ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

28 تغريدة 1,049 قراءة Sep 16, 2022
عبد حبشي خصي عانى الأمرين ومر بما لم يمر به أحد، أخلص في خدمة سيده الذي اشتراه فقط بثمانية عشر درهمًا، ولم يزل يطرق حلمه في امتلاك مدينة بحكمة وتؤدة حتى صار ملكًا لا على مدينة، بل على مصر والحجاز والشام.
حياكم تحت
براري الحبشة القرن الرابع الهجري، شاب يافع في الثامنة عشر من عمره مطارد من إحدى جماعات تجارة الرقيق، لم يفر منهم هذه المرة كما اعتاد، بل وقع في أيديهم كغيره من الأقران، وحانت اللحظة كي تنطلق به قافتله نحو مصر، حيث أسواق العبيد في انتظارهم.
من عادة تجار الرقيق حينها أن يسلبوا العبيد رجولتهم، حتى يأمن أسيادهم المستقبليين جانبهم ويثقون بهم بين نساءهم، ولم يكن الشاب كافور استثناءً من ذلك، كان كافور ذا هيئة إفريقية خالصة، حيث البشرة السوداء وملامح الوجه البارزة، فضلًا عن آثار لندبات في جسده تدلل على ما عاناه في حياته.
سوق النخاسة، كافور رفقة عبد مثله ينتظران مصيرهما، قال له رفيقه أتمنى لو يشتريني طباخا فأظل شبعانا ما حييت، ليرد كافور قائلا أتمنى لو أملك هذه المدينة، دارت السنوات ليمر كافور ع نفس السوق وهو ملك مصر والشام ليجد صاحبه وقد احتواه حانوت طباخ، فابتسم وقال الآن: لكل منا ما تمنى.
لقد وقع كافور في أسر العبودية، ولم يكن في انتظاره سوى حظ مترع بالألم والقسوة، إذ وقع بداية في قبضة أحد تجار الزيوت، والذي سخره لخدمة تجارته، فراح يعاني معه الأمرين بين حمل المثاقيل ونقلها، وبين معاملة سيئة قاسية العصا والاضطهاد فيها حاضرين.
استمر كافور على ذلك الحال السيء حتى مُدت إليه حبال من الرحمة، ليجد نفسه وقد اشتراه سيد جديد رقيق القلب، هو محمود بن وهب الكاتب، حيث كل شيء مغاير للحياة السابقة، فراحت أدران الزيوت ودهونها تجتث ذاتها من حضرة كافور، ويحل محلها روح جديدة عامرة بالحماسة والتفاصيل المشرقة.
كُتبٌ وصحائف في كل مكان، وطريق ميسر له نحو تعلم القراءة والكتابة، ومن ثم إلمام بمعارف الأقدمين وأخبارهم، كل هذه التحولات في حياة كافور أورثته ثوبًا جديدًا من الاتقاد والاختلاف، وكشفت لكل من حوله عن ذكاء وحسن تدبير، جعل من سيده بن وهب معتمدًا عليه في معظم أموره.
لم يكن بن وهب طريقًا لكافور نحو التعلم وتنمية معارفه فحسب، بل فتح له كذلك طريقًا مُعبّدًا نحو قصر الإخشيد محمد بن طغج مؤسس الدولة الإخشيدية، والذي كان صديقًا لابن وهب، حين أرسل كافور بهدية ما لصديقه الإخشيد، أعجب الإخشيد بذكاء كافور وثقافته مقررًا الإبقاء عليه.
من تلك اللحظة التي تلاقى فيها كافور مع حسن ظن الإخشيد تغيرت حياته إلى الأبد، وتفتحت له أبواب لم يكن يتصور وجودها من قبل، فشخصيته القوية وإخلاصه وأدبه الجم، كل هذا حمل الأخشيد أن يعينه مشرفًا على التعاليم الأميرية لأبنائه.
في ذات صباح حضرت إلى حديقة القصر هدايا للإخشيد من بينها فيل وزراف، انشغل الجميع بمن فيهم العبيد بتلك الكائنات التي لم يرونها من قبل، إلا كافور فقد أبقى نظره معلقًا بالإخشيد، انتظارًا لأي أمر يطلبه أو حاجة يبتغيها، ومن أمثال تلك المواقف تولد في نفس الإخشيد حبًا لكافور وتقديرًا.
ربما عانى الإخشيد مليًا من سهام غدر طالته من أقرب أقربائه، لذلك وجد فيما قدمه له كافور من إخلاص وأمانة وصفات حميدة ملجأ يفر إليه ويتمسك به، فرار وتمسك جعلاه يعتق كافور ويعطيه حريته، ويقربه أكثر منه في مناصب عدة، حتى أصبح في الأخير قائدًا لجيشه.
لم يكن من المفاجأة بمكان وفاة محمد بن طغج الإخشيد عام 334 هـ، فقد سبق موته مرض طال به تولى في أثنائه كافور تسيير أمور البلاد، أما بعد وفاة بن طغج فقد وجد كافور ذاته وقد أصبح وصيًا على ابن الإخشيد الصغير أبو القاسم أنوجور، وبالتالي أصبح حاكمًا فعليًا لمصر والدولة الإخشيدية.
بخبرة طويلة ترسخت في ذاته استطاع كافور أن يدير دفة الأمور بحنكة وروية، وعبر بالدولة الإخشيدية من مأزقها ودفع حدودها للنمو والاستطالة، لتشمل خلال فترة حكمه جهات جديدة من الأرض، مثل الحجاز وفلسطين ودمشق والأردن مستفيدا في كل ذلك من تداعي الحمدانيين وضعف الخلافة العباسية.
الإخشيد الصغير لا يُرى في المملكة كثيرًا، فقد عمد كافور إلى تنحيته جانبًا وإخفائه عن الأنظار، ولما اشتد عوده وأصبح شابًا، أغرقه كافور في الملذات وأغدق عليه مالاً وفيراً بلغ أربعمائة ألف دينار سنويا، هذه الأموال كانت كافية كي يحلق أنوجور بعيدا جدا عن التفكير في الحكم والعرش.
شعر أنوجور في لحظة بسوء ما هو فيه من غفلة، فانقطع للعبادة يطهر بها ذاته مما علق بها من أدران، وصار زاهداً متنسكاً، ذلك الانقطاع أجرى فيه تفكيراً حول حقه المسلوب من قبل كافور، لذلك لم يكن منه إلا أن فر إلى فلسطين، كل هذا كي يجمع شتات نفسه ويجمع أنصاره محاولاً استعادة حقه المسلوب.
عبر سنوات طوال من الارتكان إلى راتب كافور وما أجراه من مال، حصد انوجور قدراً لا بأس به من الثروة، لكنها بجوار خزائن الدولة كانت لاشيء، كانت آمال أنوجور معلقة على جمع جند يناصرونه وكذا توحيد صفوف الكارهون لكافور وحكمه.
لكن أم أنوجور كانت أبعد نظرا من ابنها، فالتبرم بكافور والضيق بحكمه لم يكن حاضرا في نفوس كثيرين، والجند في الأغلب يميلون صوب الكفة الراجحة، لذلك أنكرت الأم على ابنها تفكيره علنًا، وتحدثت مع كافور الذي لم يجد في نفسه غضاضة أن يبعث برسالة لأنوجور يسترضيه ويمنيه.
قنع أخيرا أنوجور بعدم جدوى المقاومة، وعاد مجددا تحت سطوة كافور، مجريا عليه الأخير دراهمه، لكن رغم ذلك يقال أن كافور لم ينس أن يميت الفكرة تماما في نفس أنوجور، فدس له السم في الطعام، ليموت أنوجور في سن الثلاثين من عمره، ويخلو لكافور من بعده وجه مصر والسلطة والإمارة.
شغل الرجل منصبه كما لم يشغله أحد قبله، فساس الحكم وتصرف في دولته بحكمة، واقترب من الناس ولبى حاجاتهم، فحصد حبًا وثقة، وعلى جانب آخر استمر جيشه في صد هجمات الفاطميين ودولتهم الناشئة في إفريقية، وبذلك حافظ للدولة الإخشيدية على استمراريتها.
كانت الخلافة العباسية صامتة تجاه كافور، إذا لم تقبل به وفي نفس الوقت لم ترفضه، وفي هذا إمضاء له في الحكم وإقرار بوضعه، وقد حرص كافور على إتزان في العلاقة بينه وبينهم وفي ذات الوقت مضى نحو توسيع دولته والمحافظة على حدودها.
لقد مثّل كافور بوصوله إلى الحكم وهو الخادم والمملوك السابق استثناء تاريخيًا لم يحدث من قبل، استثناءً جعل سيرته محل نظر وتدقيق، خصوصا مع ما حظيت به فترة حكمه من أحداث وأخبار خصوصًا تلك المتعلقة فيها بحكايا المتنبي في بلاط كافور.
لقد ملّ المتنبي من حياة الاستجداء والعيش على رمق العطايا، خصوصًا بعد خلاف نشب بينه وبين سيف الدولة الحمداني، فخرج من حلب قاصدًا مصر، عله يجد لدى كافور ما يرنو إليه من امارة و تمكين، وعلى وقع خطى دابته نظم قصيدة يمدح فيها كافور إخشيد مصر.
أجاد المتنبي كعادته بقصيدة مفعمة بالجمال والترتيب المنطقى، وحوت بين دفتيها إشارة واضحة لما يتمناه المتنبي على كافور من حصوله على الولاية
"وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا.. ودون الذي أملت منك حجاب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة..
سكوتي بيان عندها وجواب"
كان كافور محبا للشعر والأدب ومن خير من يتذوقه، وتحت وقع قصيدة المتنبي المادحة له، استشف في نفس هذا الشاعر ذكاء خارقًا ، حمله بدلاً من الإعجاب به إلى النفور منه والخوف من عاقبة تقريبه إليه، وهي أمور اجتمعت كي يمتنع عن إثابة المتنبي بالمنصب الذي ينتظره واكتفى بالعطايا.
بعد أمد خرج المتنبي خالي الوفاض من مصر، دون أن تتحقق له أمنيته في الحظو بمنصب أو تقريب، ليخلّد ذلك الحدث بهجاء شديد لكافور في أكثر من قصيدة لعل أشهر مواضعه قوله:
صار الخصي إمام الآبقين به
فالحر مستعبد والعبد معبود
لا تشتر العبد إلا والعصا معَه
إن العبيد لأنجاس مناكيد
فاضت روح كافور إلى بارئها عام 357 بعد أن قضى في الحكم المباشر وغير المباشر أكثر من 34 عامًا، لينفرط من بعده عقد الدولة الإخشيدية خلال عام واحد، حيث لم يستطع الإخشيد الجديد ابن الحادية عشر من العمر مقاومة الزحف الفاطمي فانهارت الدولة لتبدأ صفحة جديدة من تاريخ مصر.
أوصى كافور أن يدفن بالقدس، فحمل جثمانه إلى هناك، حيث مثواه الأخير، بعد ذلك وجد على شاهده أبيات شعر تقول:
ما بال قبرك يا كافور منفردا
بالصحصح المرت بعد العسكر اللجب
يدوس قبرك آحاد الرجال وقد
كانت أسود الثرى تخشاك من كثب
ختاماً
يكاد اليوم لا يُعرف كافور إلا بهجاء المتنبي له، رغم هذه القصة الملهمة التي عليها حياته..
تباً لسطوة الشعراء والإعلام على التاريخ والحقائق!

جاري تحميل الاقتراحات...