عبدالعزيز قاسم
عبدالعزيز قاسم

@azizkasem

15 تغريدة 51 قراءة Oct 01, 2022
هنا المقالة الثانية والأخيرة عن الاستطلاع الذي قمت به في متحف أمير الشعراء أحمد شوقي، وهي بعنوان:
في "كَرْمَةِ ابن هانئ"
مَعَ شَوقِي وحافظ وأبي نُوّاس.. ونابليون وعبدالوهَّاب
بقلم: عبدالعزيز قاسم
اعلامي وكاتب صحافي
2
أطالعُ -بكثيرٍ من الانبهار- في السُّقُف التي صُمِّمت بهندسةٍ أندلسيّةٍ، وأخطو -بتؤدةٍ ومهلٍ- في تلك الصّالة الطّويلة الّتي ازدانت بإطاراتٍ فخمةٍ لصورِ أفرادِ الأسرة، توزَّعت بترتيبٍ مُتقنٍ، وعبر ديكورات رائعة سَربلت القصر كلَّه، تقول بذوقٍ رفيعٍ لصاحبه، وتراني أسحب قدمَيّ =
3
المتثاقلتين، لا أودُّ أن أتعجَّل -كرفيقيّ: خالد اللّبيب ود. السّيّد العيسوي- لِمَا كنتُ فيه من استمزاجٍ كاملٍ ومتعةٍ حالمةٍ هناك في متحف أمير الشّعراء "كرمة ابن هانئ" في جيزة قاهرة المعزّ.
صورة علي، الابن الثاني لأحمد شوقي، في طفولته لافتةٌ جدًّا؛ إذ كان شَعرُه النّاعم منسدلًا=
3
على كتفيه، وظننته بنتًا، وعندما سألت د.العيسوي عن ذلك، أجابني بأنّ أمير الشّعراء فعل ذلك اتِّقاءَ العين لطفله؛ إذ كان يؤمن بذلك، ووددتُ تصوير اللّوحة لأنشرها في مواقع التّواصل الاجتماعيّ خاصّتي، فمنعني -بأدبٍ جمٍّ- وأخبرني بأنّ التّصوير ممنوع، ولم يسمح لي إلا بخمس صور فقط عامة.
4
وأنت تتجوّل في قصر أمير الشّعراء؛ تتغشَّاك وتدهمك صورٌ لحياة الطّبقة البرجوازيّة المصريّة -في بدايات القرن الفارط- وطبقة الباشوات التي صبغت حياة مصر الاجتماعية عبر تأريخها. كلّ شيء حولك يشي بالأُبَّهة التي كانوا عليها في هذا القصر، فأبناؤه أمينة وعلي وحسين تواليًا، عندما تطالع=
5
صورهم في تلك الإطارات التي تزيِّن صالات القصر وغرفاته؛ ترى النّعمة والثّراء والعزّ الحقيقيّة التي هم فيها، ومن أسَفٍ -عندما سألت د. العيسوي عن أمكنتهم اليوم؛ فوجئت بأنّ الأبناء تفرَّقوا أيدي سبأ؛ إذ لم يتزوج حسينٌ طيلة حياته، بينما عليٌّ لم ينجب، أما ابنته أمينة، =
6
فهاجرت للولايات المتّحدة، وانقطعت أخبارها، إلا من ابنة لها أتت وزارت المتحف قبل سنوات، ولا تتحدّث العربيّة!
اعتصرني ألمٌ مفاجئٌ وضيقٌ، وبتُّ أهجسُ عن مصير أحفاد طبقة الأفندية الذين تسيَّدوا السّاحة الثّقافية المصريّة -وقتذاك- إذ مؤنس -ابن طه حسين عميد الأدب العربي- لا يتحدّث=
7
العربيّة ألبتة، وهاجَر لباريس وبات فرنساويًّا بالكامل. ازدردتُ غُصصًا دهمتني جَبرًا، ومضيتُ للغرفة التّالية، وأنا أتمتم: كيف لو عادوا للحياة، ورأوا كيف انتهى نَسلهم، وما أصبح عليه أحفادهم؟!
أوقفتُ رفقتي ونحن نمرّ بجوار لوحة لـ"نابليون"، فسألت إن كان أمير الشّعراء مُعجبًا به؟=
8
رفيقي في الجولة خالد لبيب قال إنّه لا يظنّ ذلك؛ فاللّوحة لنابليون وهو منكسرٌ أشدَّ الانكسار، ولكأنَّ الصورة التُقِطت له بعد معركةٍ هُزِم فيها، أو أنَّ أعداءه -في أخريات حياته- أرادوا طمس صورته الوضيئة، وتشويهه كبطلٍ لفرنسا، فأظهروه بهذا الشّكل المنكسر والذّليل والحزين،=
9
وخمَّنّا أنَّ أمير الشّعراء وضع الصّورة ليقول عن حال الدّنيا وإنَّها لا تدوم لأحد.
مضيتُ أجوبُ غرفات "كرمة ابن هانئ"، وقد سألت د. العيسوي عن السّبب في تسمية قصره بذلك، فأجابني بأنَّ أحمد شوقي كان يحبُّ شعر أبي نوّاس، وتذكّرت قصيدة شهيرة له، مطربة وخفيفة، ذكر شاعر الخمر ذاك:
10
مالَ وَاِحتَجَب * وَاِدَّعى الغَضَب
لَيتَ هاجِري* يَشرَحُ السَّبَب
قُم أَبا نُواس* أُنظُرِ النَّشَب
ما الخَصيبُ ما* البَحرُ ذو العُبُب
هَل عَهِدتَهُ* يُمطِرُ الذَّهَبَ؟!
توقّفتُ طويلًا في غرفة نوم أمير الشّعراء، وبتعجُّبٍ واستغرابٍ ظهرا على قسمات وجهي، قلت للدّكتور العيسوي=
11
إنَّ السّريرَ مفردٌ! فأجابني بأنَّ شوقيًّا كان لا ينام إلّا وحده، وأنَّ زوجته لها غرفة أخرى، ووقتما طالعت صورتها معلَّقة هناك في الصّالة؛ فوجئت بأنّها غير جميلة إطلاقًا عكس أبنائها، فقلت -لرفقتي- مهاذرًا إنَّ معه الحقّ في عدم النّوم! فانبري د. العيسوي وكال لها المديح في دورها=
12
الكبير بتوفير الجوِّ الملائم لأمير الشّعراء ليُبدع في شعره، وأنّه خلال بحثه في رسالة الدّكتوراة؛ وَجدَها امرأةً فريدةً من الطّراز الأوّل، من الزّوجات اللّواتي تُطيع زوجها طاعةً كاملةً، وتقوم بأعباء البيت وتربيّة الأبناء وإدارة الخدم، فزالَ كلَّ ما عَلِق بنفسي من صورتها غير =
13
الجميلة إلى إعجابٍ كاملٍ بها.
إلّا أنَّ الغريب كان صورة والدها وجدِّها، وخمَّنت مباشرة أنّهما تركيّان؛ إذ شارباهما غليظان جدًّا وطويلان، بما نقول عليه في شعبياتنا: "شاربٌ يقف عليه الصّقر"، من سماكته وطولِ فَتلَتِه... =
14-14
فأومأ د. العيسوي بالموافقة على أنّهما تركيّان، وقال إنَّ أحمد شوقي اختلطت فيه الدّماء الكرديّة والتّركيّة واليونانيّة والشّركسيّة والعربيّة.
نستكمل الجزء الثاني من المقالة الأخيرة عن متحف أحمد شوقي غدا إن شاء الله

جاري تحميل الاقتراحات...