الشباب
الثقافة
علم النفس
الصحة العقلية
علم الاجتماع
قضايا اجتماعية
الرأسمالية
ثقة النفس
تحقيق
مشاكل الشباب
من المظاهر المزعجة لهيمنة نزعة ربط المرء قيمته بإنجازاته -وهي نزعة تغذّيها وتوجّه بوصلتها الرأسمالية وانتشار الفردانية-، هو حالة القلق والتوتر والشعور بانعدام القيمة وسط شريحة كبيرة من الشباب، والوقوع تحت سطوة الذنب وجلد الذات عند مقارنتهم أنفسهم بنماذج "إنجاز" في ظروف لا يعلمون
عنها شيئًا، ولا التساهيل التي احتفّت بها.
يُضاف إلى ذلك أن "الإنجاز" يبدأ في اتخاذ طابع مسرحيّ/صوريّ، فهو ما يستطيع المرء توثيقه والحديث عنه على نحو أنيق، إنجاز لامع متوهّج ليس من الواضح كيف يمكن تقييمه أو معرفة قيمته الحقيقية، لكنه يبدو لامعًا وأنيقًا
يُضاف إلى ذلك أن "الإنجاز" يبدأ في اتخاذ طابع مسرحيّ/صوريّ، فهو ما يستطيع المرء توثيقه والحديث عنه على نحو أنيق، إنجاز لامع متوهّج ليس من الواضح كيف يمكن تقييمه أو معرفة قيمته الحقيقية، لكنه يبدو لامعًا وأنيقًا
بشكل عام صورة "الإنجاز" الإسفيرية مليئة بالمشاكل، من جهة عدم وضوح معيار "الإنجازية" فيها، لكن النمط الظاهر فيها هي كونها تتصل بالمظهر بدرجة كبيرة، وأنها منعدمة السياق، لا تبدو الظروف المحتفّة بها واضحة، وهذه المواصفات تخلق عدة إشكالات في الأوساط الشبابية -في رأيي بطبيعة الحال-:
فهي أولًا تملأ الجوّ بدخان خانق من الحديث عن "المنجزين، العابرين، المشاهير" وكيف يصبح الفرد واحدًا منهم، فيصبح الإنسان مشدود الأعصاب من وضعه المتواضع أو المتدني في وسط يمجّد ويُعلي من قيمة من يفعلون أشياء معينة يعتبرها الناس "إنجازًا"، أشياء ليس للجميع وصول إليها، وليست قيمتها
الحقيقية الواضحة.
ملاحظة جانبية:
الزول الماسك الديدلاين بتاع الإنجازات يورينا باقي لينا كم، صورة الإنجاز بتخليك تشعر أنه بالنسبة لعمرك أنت متأخر جدًّا بسبب فشلك وكسلك، وأنك مفروض تلحق، لكن تلحق شنو، منو الماسك الديدلاين اللعين ده، ولو اتأخرت حيحصل شنو يعني؟
ملاحظة جانبية:
الزول الماسك الديدلاين بتاع الإنجازات يورينا باقي لينا كم، صورة الإنجاز بتخليك تشعر أنه بالنسبة لعمرك أنت متأخر جدًّا بسبب فشلك وكسلك، وأنك مفروض تلحق، لكن تلحق شنو، منو الماسك الديدلاين اللعين ده، ولو اتأخرت حيحصل شنو يعني؟
ثانيا فهي بقسمتها الناس بين "عابرين/عاديين" تحرم الإنسان حقه في أن يكون عاديًّا، لا أعني بذلك أن يتنازل عن سعيه ويركن إلى الخمول، بل أن يسعى ويجتهد في ما يحبّ دون أن يشعر بأنه مُطَارَد في عمره وأعماله، تطارده سلطة مجهولة لا يُبصرها.
القسمة بين العابرين/العاديين أفكر فيها دائمًا قسمةً بين الطبيعيين وبين المسرحيين لا أكثر، الغالب ممن يُعتبَرون عاديين هم أشخاص يعملون بصمت ويفعلون الواجب منهم يؤزّهم ضميرهم لا غير، أما العابرون فهم أصحاب المزاج المسرحي الذين يفعلون ويحسنون الحديث أمام الجماهير عما فعلوا.
ولا أرى فضيلةً في المرء تُحَبّ وحقيقٌ صاحبها بأن يُرفَع قدوةً بين الناس كان يكون طبيعيًّا، وأعني بذلك أن يكون حقيقيا صادقا عفويا، لا يحاول تهذيب وتشذيب صورته ومظهره ولغته ليوائم معيارًا خفيًّا خارجًا عنه يفقد خلاله نفسه، ويجعله نسخةً مكررة من الآخرين، وإنما يتمسك بما هو عليه.
دومًا أفكر في الطبيعيين على هذا النحو
للتذكير:
ثالثًا: صورة الإنجاز الإسفيرية تُقصِي ما هو مهم فعلًا مما تتقوّم به إنسانية الإنسان، وحسن خُلُقه وإسلامه، ألا وهي الجوانب ذات الخصوصية من حياته والتي لا يميل ذو المروءة لمشاركتها، تعامل المرء مع أهله، حُسن جيرته، عباداته الخفيّة، صدقاته، الأسرار التي ينطوي عليها صدره، نجدته
ومساعدته الضعفاء، تبسّمه وحسن معاملته للمساكين، قيامه بمسؤولياته قويًّا شامخًا في وجه آلامه وأحزانه. لنتخيل اجتماع هذه الخِلال في شخص، ألن يكون أحد أعظم الناس الموجودين في هذا العصر؟ بيدَ أنها مما لا يُحكى فبالتأكيد لن يكون هذا الشخص "عابرًا" ونموذجًا يُحتذَى، لا يطابق النموذج.
في حين أنه هو الإنسان، هو المسلم حسن الخلق، هو أعلى ما يجب أن يُبتغَى، لا صورة "الإنجاز" المتداولة، الصورة المسرحية السطحية منزوعة السياق، التي تصلح لمجتمع رأسماليّ كل إنسان فيه لنفسه، لا أعني بذلك أن كل "العابرين" ضرورة هم كذلك، ولا أنّ مشاركة المرء بعض إنجازاته أمر سيء
وإنما أن نقاوم هذا النزوع الذي تغذيه هذه الصورة والتي تكاد تصبح عقيدة تُتَبنّى، تأمر وتنهى، وتُرغِّب وتُرَهِّب، وتعد بالسعادة وتحذر من الندامة، وذلك مع وهن أساسها وضعف منطقها وكذب وعودها، فهي بتعتمد سحر العيون وبهرج المظهر رسولًا لدعوتها.
أعتقد أحد أهم نتائج إنجازي لترجمة أليكس دي وال قبل عام -وبالتزامن مع ذلك خسارتي عددًا من أحبتي، وسنين عددًا من القلق والتوتر نتيجة علّة استمكنت مني- هو شعوري بأني بلغتُ العالي مما لم أتوقع بلوغه، وعيتُ ألا قيمة حقيقية لذلك، لا قيمة جوهرية في "الإنجاز" و"العبور"، لا معنى للتفوق
يجعله معيارًا صلبًا أَزِن عبره نفسي، أذكرني أعمل على الترجمة وأنا يائس من نفسي ومنها، لا أهدف إلا لإنجاز وعدي بمن ائتمنني عليها ووثق في قدرتي عليها، ثمّ لما انتهيتُ لم أجدني إلا في نفس المكان، لم يغدُ لي بيت من زُخرف ولم أرقَ إلى السماء، ولم يجعل لهذا الحدث قيمة سوى
بضع ضحكات من أصدقائي وأسرتي، وسوى تدشين الكتاب الذي أُقِيم في منزلي بحضرة أربع من أصدقائي الذين تحدثوا عن الكتاب وأهميته وبيّنوا رأيهم في الوضع السياسي القائم (لم يقرأ ولا واحد منهم الكتاب حتى هذه اللحظة ههههه)، وثناء من عدد من الأكاديميين على الترجمة.
ووجدتُني أجد ما أسعدني من أصدقائي وأسرتي بأقلّ من ذلك، فمنذُ ذلك وجدتُ أنّ بذلي الجهد فيهم بوصلهم والوقوف بجانبهم والبحث عن سبل إسعادهم أبلغَ أثرًا علي من الاجتهاد في "الإنجاز"، وأني أشعر أني أفضل إنسان في العالم، وأوسعهم حظًّا لا بإنجاز الأشياء، وإنما بما هو مهم فعلًا، الأحبة.
جاري تحميل الاقتراحات...