🇪🇬احمد دهب 🇪🇬
🇪🇬احمد دهب 🇪🇬

@E1u2TRdeDEfiYlM

68 تغريدة 4 قراءة Oct 13, 2022
الملفات المسكوت عنها
ملف الأستاذ هيكل بين المصداقية والموضوعية
رابعا: تغيير الراى والرؤى دون الاعتراف بالخطأ
من الغرائب ان الأستاذ هيكل قدم رؤيتين مختلفتين له عن حرب 67 ففى كتابه الكبير (الأنفجار) الذى صدر عام 1990 خرج بنتيجة ان حرب يونيو 67 ماهى الا مؤامرة دولية
يتبع
بدأ التحضير لها بعد تولى الرئيس الامريكى جونسون للسلطة وتحديدا منذ عام 1964 وان عبد الناصر تلقى تحذيرات بخصوص هذا الامر من عدة شخصيات دولية وان دور الحكومة الامريكية فى حرب 67 يماثل تقريبا دور الحكومتين البريطانية والفرنسية فى حرب 56 ولكن بصورة اكثر احترافية لاتترك اثر
ولم يستند هيكل فى هذه الرؤية الى ادلة قوية بل مجرد قرائن واستنتاجات لأثبات نوايا وسياسات امريكاويعتمد هيكل بشكل رئيسى فى رؤيته على مايسميه (التحقيق الذى اجراه وليم مويرز المستشار الخاص للرئيس جونسون عن موضوع الحكومة الخفية فى الولايات المتحدة) وهو ماذكره فى كتاب الانفجار صفحة 102
وكان مويرز فى الحقيقة السكرتير الصحفى لجونسون من 1965 الى 1967 والتحقيق الذى يشير اليه هيكل ليس تحقيقا قضائيا بل كتاب اصدره مويرز فى عام 1988 بناء على فيلم تسجيلى اشرف عليه لصالح القناة العامة الممولة من الحكومة (بى بى اس) فى عام 1987 وهكذا فبداية مويرز مجرد سكرتير صحفى
وليس مستشارا خاصا كما ذكر هيكل والتحقيقات التى اجراها هى تحقيقات صحفية وليست قضائية كما يوحى هيكل
الوثائق والكتب المنشورة تشير الى ان خطط غزو سوريا والحشود الاسرائيلية المزعومة على حدودها وفقا للتقرير السوفيتى لم تكن حقيقية او دقيقة فلم يكن لدى اسرائيل سوى خطط طوارىء بديلة
وهى خطط تعد لها كل المؤسسات والجيوش والشركات الحديثة لمواجهة الاحتمالات المختلفة والى اوائل سنة 1967 لم يكن لدى اسرائيل خطط هجومية حقيقية فى تلك الفترة بل كان قطاع واسع من سياسييها خصوصا من الحرس القديم بقيادة بن جوريون يسعى بقوة لتفادى اى مواجهة مع مصر
ويظهر ذلك واضحا فى احاديثه مع رئيس اركان الجيش الاسرائيلى اسحق رابين حتى قبل حرب يونيو بأيام وفقا للمصادر الاسرائيلية التى يعرضها مايكل اورين فى كتابه عن حرب يونيو
والاكثر من ذلك ان هيكل نفسه قدم فى نفس كتابه (الانفجار) عدة وثائق سلبية تعارض الفرضيات التى تبناها طوال الكتاب
بوجود تواطؤ مسبق منذ شهور بين الولايات المتحدة واسرائيل لأطلاق يدها نحو مصر ومنها مثلا مذكرة من وزير الخارجية الامريكى الى الرئيس جونسون بتاريخ 17 مايو 1967 لأرسال رسالة ضبط نفس لرئيس الوزراء الاسرائيلى ورسالة من جونسون نفسه لأسرائيل تجدد تعهدات الدفاع عن اسرائيل
فى حال حدوث عدوان عليها وانه مازال يبحث اصدار بيان لتأييد موقف اسرائيل ورسالة ثالثة من مستشار الامن القومى الامريكى الى جونسون لمحاولة حل المشكلة عن طريق اقناع المشير عامر بزيارة الولايات المتحدة وعقد لقاءات هناك من اجل حل الازمة وينقل قول رئيس الوزراء الاسرائيلى الى جنرالاته
يوم 25 مايو بأنه يؤجل الحرب لأنه لايستطيع ان يبدأ الا اذا ضمن تأييد الولايات المتحدة ورئيسها ويعتقد ان الموقف سيتضح خلال ساعات وهذا كله يعارض الفرضيات التى بناها هيكل فى كتابه
نأتى الآن للرؤية الثانية او الجديدة المختلفة التى تبناها هيكل ونشرها فى كتابه سنة 2001
(كلام فى السياسة عالم من الازمات) وموجودة فى فصل بعنوان (مأزق اسرائيل التاريخى من واقع ملفاتها السرية) ففى ذلك الفصل قدم هيكل جملة لمدير المخابرات العسكرية الاسرائيلية اهارون ياريف وهى ان العمل الاسرائيلى العسكرى المنتظر يجب ان يكون فى الشام بطريقة الصيد بالشبكة لايسيل دما
ويجب ان يكون مع مصر بطريقة الصيد بالرمح المقذوف يقتل اويجرح ثم افترض هيكل ان هذه الجملة تمثل السياسة الاسرائيلية ثم افترض تاليا دون الاستناد الى اى وثيقة اسرائيلية اوغيرها ان التصعيد الاسرائيلى امام سوريا فى مايو 67 كان طعما لأصطياد مصر
ثم عندما خالفت الوثائق الاسرائيلية هذا الافتراض واثبتت حيرة الاسرائيليين حتى يوم 17 مايو ارجعها هيكل الى التردد الانسانى فى تنفيذ ماتم اقراره ثم قدم فرضية جديدة فى هذا الكتاب وهى ان طلعات استطلاعية مصرية فوق النقب حيث مفاعل ديمونة قد ارعبت الاسرائيليين
وكانت سببا فى حسم قرارهم بالحرب ويقدم بعدها الحوار الذى دار بين ديفيد بن جوريون الاب الروحى لأسرائيل ورئيس الاركان رابين يوم 24 مايو وفيه بن جوريون يعاتب رابين بشدة على هذا التصعيد غير المبرر ويعتذر رابين بأن عبدالناصر ينوى الهجوم على ديمونة وزاد سخط بن جوريون عندما سأل رابين :
" هل الامريكان معكم بالكامل فى خططكم؟" فأجابه :" لااستطيع ان اقول (بالكامل) لكنهم معنا (تقريبا) " فاستشاط بن جوريون غضبا وقال :" ليس هناك فى الحرب شىء اسمه (تقريبا) ليس فيما يتعلق بمستقبل اسرائيل شىء اسمه تقريبا " ثم ينتقل هيكل الى الموقف الامريكى فنجد ان الرئيس الامريكى
رغم انحيازه المعروف لأسرائيل طلب حفاظا على المصالح الامريكية بالمنطقة تأجيل اى عمل عسكرى لحين استنفاذ جميع الوسائل السلمية وطلب عدة اسابيع بل وحذر الاسرائيليين ان اى تحرك احادى من جانبهم سيكون على مسئوليتهم ولم يعطى الضوء الاخضر لأسرائيل الا يوم 30 مايو
فى حين كان هيكل نفسه يكتب قبلها عن ضرب اسرائيل ويكتب لماذا اصبح الصراع بالسلاح حتميا والضوء الاخضر المقصود لاعلاقة له بمشاركة امريكية فى القتال فهو لم يحدث وانما فقط بضمان مواجهة ردود الفعل السوفيتية وبالتالى لن تقع اسرائيل تحت وطأة ضغوط امريكية او انذار سوفيتى مهين
لأجبارها على الانسحاب كما حدث عام 1956
وهذا الكلام ينسف الرؤية السابقة عن نظرية التواطؤ المسبق الامريكى الاسرائيلى التى قدمها هيكل فى كتابه (الانفجار) الذى اراد ان يهون الهزيمة بأرجاعها الى هذا التواطؤ المسبق وهى نظرية مبنية على اقوال مرسلة وضعت على السنة رجال قابلوا عبدالناصر
وجميعهم ماتوا او كانوا فى حالة سيئة من المرض وقت نشر هذا الكتاب مثل ذو الفقار على بوتو رئيس وزراء باكستان او يوجين بلاك مدير البنك الدولى الاسبق وحتى لو كان كلامهم حقيقى فهى لاتزيد عن انها آراء او تكهنات لاتصمد امام الوثائق والمراجع التى تؤكد ان القرار الاسرائيلى ذاته
ناهيك عن الموقف الامريكى لم يتم حسمه الا متأخرا جدا واستجابة للتصعيد المصرى غير المدروس للأسف الشديد الذى جعل لجوء اسرائيل للسلاح باعتراف هيكل نفسه حسب كتاباته وقتها امرا حتميا وليس اختياريا
وهذا يدل على انه حتى اضخم مؤلفات هيكل التى بنيت من الظاهر على التوثيق
هى فى الوقائع لاتنبنى على التوثيق وانما على افتراضات وتوجيهات منطقية ولغوية معينة يوجه من خلالها القارىء الى النتائج التى يريدها وعندما قام بشبه مراجعة فكرية لما جاء فى كتابه (الانفجار) عبر كتابه (كلام فى السياسة) فانه لم يشير لها على انها مراجعة ولاالى ماتغير بين الفرضيات
فى الكتابين وحتى فى المراجعة التى قام بها يظل متمسكا لفظيا بما تنفيه الوثائق اولا تثبته
تتأثر كتابات الاستاذ هيكل كثيرا بالعلاقات الشخصية وتغيرها او التحالفات السياسية وتبدلها فيختلف تناوله للواقعة التاريخية ذاتها تبعا لتلك التغيرات فعلى سبيل المثال :
فى مقاله بالأهرام يوم 28 مايو 1971 والمعنون (السؤال الاول والأكبر) يكتب هيكل عن مراكز القوى وصراع السادات معهم واصفا اياهم بسلاطين الظلام وقوى الطغيان والجهل لكنه بعد خلافه مع السادات وخروجه من الاهرام يقول فى كتاب اصدره فؤاد مطر بعنوان بصراحة عن عبد الناصر حوار مع هيكل
ان على صبرى رجل وطنى اخطأ فى التحليل ولكنه اشرف كرئيس للوزراء على تنفيذ خطة التنمية الاولى بنجاح وانه كان من اقرب معاونى جمال عبد الناصر ثم اختلف مع الرئيس السادات واتبع اسلوبا اعتبره خاطئا فهذه مسألة اخرى ولاتلغى كفاءة الرجل ولاتلقى ظلالاعلى دوره الوطنى
ثم يكتب بعدها فى خريف الغضب انه كان صراعا على السلطة بين السادات وبين من اطلق عليهم اسم مراكز القوى والمأساة ان هيكل نفسه بذاته هو اول من اطلق عليهم هذا الوصف زائد ماسبق من اوصاف
هيكل والسلطة
علاقة هيكل مع السلطة كانت فى نظر هيكل مهمة جدا فيقول فى حواره مع يوسف القعيد
ان المثقف ضعيف ويحتاج للسلطة لأنه هش ويحتاج للرعاية وايضا مهنة الصحافة تنادى هيكل ليقترب من السلطة حيث الاخبار والانفرادات والطموح يدعو هيكل ليكون قريبا من السلطة حيث النفوذ المعنوى الذى يترجم لقيمة داخلية وخارجية
كان هيكل مؤيدا فى العصر الملكى وفى فترة حكم الرئيس نجيب
والعهد الناصرى ومعارضا فى منتصف عصر السادات وعصرمبارك ولكن الملحوظة الواضحة انه فى فترات المعارضة كانت معارضته تحمل شجاعة الموقف ولكنها فى الوقت نفسه تحمل الاحترام لما اسماه مقام الرئاسة فكانت لغته دائما تحافظ على شعرة معاوية مع النظام القائم حتى اذا رحل هذا العهد
الذى كان يعارضه يحدث اختلاف تام وتصبح كتابات هيكل اكثر شراسة بعد سقوط مقام الرئاسة
عندما بدأ هيكل تدريبه فى الايجيبشيان جازيت باعتباره مساعد مخبرصحفى فى قسم الحوادث كان اول موضوع اسند اليه عن الدعارة وذلك وقت ان اصدر وزير الشئون الاجتماعية وقتها قرارا بألغاء البغاء (الدعارة)
لمنع تفشى الامراض السرية سنة 1942 وتم تكليف هيكل بزيارة حى البغاء الشهير واستقصاء رأى العاملات بهذة المهنة فى هذا القرار وهو مارواه هيكل فى برنامج قصة حياته على قناة الجزيرة فيروى تفاصيل هذا التحقيق الاول وكيف انه وجد حرجا كبيرا وفشلا ذريعا يوما بعد يوم فى ان يجد من تتحدث معه
حتى كاد ان ييأس الى ان رأته معلمة الحى فقررت مساعدته فأرسلت شخص مر على الفتيات البغايا وحصل منهن على المعلومات المطلوبة واعطاها للمعلمة التى ناولتها لهيكل وهو جالسا بجوارها يحتسى الشاى على حد وصفه ويبدو ان الاستاذ هيكل قد تعلم درسا مهما من اول تحقيق
وهو ان كثيرا من الخطوات والمصاعب يمكن اختصارها اذا كان بجواره مسئول يدعمه ولعل هذا ماجعله دائما مشدود الرأس ومتطلعا الى جوار السلطة حيث منبع الاخبار والنفوذ
ففى العام التالى عندما انتقل هيكل للصحافة العربية فى روز اليوسف كانت بدايات مقالاته العربية مدائح ملكية مبالغة
وكانت اول كلمة عربية فى مقاله وهى العنوان (مولاى) وكانت مقالة كتبها فى معرض التعليق على دعوة الملك للخمسة الاوائل من خريجى المعاهد الدراسية لتناول الشاى معه فى قصر عابدين فيكتب تحت عنوان "مولاى"
والمقال كله مديح ومبالغات فهو يتحدث عن احساس هؤلاء الشباب
عند تلقيهم الدعوة الملكية الكريمة وعن مشاعرهم ويتخيل نفسه واحدا منهم وانه وقتها كان سيشعر بعواطف جديدة لم يعرفها من قبل هى مزيج من الفرحة والابتهاج والفخر والشعور بالعزة ويقول انه قابل بعض هؤلاء الشباب بعد لقائهم الملك وهم شاب وفتاة وسألهم عن مشاعرهم ويقول ان الشاب صمت
وكان صمته ابلغ من الكلام اما الفتاة فكان جوابها البليغ هى دموع حائرة فى عينيها ويقول انه ليس بأمكان احد ان يصور كم يحبك هؤلاء الشباب يامولاى ويؤمنون بك وبرسالتك فى سبيل المجد الجديد
بعد هذا المقال البليغ تبعه مقال ثانى بعد عودة الملك من رحلة الى كفر الدوار
وفى المقال يقول انه لم يجد وصفا واحدا فى الجرائد يمكن ان يصور ويصف عودة الملك الى العاصمة وهذا ليس ذنب الصحفيين ولكن الحقيقة ان ماحدث كان اكبر وأجل من ان تستطيع الكلمات وصفه
(بالمناسبة كل هذه المقالات فى ارشيف روز اليوسف سنة 1943)
ثم يكتب تعليقا على زيارة الملك للصعيد والتى صادفت عيد ميلاده مقالا بعنوان (انه الفاروق) بتاريخ 17 فبراير سنة 1944 فيقول " ذهب الملك ذهب الى شعبه الذى هتف له من اعماق قلبه : يعيش فاروق منقذ الصعيد يعيش فاروق حبيب الفلاح يعيش فاروق نصير الفقراء ...زيارتك شفتنا يامولانا
اننا فى حلم يامولانا هذه ليلة القدر هذه الزيارة بعثت فينا الحياة نريد ان نقبل يدك ...رفعت راسنا وشرفت مقدارنا وقال الملك : بل انا منكم وهتفوا له : فاروق فاروق فاروق اجل انه الفاروق"
ويكتب فى عيد جلوس الملك مقال بعنوان :" فى يوم عيدك يامولاى" يقول فيه :
" هذه هى الذكرى الثامنة لجلوسك يامولاى على عرش مصر..... ثمان سنوات وانت تحمل مسئولية هذا الوطن وهذا الشعب كنت فيها نعم الملك الدستورى فى ظروف لعلها ادق مامر بها فى تاريخ حياتها ....ثمان سنوات وأنت تعمل لهذا الشعب وتخلص له وهو يعمل معك ويخلص لك وستظلان معًا إلى الأبد،
وهذه مصر كلها تحتفل بعيد ملكك، مصر من أقصاها إلى أقصاها، أفرادًا وجماعات، أحزابًا وهيئات، ولم تجد مصر ما تحيي به هذا العيد سوى الهتاف باسمك والدعاء لك. يامولاى " هذا المقال له صورة منشورة هنا
وكثير مثل هذا ولذلك حصل فاروق على جائزة الملك فاروق الصحفية 3 سنوات متتالية
واضطر ان لايتقدم لها للمرة الرابعة حتى يفوز غيره
وعندما سقط فاروق كان قلم هيكل من اكثر الاقلام التى انهالت عليه واتهمته بكل الموبقات من السفه للفساد للخيانة وكل مايخطر على البال
الامر ذاته تكرر مع الرئيس السادات على نحو اصرح ثم هاجمه بمنتهى الشراسة والدناءة بعد وفاته
فرغم مواقف هيكل المعارضة المعلنة للسادات يعد خروجه من الاهرم سنة 1974 فأنه حرص على الاحتفاظ بشعرة معاوية معه حتى انه قال عن تلك العلاقة ومدى حرصه عليها فى كتابه (الحل والحرب) الصادر سنة 1988 :
" اشهد ان الرئيس السادات قبل قرار خروجى من الاهرام قام بتخييرى متفضلا وكريما بين دخول الوزارة او العمل كمستشارصحفى له فى ديوان رئيس الجمهورية ولكنى رجوته فى قبول اعتذارى ومع ذلك فأنه مبالغة فى فضله وكرمه اراد ابقاء الباب مفتوحا بعد خروجى من الاهرام
فأصدر توجيها بتعيينى مستشارا صحفيا له ورجوته ملحا فى اعفائى لكى اتفرغ للكتابة واحزننى فى تلك الفترة ان الظروف باعدت بيننا لعدة اشهر ثم اسعدتنى الظروف بعد ذلك بالعودة الى قرب الرئيس السادات لفترة استمرت مابين نهاية سنة 1974 الى صيف سنة 1975 وفى هذه الفترة عدت مؤتمنا على فكره
ولعلى اقول انى كنت اول انسان فى مصر ائتمنه الرئيس الساداتن على قراره بأعادة فتح قناة السويس بعد فشل محادثات كيسنجر فى اسوان فى مارس 1975وفى هذه الفترة عرض علىّ الرئيس السادات عدة مناصب بينها منصب نائب رئيس الوزراء للأعلام ومنصب مدير مكتب رئيس الجمهورية وبكل العرفان بالفضل
لصاحب الفضل فأننى رجوت الرئيس فى اعفائى لأتفرغ للكتابة مع سعادتى الغامرة اذا اذن لى ان اكون فى خدمته فى مكان ومكانة الصديق وهذاهو نص ماطلبت وحدث بعد ذلك ان ابدى الرئيس عدم رضاه عن بعض مانشرته فى كتابى (الطريق الى رمضان)مع انى اعتقد ان هذا الكتاب من خيرماكتب من وجهة النظر العربية
عن حرب اكتوبر وهكذا ساءت الامور دون قصد منى بل على عكس كل مقاصدى " والكتاب كان تجميع لمقالات كتبها هيكل بعد خروجه من الاهرام
وصل الامر ان الاستاذ هيكل قال فى لقاء صحفى سنة 1980 انه ليس معارضا للسادات ثم امتنع عن كتابة اى مقالات فى الصحف العربية منذ اوائل عام 1980
وحتى اعتقاله فى سبتمبر 1981 مع مئات المعارضين حتى خرجوا جميعا بعد اغتيال السادات فكتب ماكتب بعدها ساخرا من اصله ولونه وطاعنا حتى فى اسمه وقال وقتها بالحرف "ليس فى خريف الغضب شىء لم اقله عن السادات فى حياته نعم توسعت وهذا طبيعى لأن ظاهرة السادات السياسية اكتملت فصولها بحادث المنصة
فكان طبيعيا ان نردها الى اصولها وتفسيرها ليفمها الناس " وهذا لم يكن صحيحا بالمرة فهيكل لم يقل شيئا عن السادات فى حياته كما اوردنا بل كان يعارض سياساته بمنتهى الاحترام لمقام الرئاسة بل رفض ان يتم تصنيفه معارضا ولم يتعرض ابدا لصفات السادات واصله ولونه وعقدته النفسية وزوجته
وعلاقاته الخارجية المشبوهة كما ادعى وانه وصل بالصدفة الى غير ذلك مما جاء فى خريف الغضب
وكان الدكتور فؤاد زكريا قد اصدر كتاب ردا على خريف الغضب واسماه (كم عمر الغضب) متعجبا مما كتبه هيكل ونقده نقدا لاذعا ومما ذكره فيه " يذكر لنا الاستاذ هيكل ان نقده للسادات بدأ اثناء حياته
وهذا صحيح ولكن ليقل لنا الاستاذ هيكل بصراحة لو كان السادات مازال حيا هل كان يستطيع ان يكلمنا الاستاذ هيكل عن " ست البرين" وعن " المجعراتى المتسول" وكأس الفودكا الذى يؤخذ بعد كل غداء ؟ "
الانتقائية والاختزال :
عند تعرض الاستاذ هيكل للمواضيع المعقدة التى تحمل نقدا لعصر يدافع عنه
او على العكس يريد ان يوجه سهام نقده لعهد يخاصمه فأنه يلجأ احيانا لأمثلة محدودة يقدمها فى صورة العموم لدعم حجته وهذا يظهر بكثافة فى كتابه الشهير (لمصر لالعبدالناصر)
فعند الحديث عن حرية الصحافة يستعرض حالة احمد ومحود ابوالفتح وان ازمة جريدتهم جريدة المصرى بسبب امور شخصية
وهكذا اختزلت ازمة الصحافة فى حالة واحدة كذلك اختزل موضوع التعذيب فى السجون المصرية فى العهد الناصرى فى حالة المرحوم شهدى عطية القيادى الشيوعى العالمى الذى مات من التعذيب واوضح ان عبدالناصر غضب بشدة وعاقب مدير مصلحة السجون للتقاعد ولم يوقف التعذيب الذى عانى منه الجميع الوفديون
والشيوعيون وليس الاخوان فقط واختزل موضوع الفصل التعسفى فى ذلك العهد فى حالتين محددتين وكان لكل حالة منهما مبرر مقنع كأن هاتان الحالتان فقط هما من تم ابعادهما وفصلهما تعسفيا
فى تناوله للضربة العسكرية التى وجهها السادات لنظام القذافى فى يوليو 1977 تجاهل هيكل اسبابها ومقدماتها
والاعتداءات التى حدثت على على المصريين ودفعت السادات لذلك واكتفى بالكلام عن طبيب جراح مصرى دمعت عيناه وهم يعالج حالات تسبب فيها قصف الطيران المصرى كما ذكر فى خريف الغضب كأن ماجرى من احداث سياسية وعسكرية كله اختزل فى مشهد واحد ويمكننا ان نقبل ذلك
لو كان هذا هو منهج الاستاذ هيكل الدائم فى جميع الحالات غير انه فى حرب الخليج مثلا حيث اجتاحت القوات العراقية الكويت فى غزو دموى شامل وحين قتل الاف الكويتين والوافدين ونهبت اموال وممتلكات ملايين المواطنين والمقيمين فى الكويت وفى العراق اثناء خروجهما منهما
كل هذا لايظهر له اثر فى كتاب هيكل عن حرب الخليج بل تظهر بدلا منه نماذج عكسية مثل ان امرأة كويتية كانت تطعم الجنود العراقيين او ان الجنود هللوا وكبروا عندما ضربت الصواريخ العراقية اسرائيل
الانحياز الصارخ
لايخفى الاستاذ هيكل انحيازاته للتجربة الناصرية
بكل جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى لو كان نمط حياته المعروف هو عكس توجهات هذه الحقبة ولكن لايجب ان يؤثر الانحياز ابدا على الموضوعية كما ذكرنا من قبل وهو مانفتقده فى كتابات الاستاذ هيكل
من صور ذلك عندما تحدث عن محمد نجيب فى كتابه ملفات السويس فيقول
" ولبعض الوقت فأن شخصية محمد نجيب غطت على كل شىء لأن دوره فى نجاح الانقلاب كان كبيرا " وقبلها بعشر صفحات يتحدث عن عبدالناصر فيقول " لم يكن لدى عبد الناصر حين قامت الثورة الا مضمون الشعار الذى يردده كثيرا وهو العزة والكرامة "
فمع انه يتحدث عن نفس الفترة لكن مع عبدالناصر يستخدم كلمة ثورة ومع نجيب هى انقلاب
طوال العهد الناصرى كانت قصائد المديح تنهال من كلمات هيكل كالمطر " ان حب الجماهير له وارتباطها به مازال ماضيا بجمال عبدالناصر الى ذروة شعبية لم يبلغها زعيم فى اى بلد ....اى زعيم فى اى بلد "
وكررها مرتين انه بلغ جماهيرية لم يبلغها زعيم فى اى بلد
وتظهر مراعاته لمقام السلطة حتى بالنسبة لأصحاب السلطة الثانية فلم يقترب الاستاذ هيكل ابدا فى كتاباته من عبدالحكيم عامر وهو فى سطوته وحتى بعد سقوطه وقبل موته ورغم النكسة لم يقترب منه تحسبا لعودة المياه لمجاريها بين ناصر وعامر
لذلك كتب قبل موت عبدالحكيم عامر " كانت النكسة التى تعرضنا لها جزء منها يعود الى اسباب خارجية تحدثنا فيها كثيرا وجزء منها يعود لأسباب داخلية لم نتحدث فيها حتى الآن ولااعرف متى يجىء اوان الحديث عنها " وذلك فى مقاله بالأهرام يوم 8 سبتمبر سنة 1967
ولما مات عبدالحكيم عامر جاء اوان الحديث وكتب هيكل 3 مقالات بعد وفاة عامر بأسابيع قام فيها بتحميله معظم المسئولية عن الهزيمة وتابعه باقى الاعلام الناصرى وكانت بداية مقالاته فى 6 اكتوبر 1967 بعنوان ( وقفة بقرب الجانب العسكرى من النكسة "
التضارب والتناقض
1- كتب هيكل بعد انفصال سوريا عن مصر فى الاهرم يوم 6 اكتوبر 1961 يقول انه لم تكن هناك فى الواقع بين الشعبين المصرى والسورى اى روابط فعلية وايجابية لقيام الوحدة الا شىء واحد هو جمال عبدالناصر وشخصيته وشعبيته
المفارقة انه كثيرا ماكتب قبل الانفصال عن تعدد الروابط الجغرافية
والتاريخية والدينية والثقافية بين الشعبين واهمها اللغة
2- كتب هيكل فى كتابه عن مبارك " ان حرية الاختيار لاتمارس من خلف القضبان كما ان ممارسة الحرية من داخل زنزانة سجن لاتنفع صاحبها ولاتنفع المقصود بها لأنها معرضة للظنون والشبهات "
لكنه يعتبر قرار الشيوعيين بحل حزبهم والدخول تحت مظلة العهد الناصرى كما كتب فى الاهرام فى 22 ابريل 1966 قرارا يحسب للعهدرغم انهم اتخذوه بعد بقائهم سنوات طويلة فى المعتقلات وايضا بعد تزوير خطابات من زوجاتهم لهم فى المعتقل كما كتب الدكتور رفعت السعيد فى مذكراته ورفعت حبشى فى مذكراته
3- يتفاخر هيكل فى كتابه (بين الصحافة والسياسة ) بأنه كان ينشر كتابات نقدية فى الاهرام فى العهد الناصرى مثل بنك القلق لتوفيق الحكيم وثرثرة على النيل لنجيب محفوظ وغيرها وهى بالفعل كتابات نقدية لكنها رمزية لذلك هى حجة سلبية لأن الكتابة بالرمز وليس بالتصريح دليل على الاجواء القمعية
الى جعلت الكاتب يلجأ لذلك والغريب ان ماكتبه هيكل يناقض كلامه الذى كتبه بعد ذلك فى كتابه عن مبارك عندما كتب :" الكتابة بالرمز او الغمز هى استهتار حتى بمفهوم الثقافة لايفعله فى العالم سوى مثقفينا وهذا باعتقادى من بقايا الطغيان المملوكة والتركى لأن دور المثقف فى هذه الحالة
لايخرج عن التنبيط على الحاكم من بعيد ولايقترب منه وذلك بتأثير غياب الرأى العام"
نكتفى بهذا القدر ومازال هناك الكثير
والى العام القادم ان شاء الله لنقرأ باقى شخصية الاستاذ هيكل ان كان لنا فى العمر بقية

جاري تحميل الاقتراحات...