قبلها وأثناء ممارستها وبعد ممارستها.
وواصل حديثه، قائلاً: التكاليف مكلفة ومتعبة وشاقة، وتركها كان يؤلمني كثيرًا، كنت أقوم أصلي الفجر، وكان ذلك شاقًا عليَّ، وإذا فاتتني الصلاة قرعتني نفسي وركبني غم وهم، وهو عذاب لا أطيقه. ولهذا كنتُ أريد أن أرتاح من كل ذلك، وكان السبيل الوحيد هو التخلي عن سبب اللوم والتقريع: الإيمان.
حين سمعتُه يقول ذلك، خالجني شعور متضاد، هل أشكره على صراحته واختصاره الطريق، وأن المسألة ليست مسألة علمية وإنما انحياز إرادي واع لرغبة تريد أن تحيا في الواقع بلا لوم ولا رقيب ولا تأنيب، أو أرثي له وكيف قدر الشيطان أن يلبس عليه ويخدعه، ويجعل الإيمان والضمير عبأ عليه في الحياة!
لقد كان ذلك اللقاء درسًا مهماً، في أن يتم إدراك الدفاع الحقيقي وراء تغير وتحول القناعات في الشخص الذي تحاوره قبل أن تخوض غمار حوار بيزنطي، يدور على نفسه، لأن المحرك الحقيقي له ليس مسائل علمية ولا شبهات عقلية، وإنما أمور نفسية أو رغبات شخصية، تستتر وراء زخارف علمية عقلية مكررة.
يقول ألدوس هكسلي: "كانت لدي دوافع وراء عدم رغبتي في أن يكون للعالم معنى، وبالتالي افترضت أنه لا يوجد بالفعل. بالنسبة لي ولمعظم المعاصرين، كانت فلسفة اللامعنى في جوهرها أداة للتحرر، التحرر من نظام سياسي واقتصادي معين من ناحية، والتحرر من نظام أخلاقي معين من الناحية الأخرى".
وكما قال الأديب الروسي دوستوفيسكي: "إذا لم يكن الله موجودًا، فكل شيء مباح".
جاري تحميل الاقتراحات...