عبدالعزيز قاسم
عبدالعزيز قاسم

@azizkasem

20 تغريدة 41 قراءة Sep 14, 2022
من وحي وقف معالي الشيخ صالح بن حميد لمكتبته الكبيرة في الجامعة الإسلامية، أعيد ببعض التعليق ما سبق أن كتبته قبل أربع سنوات عن المكتبات الشخصية الخاصة ومصيرها..
مَكْتَباتُنا الشَّخْصِيَّةُ.. إِلى حِراجِ الْخُرْدَة!!
غرَّدَ بِها: عَبْدُالْعَزيزِ قاسِم
إعْلامِيٌّ وَكاتِبٌ صَحَفيّ
2
كان حديثُ النخبة المثقفةِ والشرعيةِ بِالأمس؛ ما فعله معالي الشيخ صالح بن حميد بوقف مكتبته الخاصة، واختار لها أن تكون في الْجامعة الإسلامية، وكانت المكتبة تحوي 27 ألف كتاب ومجلد، وقرأت نصَّ الوقف الذي كتبه معاليه بخطِّ يدِه بأناقةٍ وروعةٍ، دعوتُ فيها لأستاذه؛ إذْ أغلب كتاباتِ=
3
المثقَّفين وبعض المشايخ أقربُ لخطوطِ الأطبَّاءِ، إلا مَنْ رَحِم اللهُ!.
أتمنَّى عليكم قراءةَ ما كتبه معالي الشيخ صالح بن حميد؛ فهي قطعةٌ أدبيةٌ نفيسةٌ، بما هو يميّز كتابةَ العلماءِ، لا الأدباءِ، ولا تملك إلا أن تستمتعَ وهو يتغزَّلُ في الكتاب، ويُعرِّف بحقّه ومكانته، =
4
وتظلّ الجملة التي قالها معاليه أثناء كلمته مؤثِّرةً، وتُدولت في مواقع التَّواصلِ الاجتماعيّ و"الواتس أب" بكثير من التأثُّر.ولكأنَّه يقول بقرب رحيله -حفظه الله وأبقاه ونفع به الدِّين والوطن- فمعاليه تأريخٌ كاملٌ في الدَّعوة والعلم وخدمة الوطنِ، ومحلّ ثقة ولاة الأمر.
5
قال معاليه: "رآني أخي عبد الرحمن، فرأى الدواليب خاليةً، والكتبَ حُفِظت في الكراتين، لماذا فعلت هذا؟ فقلت: يا أخي إنّ الإنسانَ حينَ يعزمُ على الرَّحيل فإنَّه يبدأ في جمع أثاثه ومتاعه".
6
أترك معاليه، وقد فعل الصواب بوقفِ مكتبته؛ إذ كتبتُ جملة تغريدات قبل 4سنوات مضت، وكانت تحت عنوان:(مكتباتُنا الشَّخصية..إِلى حراج الخردة) دعوت فيها بضرورة التصرف في المكتبات الشخصية؛ لأنّ مصيرها مؤلم لمن أفْنى حياته وهو يجمعها، وقد أنفق عليها عزيز الوقت وغالي المال، وأترككم معها:
7
في السنتين الأخيرتين من عضويتي في مجلسِ الإدارةِ المنتخبِ لنادي جدة الأدبي؛ كان يرسل إلينا بعض أبناء المثقفين الذين رحلوا عن الحياة، فضلا عن بعض النخب، كبارِ السن؛ أن نقبل كتب أولئك الرَّاحلين كهدية توضع في مكتبة النادي للاستفادة منها، بعد أن باتت عبئا على الورثة في العناية بها
8
تزايد الطلب علينا؛بحيث كونت الإدارة لجنة خاصة،انتهت إلى الاعتذار لهم؛لأن مساحة مكتبة النادي محدودة،والكتب المهداة فوق التصور..كراتين هائلة فوق بعضها.
طبعا من تواصل معنا نسبةٌ بسيطة؛وإلا فالمشكلة أكبر، وكلُّ ذلك للافتكاك من هذه الركة الثقيلة التي لا يحتاجها الأبناء، بل لا يهتمون
9
معظم الورثة يتخلَّصون من الكتب؛ إمّا بإهدائها وإمّا بيعها بأسعار زهيدة جدًّا للمهتمين وبعض خواصّ أصدقاء الرّاحلين، بينما معظم المكتبات الشّخصيّة تنتهي في حراج الخردة، كبقيّة الأثاث الزّائد. مؤلمٌ جدّاً هذا المصير، عندما يتذكّر الإنسانُ كيف كان يوفِّر من مصروفاته القليلة=
10
كي يقتني الكتب التي يهتمُّ، بل يقدِّمها أيَّام شبابه على رفاهية طعامه أو أُبّهة ملابسه، ويسافر لأماكن بعيدة لأجلها.
أتذكّر في جيلي، ممن درج على القراءة؛ كيف كنّا نتسابقُ لإنشاء مكتباتنا الخاصَّة، التي كانت جزءًا أصيلًا من حياتنا، وكيف كنّا نتفاخرُ بين لداتنا وأسناننا بحجم =
11
ما نمتلكُ مِن مخطوطاتٍ أو كتبٍ نادرةٍ، استطعنا في أزمنةٍ ماضيةٍ جلبَها. كنّا نضنّ بها أن نعيرَها لأحدٍ... وإن فعلنا؛ لاحَقنا من أعرناه –بإلحاح- حتَّى تعود لرفِّها آمنة مطمئنةً أمامَ أعينِنا الحادبة!.
راجت أخيرًا تغريداتٌ لأحدِ طلبةِ العلمِ؛ الشَّيخ فهد العماري، تطرّق فيها إلى=
12
هذا الموضوع، وكتب متحسِّرًا ومتألِّمًا لمصيرِ المكتباتِ الخاصَّةِ، وكان عنوانُها: "ما مصيرُ كتبي؟" طبعًا يقصد مصيرَها بعدَ رحيلِه عن الحياةِ. وها أنا أجيبه بملء الفمّ وبكلّ ثقة: غالباً في حراج الخردة يا شيخ فهد... إلا أن يتصرّف الإنسان منّا بها في حياته.
13
تمنّى الشيخ العماري على المؤسسات التي تعنى بكتابة الأوقاف والوصايا والمراكز البحثية وغيرِها أن تتبنى مثل هذه المشاريع، وتخرج بنموذج يتضمن أفكارا عدة، يستفيد منها العلماء وطلاب العلمِ في مصير مكتباتهم في حال حياتهم، وبعد وفاتهم. وطالبَ بورشِ عملٍ وملتقياتٍ لطرحِ حلولِ للمشكلة.
14
شخصيًّا، أُجْزِمُ بأنَّ مصيرَ الكتبِ الورقيّةِ سَيَكونُ مصيرَ الصحافةِ الورقيّةِ ذاتها. ما هي إلا سنواتٌ قلائلُ وتتحوّل ذائقةُ الأجيالِ الجديدة -في أغلبها- للكتبِ الرقميّةِ، وستُحجّم وتتضاءل الكتب الورقيّة، بيد أنّها لن تنتهي -برأيي- قريبًا. في حين ستزدهرُ المكتباتُ الرقميّةُ=
15
بفعل التّكنولوجيا الّتي توجّه معظم حياتنا اليوم، ولا نملكُ سوى أن ننخرطَ في أتونِها رغمًا عنّا!
نصحتُ -لمرات عدّة- بعضَ الهيئاتِ الشّرعيّةِ الّتي لديها مكتبات كبيرة؛ بأن تتخلّص منها، وترسل الكتب إلى أفريقيا والمناطق الفقيرة الّتي تحتاجها، =
16
وتستبدل مكتباتها المغبرّة هاته، بمكتبات رقميّة حديثةٍ. وكنتُ أقولُ لهم: كلّ هذه الكتب التي تأخذ هذا الحيّز الكبير من المكان؛ هي مجموعة في "هاردسك" واحد بكفّ اليد.
في المكتباتِ الحديثةِ بالعالم -سواء في الجامعات أو مراكز البحوث- تجد الطّلبة والباحثين إلى طاولات الكمبيوتر، =
17
والشّاشات الحديثة أمامهم، يصلون إلى المعلومات بأيسر الطرق وأسهلها، ويُبحرون في أمّهات الكتب والمعاجم الصّعبة بلا عناء يُذكر، وقد وفّروا حيّز المكان الكبير، فضلًا عن الوقت والجهد، ووصلوا إلى كلّ ما يحتاجونه بأبسط السُّبل.
18
في مقابلهم، تدخل المكتباتِ الخاصّةَ بالهيئاتِ ومراكزَ البحوث فلا تجد سوى القِلة، هذا إن وجدت أحدًا فيها أغلب الأيّام، بينما يعلو الغبار معظم المكتبات، وحتّى الخاصّة في البيوت، تتعب ربّات البيوت في العناية بها، وحقّ لهنّ أن يتذمّرنّ من التَّرِكة الثَّقيلة الّتي لا يهتمّ بها أحد
19
أدْعو أَصْحابِ الَمَكتباتِ الشَّخصيَّة -بدعوةِ الشّيخِ العماري ذاتها- إلى أن يباشروا بالتّصرّفِ في كُتُبِهم الّتي أفنوا الأعمارَ وبذلوا الأموالَ في جمعِها، قبلَ أن يطمرَها أبناؤهم في حراج الخردةِ، كمصيرٍ مؤلمٍ لما فنيت الأعمار عليها، هذا إن وجدوا في الحراج من يشتريها!
20-20
أدْرِكوا مصيرَ كتبكِم بالوصيّة بإرسالها إلى مَن يستحقُّها، وعظَّم اللهُ أجرنا في كتبِنا التي كانت أُنسنا ونُدُمَنا وسلوتَنا يومًا ما.

جاري تحميل الاقتراحات...