🇸🇦خالد بن عبدالرزاق آل كمال
🇸🇦خالد بن عبدالرزاق آل كمال

@Khalid_Al_Kamal

17 تغريدة 4 قراءة Oct 27, 2022
1
المثقفون والعوام.. مَنْ يقود مَنْ؟
من أهم خصائص زماننا هذا أنه عصر الصورة بكل دلالاتها الواسعة والمتعددة،
صورة الإنسان، وتصور الإنسان عنه، والهالة التى يرسمها لنفسه عند الآخرين، والمكانة الاجتماعية الحقيقية، او المتوهمة التى يحرص على أن يرسخها فى أذهان الجماهير.
2
الصورة والتصور بالدلالات المادية والمعنوية هما عنوان هذا العصر،
وأهم ثروات البشر فيه، ويكفى ان نتابع ما تصنعه الصورة على موقع اليوتيوب من ثروات طائلة لبشر لا يضيفون شيئا لحياة البشر، إلا أنهم يستعرضون حياتهم بكل ما فيها من خصوصيات لا تقدم خبرة ولا تجربة ولا فائدة، بل على العكس
3
قد تمثل خصما قيميا من حياة كل من يتأثر بهم. الصورة قوة معنوية لم تعد تنافسها قوة الفكرة أو الحقيقة فى ذاتها، لأن الحقيقة لم تعد لها قيمة إلا من خلال الصورة التى تصنع عنها فى الأذهان، لذلك أصبح هذا العصر يعرف بعصر ما بعد الحقيقة،
4
حيث تصورات البشر عن الحقائق أهم من الحقائق ذاتها، وهذه التصورات تصنعها الصورة.
هذا العصر الذى شكلته وسائل التواصل الاجتماعى، وصناعة الصورة اصبح الوجود الافتراضى على شبكة الإنترنت بكل وسائلها أهم بكثير من الوجود الحقيقى فى المجتمع البشرى،
5
لذلك انشغل الكثير من أعضاء طبقة المثقفين بمعناها الواسع بصناعة الصورة، والحصول على الحظوة والمكانة عند المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعى المتنوعة، وهؤلاء يغلب عليهم طابع العوام والدهماء والسوقة والرعاع، فكل من استطاع الكتابة صار رقما محسوبا فى هذه الشبكة العنكبوتية،
6
وصار رأيه يقارع رأى أعظم الخبراء الذين أفنوا أعمارهم فى تحصيل العلم، ولكن طبيعة هذه الوسائل أنها تجعل من لا قيمة لرأيه فى قريته، أو بين جيرانه رقما مهما يسعى المشغولون بصناعة صورتهم، وتصور الناس عنهم الى نيل رضاه والحظوة عنده. لذلك انقلبت العلاقة بين المثقف والعامى،
7
أو بين طبقة المثقفين وبين العوام، حيث صار العوام أكثر قوة من المثقفين المشغولين بصناعة صورتهم، وتصورات الناس عنهم، لأن العوام هم المتابعون والمصفقون للمثقف، هم من يستحسن أفكاره وآراءه، أو يستقبحها، هم من يعطى القيمة الرقمية والكمية لوجوده، ودونهم يفقد هذا الوجود قيمته من خلال
8
تضاؤل عدد المتابعين، ومن ثم تضاؤل الوجود فى العالم الافتراضى الذى يمثل للأسف الوجود الحقيقى فى هذا الزمن.
انقلاب العلاقة بين المثقفين والعوام، جعلت المثقف أسيرا عند العوام، أو سجينا فى كهوف العوام، فأصبح لا يستطيع إلا أن يكون حيث يريده العوام من متابعيه،
9
ولا يستطيع أن يقول إلا ما يرضى العوام، وبذلك فقد تدريجيا دوره القيادى فى تشكيل رأى العوام، أو الرأى العام للجماهير، وصار يتحسس ما يرضى العوام وينظر فيه، ويبدى من الآراء، ويسوق الأدلة التى تؤكد الرأى الذى يستحسنه العوام، فإذا كان العوام يريدون من الدولة أن تنفق كل مواردها على
10
دعم السلع الاستهلاكية، وليس على الاستثمار فى المشروعات القومية التى تؤمن مستقبل المجتمع، وتحفظ وجود الدولة وقوتها، وتوفر حياة كريمة للأجيال القادمة، فإن المثقف لا يستطيع أن يصدم العوام، ويسير عكس ما يريدون من مزيد من السلع بأسعار رخيصة.
11
وإذا كان العوام قد تعودوا على نموذج الدولة الأمومية التى تعلم وتشغل، وتؤمن وظائف لجيوش من الخريجين قليلى المهارة، محدودى الطموح والكفاءة، فإن المثقف لم يعد قادرا على أن يصدمهم بأن هذا الزمن قد ولى، وأن العالم المعاصر لا مكان فيه لمن يؤمن بالوظيفة الدائمة، وإنما هو فضاء مفتوح
12
للتنافس بين المهارات والقدرات والطموحات، لذلك على الإنسان أن يظل متعلما بصورة دائمة، وأن يحرص على أن يزداد خبرة بصورة مستمرة، لأن الوظيفة ليست دائمة، وإنما هو يبذل جهدا للحفاظ عليها، أو الحصول على أفضل منها.
لقد ساهمت الطريقة التى تمت بها انتفاضات الربيع العربى المشئوم،
13
وكيف كان لوسائل التواصل الاجتماعى دور محورى فى صناعتها، وكذلك الدور الأكبر فى صناعة الناشطين فيها، الذين استثمروا هذا الدور فى تحقيق المكانة الاجتماعية والسياسية، التى تحولت بدورها الى مكانة اقتصادية نقلت أولئك الناشطين من موقع طبقى الى موقع أعلى بكثير، وتحولوا الى نجوم من
14
خلال الصورة التى رسمتها لهم وسائل التواصل الاجتماعي. هذه التجربة فرضت على المثقف موقعا ودورا اصبح مرتهنا فيه، وسجينا بين جدرانه، وهو موقع المعارضة للدول والحكومات، وصار المثقف لكى يكون مثقفا حقيقيا فلابد أن يكون معارضا لكل شيء، وأن يبحث بصورة دائمة عن مواطن القصور،
15
ومواقع النقص والخلل، وفقد دوره فى قيادة عمليات التنمية والنهوض الاجتماعى، وفقد دوره كحارس لوجود الدولة، واستمرارها وقوتها، وكرائد للمجتمع يقوده الى حيث مصادر قوته، ومواطن أمنه واستقراره، وصار للأسف رهينا للحظة تاريخية لها ظروفها وملابساتها التى أدت الى انفجار الأوضاع
16
الاجتماعية والسياسية فى العديد من الدول العربية.
ارتهان المثقف فى موقع المعارضة أفقده دوره القيادى، وجعله أسيرا لرغبات العوام من المتابعين وصناع الصورة. المثقف ينبغى أن يكون معارضا حين تكون المعارضة واجبة للحفاظ على المجتمع ،
17
وينبغى أن يكون مؤيدا وداعما حين يكون ذلك ضروريا للعبور بسفينة الوطن نحو المستقبل.
د. نصر محمد عارف
انتهى
من قراءة اليوم
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...