الرجل أيضًا يعاني، الرجل أيضًا يضحّي. لأن الخطاب النسوي الطافح الآن في كل مكان يتحدث عن "تضحية المرأة" ببيتها وراحتها وأهلها، لتعيش مع رجلٍ قد لا يكفل لها المستوى المعيشي نفسه الذي كانت تعيشه في بيت أبيها -الذي لم يستطع أن يعيّش والدتها في مستوى جدها في بداية حياته هو أيضا-...
وأنها تنازلت عن كل شيء لتكون هنا في هذا البيت، بيت الزوجية، الذي ليس عليها أن تخدم فيه -بحُبٍّ- من تحب، ولا أن تهتم برعايته ونظافته وطعامه وشرابه.
والحقيقة أن الرجل أيضًا يضحّي -إذا كانت التضحية تحسب بهذه الطريقة- فيترك ما وراءه وأمامه، ويترك بيت أهله وسهرة أصحابه ومصاريفه الشخصية ورعايته لنفسه بالكاد، ليعيش في هذا البيت، يرعى وينفق، ويعمل ويكد، حتى يكفل لزوجه وبيته حياة كريمة لا يحتاجون فيه إلى شيء إلا وفّره...
ويكرّس وقته وحياته وماله وتحويشة عمره لهم بدلًا من اللهو برفقة أصدقائه الذين يبقي من أجلهم النذر اليسير من ساعاته، ويترك مصروفاته الشخصية ليضعها آخر الحسابات، بعد كل ذرة ترابٍ تستحق الاهتمام في البيت.
انظروا! كيف يبدو الحديث بغيضًا ولغة الكلام مقرفة؟ أليس الأوْلى أن تُبنى البيوت على أساسٍ غير هذا "التعيير" و"الشرشحة"؟ أليس الأوْلى أن تبنى البيوت بدفءٍ وأمان؟ فيعيش الرجل لأجل بيته لأن الله سنّ لعباده سنته هذه التي أجراها في الكون كله على اختلاف أمكنته وأزمنته...
وتعيش المرأة لبيتها، فتؤجر بكل لقمةٍ تصنعها، وكل قشة ترفعها، وكل شبرٍ ترعاه، وحين تضع أنفاسها في البيت فهي ملكته ومالكته، تفعل ما يفعل الفائز بجنته، بدلًا من أن تتخيلها "لوكاندة" مدفوعة، مع خادم يخدمها، بينما الرجل عبدٌ تحت قدميها يضع القوت في فمها والأجرة بين يديها آخر كل نهار.
فلا والله لا تستقيم البيوت إلا باستقامة النفوس، ولا تستقيم النفوس إلا حين تصفو، فيعرف الرجل كيف تتعب زوجته فيكرمها عرفانًا لها، وتعرف المرأة ما يكابده زوجها كل يوم فتهنّيه عرفانًا له، فيكون البيت محاطًا بالستر وممتلئًا بالغنى، وهكذا تكون البيوت بيوتًا يبارك الله فيها، لا حظائر!
جاري تحميل الاقتراحات...