، فما أحدٌ لم يطرب لقراءتي شعره، وأزعم أنّي لو قرأتُه على جلمود لبلغه شعوري هذا، ولطَرِبْ.
منذُ عرفتُ شعر أستاذنا محمد عبدالباري في العام 2017 لا أذكر أسبوعًا مرّ لم ألهج فيه ببعض شعره، هي تلك الآصرة الغريبة التي تربط القارئ بشاعره،
منذُ عرفتُ شعر أستاذنا محمد عبدالباري في العام 2017 لا أذكر أسبوعًا مرّ لم ألهج فيه ببعض شعره، هي تلك الآصرة الغريبة التي تربط القارئ بشاعره،
أذكر أول من ارتبط وجداني به على هذا النحو الشاعرة العراقية نازك الملائكة، وكنتُ وقتها مراهقًا ضاقت عليهُ دُنياه واستولَت عليه الوحشة، وضربَ عليّ الحُزن بسجن لا يجد عبره صوتي منفذًا إلى الآخرين، لا يخرج الصوت ولا يدخل إليّ منهم فرح ولا بهجة ولا مواساة،
ثم اكتشفتُ نازك الملائكة فكانت هي "عاشقة الليل" التي وجدتُ في صوتها صوتًا لي يؤنسني تلك الأيام.
لكن تفرض علاقتي بمحمد عبد الباري مآزق أكبر من هذه العلاقة البسيطة التي كانت تربطني بنازك، فالعلاقة بشاعر حيّ تختلف عن العلاقة بشاعر ميّت، وعلاقتي بنازك انتهت مع نضجي الشخصيّ وانفكاكي من إسار الإحساس بالمأساة، بينما علاقتي بمحمد عبدالباري لم يزدها نضجي إلا عمقًا وتعقيدًا،
ولم يزد الزمن فيها أوَار المحبة إلا اتقادًا، ومهما يكن من شيء فأعتقد أنّ فكرة أن يحبّ أحدٌ شاعرًا من جهة كونه شاعرًا -أي لا لعلاقة شخصية مباشرة تربطه به- هو أمرٌ رغم ما نرى من وجوده في العالم، فهو عجيب غريب.
جزء مهم من هذه العلاقة المعقدة هو أنّ أستاذنا محمد عبد الباري -على العكس من معظم المعاصرين- مواضيع كتابته واسعة، وفِكره الذي تنطلق منه القصائد شموليّ بعض الشيء، فهو حين يكتب عن الإنسان العربي -الحجازيّ- فهو يشترط في "حواميمه" السبعة لهذا الإنسان أن يعشق كما يعشق العربي، وأن يهتف:
"لستَ عِشقِي،
إن كانَ ثمَّ سماءٌ
عنكَ لَم تلتَفِت لكي لا تغَارَا"
وهو حين يكتب عن العشق المحض، فهو يكتب وهو مهجوس بأن يضيف إلى هذه اللغة قولًا جديدًا تضيفه إلى ترسانتها اللغوية، أن يجعل اللغة تُبصِر شعورًا جديدًا لم ترَهُ قبل كتابته -أو أن يشير إلى مأزقها على أقل تقدير-:
إن كانَ ثمَّ سماءٌ
عنكَ لَم تلتَفِت لكي لا تغَارَا"
وهو حين يكتب عن العشق المحض، فهو يكتب وهو مهجوس بأن يضيف إلى هذه اللغة قولًا جديدًا تضيفه إلى ترسانتها اللغوية، أن يجعل اللغة تُبصِر شعورًا جديدًا لم ترَهُ قبل كتابته -أو أن يشير إلى مأزقها على أقل تقدير-:
أخذتُكِ مِن دَهشَةٍ في المجَازِ
يسيلُ بها الوحيُ في المُصحَفِ
وكنتُ اصطفيتُ من الكلماتِ
رعُودي، ومثلكِ لَم أصطَفِ
يسيلُ بها الوحيُ في المُصحَفِ
وكنتُ اصطفيتُ من الكلماتِ
رعُودي، ومثلكِ لَم أصطَفِ
ففي كل قصيدة من شعره تكاد تجد محمد عبدالباري جميعه، وهذا التكثيف الشديد للمعاني في الشعر، يجعل لصاحب الوجدان الحيّ والإحساس القويّ آفاقًا من الاستكشاف المستمر في شعر أستاذنا، وقد يصدف أن ترتدّ بغتةً إلى ذهني قصيدة له طال عهدي بها، فإذ بها تتجلى أمامي لوحة متقنة الصنع،
أو بالإحرى مشهدًا مُبدَع الخلق قشيبًا جديدًا كأنّي أقف به لأول مرة في حياتي، فيفتح الله عز وجل عليّ فيها من المعاني ما لم أره قبلُ، وتتبدى صلتها ببقية شعره بجلاء أكبر، ويتحقق خلال ذلك أن "تعود إلى المعنى بكارته فأشهد الرعشة الأولى من الشبَقِ".
يمكنني أن أسوّد صفحات طوال عن علاقتي بكل قصيدة مفردة من قصائد أستاذنا محمد عبدالباري، يمكنني أن أتحدث مطولًا عن ابتهاجي ابتداءً بالـ"مرافعة ضد الأمل"، ثم غضبي تجاهها، ثم تفهمي لها مع رفض تقبلها، ثم وضعي الملتبس إزاءها وتشككي في أيّ منا هو المُحِقّ؟
يمكنني أن أتحدث عن خوفي وإشفاقي الشديد من "بكائية الحجر والريح" حدّ أني حتى الآن مُمسِك عن محاولة تأويلها وفهمها بعمق، أكتفي بما يجيء أولَ الخاطر عنها وأتجنب سماعها معظم الوقت، يمكنني أن أتحدث عن إعجابي الشديد بثيمة المطرودين في "نشيد الصعاليك" و"إلى الضد من وجهة الريح"
و"مرثية للقادمين من الموت" وكيف أنهم مع اشتراكهم النسبيّ في المأساة، وتشابههم الظاهري الشديد، فإن كل قصيدة تصف نسيجًا وحده بوجدان وروح ومشاعر مختلفة.
لا أعلم مِن حِكمَةٍ وراء كتابتي هذا الكلام، ولا مِن هدف واضح أو رسالة توجّه قلمي -أو كيبوردي، إن صحّ الكلام-، وما هو سوى بثّ تراكم في الصدر ولم أجد إلا أن أكتبه هنا، رغم تفككه وأنه ليس سوى إشارات بعيدة لا تقرب مما أريد قوله إلا بما يقرب به النجم من راصده.
لا أظنني سعيد بشيء سعادتي باقتراب صدور ديوانه الجديد، وإنني من نفوذ وجداني في شعر محمد عبدالباري ومن قراءتي لدواوينه، ومما يظهر من حيثيات ديوان "لم يعد أزرقًا" وتجربته الأخيرة مع اللغة الإنجليزية وفترة الولايات المتحدة، أكاد أحلف لا حانثًا أنّ هذا الديوان يفوق سابقيه براعةً،
وأنه ميلاد جديد لأستاذنا محمد عبدالباري، وأنّ الشاعرية فيه ستسطر صفحة جديدة في تاريخ الشعر السوداني بأجمعه.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
جاري تحميل الاقتراحات...