رجعت لقراءة كتاب "الإشارات الإلهية" لأبي حيان التوحيدي، والله حزنتُ لأجله حزن شديد. قبل الكتاب ده أنا سمعت قصته وأحوال حياته وكيف انتهى بيو الحال بحرق كتبه كلها، لكن ليس من رأى كمن سمع، في الرسائل الأولى من الكتاب بيوصف حاله النفسي، وهو رجل ربنا آتاه قلم في غاية الإبداع،
وصفه عارف حجاوي: "مفرداته كالشلال الهادر.. وتقع كل كلمة في موقعها، فإذا العبارات تنثال حارة حارقة، ونقرأها مرة أخرى فإذا هي مرصوفة بهندسة بديعة. كان أبو حيان يجند كل كلمات العربية وأساليبها في خدمة نثره. كان يكتب كطفل حانق."
لا شكّ عندي أنه التوحيدي كان مصاب بُعصاب، ولم أرَ في حياتي وصفًا للاكتئاب بهذا الشمول.
مقطع واحد من مواضع كتيرة وصف فيها حاله:
"فأما حالي فسيئة كيفما قلّبتها، لأن الدنيا لو تؤاتني لأكون من الخائضين فيها، والآخرة لم تغلب عليّ فأكون من العاملين لها. وأما ظاهري وباطني فما أشدّ اشتباههما! لأني في أحدهما متلطّخ تلطّخًا لا يَقرَبُني من أجله أحد،
"فأما حالي فسيئة كيفما قلّبتها، لأن الدنيا لو تؤاتني لأكون من الخائضين فيها، والآخرة لم تغلب عليّ فأكون من العاملين لها. وأما ظاهري وباطني فما أشدّ اشتباههما! لأني في أحدهما متلطّخ تلطّخًا لا يَقرَبُني من أجله أحد،
وفي الآخر متبذّخ تبذّخا لا يُهتدَى فيه إلى رشد؛ وأما سري وعلانيتي فممقوتان بعين الحق لخلوّهما من علامات الصدق ودنوّهما من عوائق الرق. وأما سموني وحركتي فآفتان محيطتان بي، لأني لا أجد في أحدهما حلاوة النجوى، ولا أعرى في الآخر من مرارة الشكوى.
وأما انتباهي ورقدتي فما أفرّق بينهما إلا بالاسم الجاري على العادة، ولا أجمع بينهما إلا بالوهم دون الإرادة. "وأما قراري واضطرابي فقد ارتهنني الاضطراب حتى لم يدع فيّ فضلًا للقرار. وغالبُ ظني أني قد علِقت به، لأنه لا طمعَ لي في الفكاك، ولا انتظار عندي للانفكاك.
وأما يقيني وارتيابي فلي يقين، ولكن في درك الشقاء، فمن يكون يقينه هكذا، كيف يكون خبره عن الارتياب."
وفي شيء في نفسه وروحه الكتب بيها الرسائل دي، لا يُوصَف وإنما يُستشَفّ، العذاب الكان غارق فيه حتى وهو بيكتب للشخص البيتراسل معاه، كمية المدح والاعتذار عن حاله، ومدى تبريره لوضعه،
وفي شيء في نفسه وروحه الكتب بيها الرسائل دي، لا يُوصَف وإنما يُستشَفّ، العذاب الكان غارق فيه حتى وهو بيكتب للشخص البيتراسل معاه، كمية المدح والاعتذار عن حاله، ومدى تبريره لوضعه،
ومسارعته للشكوى ووصف تأذيه، ثم انقلابه إلى وَجدٍ من جمال، ثم رجوعه إلى الشكوى والاستجداء، والله إنها لروح منهكة قلقة، بيقول "أرتاع لطنين الذبابة، وأهيم من حسن ذوي الصبابة"، وده اضطراب لا يعرفه إلا من جربه، لقيت نفسي داير أكتب ربنا يكشفه عن أبي حيان واتذكرت للأسف أنه غالبا مات بيه
جاري تحميل الاقتراحات...