الاختلاف في مواجهة الجدل:
تريد فلسفة دولوز التحرر الكامل من ربق الهوية وظلالها، ولا شّك أن دولوز بنقده الجذري لفلسفات الهوية إنما كان يتوّجه ضمناً لفلسفة هيغل الجدلية، فبحسب رأيه يعيق الجدل فكر الاختلاف الحقيقي عن التحقّق، بما أّنه يكتفي بتجريد الاختلاف ويعتبره تناقضًا وتضاداً،
تريد فلسفة دولوز التحرر الكامل من ربق الهوية وظلالها، ولا شّك أن دولوز بنقده الجذري لفلسفات الهوية إنما كان يتوّجه ضمناً لفلسفة هيغل الجدلية، فبحسب رأيه يعيق الجدل فكر الاختلاف الحقيقي عن التحقّق، بما أّنه يكتفي بتجريد الاختلاف ويعتبره تناقضًا وتضاداً،
فهو فكٌر يتفكر الاختلاف بوصفه سلباً «إذا كان الديالكتيك يجد عنصره النظري في التعارض والتناقض، فذلك أولاً لأّنه يعكس صورة زائفة عن الاختلاف ، دولوز احضر نيتشة في مدفع الديالكتيك ، كل شي يتوقف على دور السلبي في هذه العلاقة ، ونيتشه يقول ان موضوع القوة قوة اخرى،
لكن القوه انما تدخل بالضبط في علاقة مع قوى اخرى ، و الحياة انما تدخل في صراع مع نوع اخر من الحياة ، ان للتعددية أحيانًا مظاهر ديالكتيكية ، هي عدوها الأشد شراسة ، العدو العميق الوحيد، لقد قيل ان نيتشه لم يعرف هيغل جيدًا، ذلك بمعنى ان المرء لا يعرف خصمه جيدًا ،
لكن دولوز و فلاسفة الحدث لديهم رأي آخر ، فنيتشه حذا حذو ماركس في جعلها مرمى لسخريته ، الانسان الأسمى مضادا التصور الديالكتيكي للانسان ، فهو يعكس الاختلاف في صورة مقلوبة، إن الديالكتيك الهيغلي هو تفكير حول الاختلاف، لكّنه يقلب صورته، إثبات الاختلاف بما هو كذلك،
يحّل نفي ما يختلف، ومحّل إثبات الذات، نفي الآخر، ومحل إثبات الإثبات، نفي النفي المشهور، لكن ليس لهذا القلب من معنى لو لم تكن تنفخ فيه الحياة عملياً قوى من مصلحتها أن تفعل ذلك، إن الديالكتيك يعّبر عن كّل تراكيب القوى الإرتكاسية والعدمية، وعن تاريخ علاقاتها أو تطور تلك العلاقات،
إن التعارض الموضوع مكان الاختلاف هو مع ذلك انتصار القوى الإرتكاسية التي تجد في إرادة العدم المبدأ الذي يناسبها»إّن “عمل السلب” الذي يقوم به الجدل الهيغلي مشتغلاً بالنفي والتعارض والتناقض سيتّم استبداله عند دولوز “بالمتعة والبهجة وتأكيد الاختلاف”
وهي ما تصّر عليه فلسفة نيتشه « إّن الحلم المناهض للديالكتيك والمعادي للدين الذي يجتاز كّل فلسفة نيتشه هو منطق الإثبات المتعدد، بين الإيجابي والمتعدد، بين الإثبات والمتعدد، إّن البطل مبتهج»، أي أّنه ضربُُ من النشاط الفلسفي الإمبيريقي على طريقة هيوم،
فالبنسبة له ينبغي بناء الفلسفة بطريقة تجريبية على نسق هيوم« ليست التجريبية إطلاقاً رد فعل ضد المفاهيم، ولا هي مجّرد دعوة إلى التجربة المعيشة، إّنما تسعى على العكس من ذلك إلى إبداع المفاهيم الأكثر جنونًا والذي لم نره أو نسمع به قطّ »أي أّنها تجريبية على دروب الاختلاف والصيرورة،
ولكّنها تجريبية ينبغي أن تسبق أي تشّكل مسبق للذات، أي هي تجريبية الاختلاف قبل الهوية، فالإمبيريقية تعني لدولوز تأكيداً تجريبياً للاختلاف واحتفاء بالمتعة وتأكيد إيجابية الحياة في مواجهة الألم الناجم عن السلب،ومن البّين أن هذا التأكيد ليس نمطاً معرفياً قائماً على التجريد،
بل هو “إحساسٌ” و”تجربةٌ” و”عاطفة” « في الواقع ليس الفكر عقلاً، إنما العقل هو تأثّر الفكر، وبهذا المعنى سوف ُيقال عنه أّنه غريزة، عادة، طبيعة، ليس العقل سوى تحديد عام وهادئ للإنفعالات يقوم على رؤية من بعيد أو على انعكاس،العقل نوع من العاطفة >>
وبالتالي قدرةٌ موضوعية تسبق المعرفة في لحظات تجريديها، فالتجريد هو عملية “بعدية” كما أشار كانط من قبل إلى ذلك، إّن ما يَسم الجدل جوهرياً عند هيغل هو طابعه النظري وبقاؤه في هذا المستوى« لا يمكن أن يدهشنا أن يعمل الديالكتيك بطريقة التعارض،وتنمية التعارض، أو التناقض وحّل التناقض،
إّنه يجهل العنصر الفعلي الذي تشتق منه القوى، وصفاتها وعلاقاتها، يعرف فقط من هذا العنصر الصورة المقلوبة التي تنعكس في الأعراض المنظور إليها بصورة مجّردة»، أي هو وجود تصّوري يقوم في التمثّل، ويضيف دولوز« إّن وجود المنطق الهيغلي هو الوجود المتصَّور فقط، والخالص والفارغ، […]
إن الوجود الهيغلي هو العدم لا أكثر ولا أقلّ؛والصيرورة التي يشّكلها هذا الوجود مع العدم، أي مع نفسه، هي صيرورة عدمية تماماً»، وتلقاء هذا الضرب من الفكر النظري السالب يرجع فكر دولوز أن يكون ممارسةً قبل كّل شيء آخر،
ممارسةٌ، تحّرر الحياة من معيقاتها وظلالها البائسة ومن قوى السلب المتحّكمة فيها، ويرى دولوز، إضافةً إلى ذلك، أن فلاسفة الهوية والجدل لا يقدرون إنجاز أي شيء على مستوى الواقع؛ لأنهم يتحركون في أفاق السراب والوهم«إّن كّل الديالكتيك إذ ينظر إلى الأعراض بصورة مجّردة،
ويجعل من حركة الظاهر قانون الأشياء التعاقبي المنطقي، ولا يستبقي من المبدأ غير صورة مقلوبة، يعمل ويتحّرك في عنصر الوهم، وكيف لا تكون حلوله وهمية إذا كانت كّل مشكلاته هي بحّد ذاتها وهمية؟» تؤّكد فلسفة دولوز في جميع مفاصلها على الرابط القوي بين التأكيد والمتعة والاختلاف،
ولذلك نراه يشّدد على هذا البعد عند نيتشه « إّن نيتشه يحّل محّل العنصر النظري للنفي أو المعارضة أو التناقض، عنصر الاختلاف العملي، الذي يكون موضوع إثبات واستمتاع، بهذا المعنى إّنما توجد تجريبية نيتشوية»
ان العلاقة الجوهرية بين قوة و قوة اخرى لا تتصور بتاتًا لدى نيتشه كعنصر نافٍ ، في الجوهر ،ففي علاقة القوة التي تفرض طاعتها ، بالقوى الاخرى لا تنفي الاخرى او ما لا تكونة ، إنما تؤكد اختلافها الخاص وتستمتع بهذا الاختلاف ،ليس النافي حاضرا في الجوهر كالشيء الذي تستمد القوة نشاطها منه،
على العكس ، ان ينتج من هذا النشاط ، من وجود قوة فاعلة ومن اثبات اختلافه ، النافي هو ناتج الوجود بالذات ، ان الاختلاف هو موضوع إثبات عملي لا ينفصل عن الجوهر ومكون الوجود ،تقف (نعم) نيتشه ال ( لا) الديالكتيكية ، اثبات دون نفي ،الاختلاف في وجه التناقض الديالكتيكي ،الفرح و الاستمتاع،
في وجه العمل الديالكتيكي ،الخفة و الرقص ، في وجه الثقل الديالكتيكي … ان الشعور التجريبي بالاختلاف ، هو المحرك الجوهري للمفهوم الأكثر فعالية و الاكثر عمقًا من اي فكرة للتناقض، وتأكيد الاختلاف لا يعني عند دولوز إختلاف شيء عن شيء آخر أو شخص عن شخص آخر؛ فهذا التأكيد، على خلاف الجدل،
ليس تعارض هويات، فالأمر هنا خارج كل تعارض أو مقارنة، إنه “اختلاف باطن”، اختلاف محض وفي ذاته، أي أنني قبل أن ، أكون من أكون إنما أنا حركة اختلاف، وهذه الحركة الأصلية قائمة في الإحساس الإمبيريقي أصلا وليست أمراً ناجما عن مسار تفّكري أو تأملي، بما أن الفكر نفسه، من حيث هو كذلك،
تمثّلي وقائم على مبدأ الهوية والثبات والجدل،ويمثل دولوز على فكر الهوية بحالة يستمدها من قراءته لجدلية السيد والعبد في كتاب نيتشه جينيالوجيا الأخلاق،ولكنه يقوم بإزاحتها بطريقة شفافة مقحماً على فكرة الهوية أحساس الاختلاف،فالسيد يؤّكد نفسه بوصفه طيباً ومن ثم يعّرف العبد بوصفه سيئًا،
والمهّم هنا هو أّنه لا يتعّين في البدء في مواجهة الآخر، أي العبد، إّنه يؤّكد نفسه أولاً “فأنا طيب” و”استمتع بنفسي على هذا النحو”، أي أّنه لا يفّكر في البداية بشكل مفهومي أو تمثّلي فهو ينطلق من إحساس واقعي بالاختلاف، ولكنه في مرحلة ثانية فقط يحدد العبد بوصفه “ليس أنا” وبالتالي
“هو سيئ”فالهوية والسلب ،هنا هما استنباط لاحق، والسيئ هو من كان ليس طيباً، وفي الجهة المقابلة ينطلق العبد منذ البدء بالسلب أي بتعيين الأخر وتحميله مسؤلية العذاب والألم، فهو يتصّور الألم منذ البدء بطريقة سلبية ويرى أّن الآخرين هم السبب،
علينا ان نسأل ماذا يريد عالم الديالكتيك بحد ذاته ؟ ماذا تريد الإرادة التي تريد الديالكتيك ؟ إن قوة منهكة ليست لها قوة إثبات اختلافها ، قوى لم تعد تفعل ، بل ترد القوى التي تسيطر عليها ، وحدها قوة من هذا النوع تجعل العنصر النافي ينتقل الى الواجهة في علاقتها بالآخر ،
انها تنفي ما لا تكونه ، وتجعل من هذا النفي جوهرها الخاص بها و مبدأ وجودها ، ( في حين تولد الاخلاق الارستقراطية ممن إثبات ظافري لذاتها ، تكون أخلاق العبيد منذ البدء كلمة لا لما يكون جزء من ذاتها ، لم يختلف عنها ، لما يكون لا – انا وهذه اللا هي فعلها المبدع)
هكذا يقدم نيتشة الديالكتيك على انه ( تأمل العامة ، وطريقة تفكير العبيد ) ، من يطبع العلاقة الديالكتيكية ؟ انه العبد ، ان الوجه الديالكتيكي المشهور للعلاقة سيد – عبد ، يتوقف في الواقع على التالي : ان القدرة متصور فيها ، لا كارادة قوة،
بل كتمثل للقدرة ، كتمثل للتفوق ، كاعتراف من (هذا) بتفوق (ذاك) ، ماتريده الإرادات لدى هيغل ، انما فرض الاعتراف بمقدرتها ، بتمثل مقدرتها ، وهذا لدى نيتشه صورة يقدمها العبد ، انسان الاضطغان عن القوه ، ان العبد لا يتصور القدرة كموضوع للاعتراف،
كمادة للتمثل،اذا كانت علاقة السيد بالعبد تستعير بسهولة الشكل الديالكتيكي ، الى حد ما صارت نموذجا مثاليا او صورة مدرسية لكل هيغلي شاب ، فذلك لان صورة السيد التي يقترحها علينا هيغل ، هي منذ البدء ، صورة صنعها العبد ، صورة تمثل العبد،
ان العبد هو الذي يظهر دائما من تحت الصورة السيد الهيغلية،وقد ذهب نيتشه أبعد من ذلك حين أعتبر أن أصل اللغة قائم في هذه العلاقة «إن حّق الأسياد في أعطاء الأسماء إننا يتّسع إلى حد أّنه قد يجوز للمرء أن يعّين أصل اللغة ذاتها بوصفه تجلّيا لقدرة أصحاب السيادة هم يقولون:هذا هو كذا وكذا،
وهم يختمون على كّل شيء وعلى كّل حدث بنبرة ما وبذلك هم يأخذونه بوجه ما في حوزتهم» مايعني أن فلسفة دولوز تنحو في بعدها الأنطولوجي أن تكون فلسفة تارجيدية بالمعنى النيتشوي ذاته،فقد استعاد دولوز مفهوم التارجيديا النيتشوي ليؤكد على إيجابية الحياة،
ويبّين التشويه الذي لحق به نتيجة للتصوارت الجدلية التي تربطه بالألم والنفي، فكّل اختلاف يتصّور بوصفه مبعثاً على الإحساس بالألم، وعلى هذا النحو يتّم تصّور الصيرورة والتعّدد والصدفة بوصفها كذلك، فواقعة أّن الحياة هي تعّدٌد وانقسام وتشتت، وخاضعة لنير الزمان وصروفه،
وعرضةٌ للعارض والعابر والجائز،إّنما هي أمور يتّم تصورها بوصفها أشياء مؤلمة، والألم ُينظر إليه على الدوام بوصفه شيئاً سيئاً وما كان ينبغي أن يحدث،ولا شك أّن إيجابية الحياة تعني عند دولوز الذي يطّور هذه الفكرة عن سبينواز أن نقبل الألم الذي تحتويه فهو جزء من الحياة نفسها،
وبعٌد من أبعادها، ولا ينبغي البحث بطريقة جدلية لتجاوز الألم والغاءه تفكرياً ولكن ينبغي التأكيد على وجوده واقعياً وفي هذا يقول دولوز « إن انعدام معنى الألم، وليس الألم بالذات، هو اللعنة التي نزلت بثقلها على البشرية حتّى أيامنا هذه»،و ارادة الحياة لا يعني تحّملها بوصفها عبئاً،
واّنما أيضاً الرغبة فيها من حيث هي كذلك، « إّن نيتشه هو الوحيد الذي لا يتأّوه بسبب إكتشاف الإرادة، ولا يحاول تجّنب أثرها أو الحّد منه […] إّنها فكر يثّبت الحياة والإرادة في الحياة […] ولا الحياة تشعر بذاتها مذنبة لكونها موجودة»، ومن هنا السؤال: من أين يأتي الألم في الحياة؟
ما يكشف عن أّن إيجابية الحياة عند دولوز تعني أن نقبل الألم الذي تحتويه بوصفه جزءاً من الحياة نفسها وبعداً من أبعادها، ولا ينبغي البحث بطريقة جدلية لتجاوزه والغاءه تفكرياً ولكن ينبغي التأكيد على وجوده واقعياً، و إرادة الحياة لا تعني تحّملها بوصفها عبئاً واّنما أيضاً الرغبة فيها،
من حيث هي كذلك، وهو ما يقتضي التساؤل عن مصدر الألم في الحياة؟ وهل ثمة من معنى للوجود مع ذلك؟ يقول دولوز في هذا: « ليس الألم حجه ضّد الحياة، بل هو على العكس محّرض الحياة، “طعم للحياة”، حجه لصالحها،إن رؤية الألم أو حتّى إن ازل الألم هو بنية للحياة كحياة فاعلة،تجّل فاعل للحياة»،
لقد كانت الإجابة التاريخية والفكرية المعتادة عن هذا الأمر كالتالي: إّن المصدر العميق والبعيد للألم هو الصيرورة والكثرة والتحّول والصدفة والفوضى، أي كّل تلك الوجوه المكّونة للاختلاف، فالصيرورة تأتي على من نحب وعلينا أيضاً، والكثرة تجعلنا نشعر بالعزلة المؤلمة،
والصدفة هي مبعث لكل طارئ مضني ومكّدر، إلخ، وهذا ما يلخّصه دولوز على نحو طريف: « هذا الخوف من السعادة ومن الجمال، هذه الرغبة في الهرب من كّل ما هو ظاهر، وتبّدل، وصيرورة، وموت، وجهد، وحتّى رغبة؛ كّل هذا يعني، إذا تجرأنا على أن نفهمه، إرادة إعدام، عداء للحياة،
رفضا للتسليم بشروط الحياة الأساسية»، وهذا ما يحفز فكر الهوية ليتحدث باسم الكينونة وينفي الاختلاف فيها ، و يؤسس لمملكة الواحد والثابت والأبدي، وهو ما يخلص إليه أدريان بار احد الشارحين الكبار لفلسفة ، دولوز « تعمل الهوية بعمق لتحجب الاختلافات المحضة،
وهي تعمل على هذا النحو بفعل هيمنة مبدأ التمثّل في تاريخ الفلسفة،فالموضوعات والذوات والملكات والأحاسيس والمثل والأفكار هي موضوعات للتمثّل» والتمثّل هو دومًا صور الفكر التي لا تستطيع تمثّل الموضوعات إلا بوصفها هويات وبذلك تحجب الاختلافات.
@rattibha رتبها بسرعه
جاري تحميل الاقتراحات...