الحمد لله وبعد..
كانت السنوات العشرون التي حُكِم بها بالسجن الوزير النـ.ـازيّ ألبيرت سبير سنينًا طويلة جدا، بطبيعة الحال ليس الأمر بفظاعة الدور الذي أداه إبان شغله جزءًا من سلطة الرايخ الثالث، لكن المهم هنا هو أنه كان عليه أن يُمضِي كل هذه المدة سجينًا،
كانت السنوات العشرون التي حُكِم بها بالسجن الوزير النـ.ـازيّ ألبيرت سبير سنينًا طويلة جدا، بطبيعة الحال ليس الأمر بفظاعة الدور الذي أداه إبان شغله جزءًا من سلطة الرايخ الثالث، لكن المهم هنا هو أنه كان عليه أن يُمضِي كل هذه المدة سجينًا،
فمن بين كل الأشياء التي من الممكن أن يستعين بها في قضاء فترة السجن فقد اختار كتابة المذكرات اليومية.
شرح ألبيرت سبير ذلك قائلًا أنّ الكتابة كانت: "جهدًا مُركَّزًا في محاولته النجاة"، وكتب أن المذكرات كانت: "محاولته لمنح الزمن المنسكب بلا هوادة ودون معنَى/مغزى هيأةً وشكلًا، ومنح سنينه الخالية من المحتوى مادتها"، ويلمح حقيقة أن المذكرات "عادة ما تكون مصاحبة للحياة المُعَاشَة".
"وكتبتُ: من يكتب حِكَايَتهُ
يَرِثْ أرضَ الكلامِ
ويملك المعنى تمَامَا"
-محمود درويش
يَرِثْ أرضَ الكلامِ
ويملك المعنى تمَامَا"
-محمود درويش
نلاحظ هنا أنّ ما يذكره سبير يزيد على مجرد إيجاد نشاط لقضاء الوقت -وقد يحسن بنا أن نقول قتله في حالته هذي-، أو نشاط ليتشاغل به عن الظروف المحيطة به، فهو يحكي عن نشاط مِعطَاء، يُضفِي على حياته التي يعايشها وهجًا لم يكن فيها، ومعنى لم ينبض في جنباتها،
وينقل الزمان عن رتابته المؤلمة الثقيلة إلى حركة دائبة راقصة، تتفاوت عبرها أحوال الزمان صعودًا ونزولًا، فيكون زمانًا حيًّا -فيتحرك الإنسان معه، فالإنسان ابن زمانه-.
كما نلاحظ أمرًا آخَر، هو أنّنا أمام عالمَين اثنين وليس واحد، عالم الحياة المعيشة وعالم السردية/القصة التي يحكيها عنه، وخِلافًا للرأي الساذج سأصادر على المسألة مباشرةً وأقول أنّ العلاقة بينهما ليست علاقة عاكس ومعكوس، فليست السردية التي يحكيها المرء انعكاسًا لما عايشه،
وإنما يعمل فيها العقل والوجدان عملًا كثيرًا، يحجب عنها بعض التفاصيل، ويضع تركيزًا على بعضها الآخر، وينفي خبثها، ويوري قدح جمالياتها، كما تخدم أغراضًا في وجدان السارد ومشاعره، فما يسرده المرء من حياته هو دومًا أقلّ وأكثر مما عايشه في حقيقة الأمر.
"الرجل السعيد لا تكونُ له قصة حياة"
-علي عزت بيجوفيتش.
-علي عزت بيجوفيتش.
ولكن ما يهمني هو وجه آخر من وجوه العلاقة بين الحياة المعيشة وسردها، وهو أن في حالة سجيننا هذا لم تكن حياته إضافة وموردًا لسرده -لم يكن ذلك الغرض الأساسي على الأقل-، بل كان سرده وحكيه هو المورد لحياته،
وهو الذي يضفي على عالم كان يعلم سبير أنه ضيق مُوحِش طويل يبدو كأن لا نهاية له، يضفي عليه المغزى والمعنى والحركة والحياة.
كتبت هذا مقدمةً لمحاولة حلّ أزمتي مع هذه الكلية المؤلمة عبر السرد، إذ أنني لاحظت أن جانبًا من أزمتي مع تجربة دراستي الطب هو أني ليس لديّ قصة أحكيها وأموضعها داخل سردية حياتي عن هذا الزمان/المكان الذي قضيتُ فيه ثماني سنين،
وما يدخل وجداني متفكرًا في هذه التجربة إلا ارتدّ إليه البصر خاسئًا وهو حسير، لا من فرط الوهج الذي يراه، وإنما من فرط الظلمة التي أشعر وكأنها ستسحبني إليها ثقبًا أسود أو تهوي بي في مكان سحيق. فلربما تحلّ كتابتها بعض هذه المشاكل، أو تساعد في تخفيف أزمتي معها.
"غيرَ أنّي فشلتُ
مثل ترابٍ غادرَ الأرضَ
ثُمّ صار غُبارَا"
وفشلي هو أنّي تعبتُ من الكتابة، وهي عادة متكررة لديّ أن أفكر في مقدمة قصيرة تسبق أفكارًا أريد كتابتها، ثم أجد هذه المقدمة تتسع تتسع حتى لا يبقى لي بنهايتها فُضلَة جهد لأكتب به ما أريد،
مثل ترابٍ غادرَ الأرضَ
ثُمّ صار غُبارَا"
وفشلي هو أنّي تعبتُ من الكتابة، وهي عادة متكررة لديّ أن أفكر في مقدمة قصيرة تسبق أفكارًا أريد كتابتها، ثم أجد هذه المقدمة تتسع تتسع حتى لا يبقى لي بنهايتها فُضلَة جهد لأكتب به ما أريد،
لكني سأكتفي بهذه المقدمة اللطيفة، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه وتعالى ولزوم أمره واجتناب نهيه، وأن تسردوا أنفسكم، أن تعرفوا قصتكم، وعليهِ - إذا أخذنا مقولة بيجوفيتش محمل الجد- أن تعرفوا مأساتكم، وأين وضعكم الله عز وجل من العالم ومن المجتمع ومن أحبتكم وأعدائكم،
أن تعرفوا من أنتم تمامًا، قصةً منيعة تعكس نفسًا منيعة، ولا تتركوا رتابة الحياة وسيرها الثقيل يمسخكم بلا هوية/بلا قصة.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
جاري تحميل الاقتراحات...