اسأل عن: «هل غادر الشعراء من متردّمِ»؛ من صاحبها؟ سيُقال: عنترة بن شدّاد بن قرّاد العبسي الفارس، أحب ابنة عمه عبلة بنت مالك، ونال بسيفه حرّيته حتى صار رمزًا للانتصار ضد العبودية والتمييز باللون، ورغم رومانسية الصورة، يؤسفّني أن أفنّد كل ما فيها، فهذا بطل السيرة لا المعلّقة.
وقبل أن أتتبع عنترة الحقيقي معتمدًا على المعلّقة وما صحّ من شعره برواية البطليوسي والشنتمري، أريد أن أثني على ملفّق السيرة الشعبية، فهو من أبرع أدباء العربية رغم جهلنا من يكون، دليلي على ذلك آلاف القرّاء الذين لا يزالون يخلطون بين الأشعار التي وضعها على لسان بطله وأشعار عنترة.
خذ مثلًا: أتاني طيف عبلة في المنامِ * وقبلني ثلاثا في اللثامِ، أو: حكِّم سيوفك في رقاب العذّلِ * وإذا نزلت بدار ذلٍ فارحلِ، أو: لا يحمل الحقد من تعلو به الرتبُ * ولا ينال العلا من طبعه الغضبُ؛ كلها أشعار ذائعة رغم زيفها، وهي رائعة -لا مراء- لكن بميزان الشعر المملوكي لا الجاهلي.
لكنّ الأخطر من الأشعار هي تلك الصورة الرومانسية التي صنعها ملفّق السيرة، وأبدع ما شاء في صنعها، حتى أطبقت على خيالات الناس واستقرّت في أذهانهم، وحتى صارت شبحًا يحول دون فهمنا لما يقول عنترة في الصحيح من شعره؛ ومن أراد فهم المعلقة فهمًا صحيحًا لا بدّ أن يصرع الشبح على بوابتها.
ولنبدأ باسمه؛ هو عند العامة عنترة بن شدّاد، بينما يروي نفر من العلماء الثقات أنه عنترة بن عمرو بن معاوية، قال ابن الأعرابي: هو عمه وليس أبيه، يعني شدادًا، وقال ابن الكلبي: وقد سمعت من يقول إنّ شدادًا عمه كان نشأ في حِجره فنُسب إليه دون أبيه، وإنما ادّعاه أبوه بعد الكبر.
كنت اقرأ في صباي قول عنترة في معلّقته: ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى * إذ تقلص الشفتان عن وَضَحِ الفمِ ؛ فأعجب كل العجب: ماذا عسى مالكًا -والد عبلة- موصٍ عنترة وهو يجاهره البغضاء ويسعى جاهدًا في هلاكه؟ غفر الله لي ما أعظم خطأي، كنت ممتلئًا بالسيرة الشعبية آنذاك.
لكن الآن، بعد أن استقرّ في ذهني أنّ شدادًا -فارس جروة- عمه المقصود، ومنه أخذ معاني الفروسية، ولربما كان يوصيه أنه لو استبسل وظهرت نجدته سينتزع اعتراف قومه، أظنني صرت أقرب إلى فهم البيت، يعضّد ذلك قول حصين بن ضمضم يغيظ عنترة: وتركن في كرّ الفوارس عمّه * شلوًا بمعترك الكماة مجزّرا.
خذ أيضًا مسألة السواد واتخاذ عنترة رمزًا للحرية والانتصار ضد التمييز باللون، هي ثيمة لا يمل مؤلف السيرة استعمالها، فلقد كان عصره عصر نخاسة وطبقية بامتياز، لكننا حين نفحص ما صحّ من شعر عنترة نصاب بالخيبة. سنكتشف أنّ نفس تلك الأعراف والانحيازات اللونية لا يبرأ منها شعر فارسنا.
فمثلًا حين يفاخر عنترة بفرسان عبس يصفهم بالبياض، بينما الأعداء من جديلة وشيبان وجوههم سوداء كموضع القدر من النار، وإنك لتعجب كيف يقع عنترة في هذا التحيّز الذي لطالما عانى منه: كم من فتى فيهم أخي ثقةٍ * حُرٍ أغرّ كغرّة الرئمِ * ليسوا كأقوامٍ علمتهمُ * سودِ الوجوهِ كمعدنِ البُرمِ!
ومثلًا، حين يصف ذكر النعام، وكيف يتعهّد بيضه كأنه عبدٌ حبشي أسود مقطوع الأذن لبس فروه الطويل بحيث يكون صوفه ووبره من الخارج: صعلٍ يعود بذي العشيرة بيضَه * كالعبدِ ذي الفرو الطويلِ الأصلمِ؛ لن تملك إلا أن تسأل متعجبًا: ألم يجد عنترة سوى لفظة «عبد» للكناية عن السواد وهو مراده!
أظننا نظلم عنترة حين نخضعه لحساسيتنا الحديثة ونحاكم شعره من منظارها رغم الحاجز الزمني الهائل، لكن كيف نتجاهل أنّ عنترة -رغم عبقريته وذخيرته اللغوية وتسخيره رمزًا- كان خاضعًا بالكامل للقاموس القبلي والإجتماعي، ويكرر بوعي أو دون وعي تلك التحيّزات اللفظية والعنصرية.
لم يكن الأمر مقتصرًا على الصعيد اللغوي، بل يتجاوز إلى نمط الحياة أيضًا؛ تقرأ في خبر أنّ عنترة خرج يرعى إبله ومعه عبده -هكذا!-، ونقرأ في المعلّقة عن جارية يرسلها كي تتحسس له أخبار عبلة. ما هذا يا عنترة؟ ما إن تحررت من نير العبودية حتى أصبحت سيد أقنان تملك العبيد والجواري! رائع!
أما أبرز المغالطات فعبلة التي التقط مؤلف السيرة اسمها من بداية المعلّقة، ثم قفز إلى البيت الرابع والأربعين: «هلّا سألتِ الخيل يا ابنة مالكٍ» فدعاها عبلة بنت مالك، وجعلها ابنة عم له، وكان أجدر -لو لم يبعد النجعة- أن يدعوها عبلة بنت مخرم، أو عبلة بنت مخرمة، كما في البيت السادس.
ومهما فتّشنا في المصادر التي تذكر نتفًا من أخبار عنترة، كأغاني الأصفهاني، والشعر والشعراء، لن نجد شيئًا يتناول عبلة أو يذكر ابنة عمٍ تعلّقها، بل حتى عنترة في صحيح شعره لا يذكر عبلة إلا في ست قصائد دون أن ينسبها إلى مالك أو يسمّي والدًا لها كما أوهم صاحب السيرة وتلقّف الناس عنه.
على صعيد آخر، شبب عنترة بامرأة أخرى اسمها هند فقال يتغزل بها: عفّى الرسومَ وباقي الأطلال * ريحُ الصبا وتجرّم الأحوالِ * كانت بنا هند فشط مزارها * وتبدّلت خيطا من الآجال * فلئن صرمتِ الحبل يا ابنة مالكٍ * وسمعتِ فيّ مقالة العذالِ * فلعمر جدّكِ إنني لمشايعي * لبي وإني للملوك لقالِ.
والأحرى أنّ هندًا هذه هي التي تحوّل إليها بالخطاب في البيت الرابع والأربعين من المعلّقة: هلّا سألتِ الخيل يا ابنة مالكٍ * إن كنتِ جاهلةً بما لم تعلمي؛ ابتدأ بعبلة بنت مخرم، ثم تحوّل إلى هند بنت مالك، كما كان يفعل امرؤ القيس وكما فعل غيره من شعراء المعلّقات والمتغزّلين.
وإنه لمن الخذلان أن تظن عبلة ابنة عم له وهو يقول صراحة في المعلّقة: عُلّقتها عَرَضًا وأقتلُ قومَها * زعمًا لعَمرُ أبيكِ ليس بمزعمِ؛ إذن هي من قوم آخرين كانوا يجاورون قومه في الزمان القديم، ثم نضبت المياه فتركوا الجِواءَ وانتجعوا عنيزتين وكانت عنيزتان ضمن مناطق الأعادي فصعبت عليه.
من هي عبلة إذن؟ ولماذا بكاها في المعلّقة وكرر ذلك في الديوان لدرجة تنفي شبهة اختلاقها. لقد ذكر هندًا ورقاشِ وقطامِ وسميّة وزوجةً من بجيلة، لكنه لم يبكيهن هذا البكاء الحارّ، ولم يكرر غزله بهن كما كرره في عبلة بن مخرم، حتى عُرِف بها فقيل: قيس وليلى، وجميل وبثينة، وعنترة وعبلة.
يقول عنترة في إحدى قصائده: إني امرؤ سمح الخليقة ماجدٌ * لا أتبع النفس اللجوج هواها * ولئن سألت بذاك عبلة أخبرت * ألا أريدُ من النساء سواها * وأجيبها إمّا دعت بعظيمةٍ * وأعينها وأكفّ عما ساها ؛ وهو لم يتخذ عبلة شاهدًا على عدم انجراره وراء الأهواء إلا لأنها تصدّه وتدفعه عنها فيرضخ.
يؤكّد ذلك قوله: عجبت عُبيلة من فتى مُتبذّلِ * عاري الأشاجع شاحب كالمُنصلِ * فتضاحكت عجبًا وقالت قولةً * لا خير فيك كأنها لم تحفلِ؛ ها هي تصده ثانية قائلة: لا خير فيك، ولا يغرنّك تضليله نفسه حين قال "كأنها لم تحفل" فلو كانت تحفل لما انحدر سريعًا إلى الاستعطاف ثم التهديد كما سنرى.
يقول عنترة مستعطفًا: لا تصرميني يا عُبيلُ وراجعي * فيّ البصيرة نظرة المتأمّلِ* فلربّ أملح منكِ دَلّا فاعلمي * وأقرّ في الدنيا لعين المُجتلي * وصلتْ حبالي بالذي أنا أهلهُ * من وُدِّها وأنا رخيُّ المِطوَلِ * يا عبلُ كم من غمرةٍ باشرتها * بالنفس ما كادت لعمرُكِ تنجلي.
ثم يضيف معرّضًا: إما تريني قد نحلتُ ومن يكن * غرضًا لأطراف الأسّنة ينحَلِ * فلرُبّ أبلج مثل بعلكِ بادنٍ * ضخمٍ على ظهر الجواد مُهيّلِ * غادرتهُ متعفِّرًا أوصالهُ * والقوم بين مُجرَّحٍ ومُجدّلِ؛ إذن عبلة امرأة متزوجة، وقد تكون أمًا؛ أليس يدعوها «أم الهيثم» في خامس أبيات المعلّقة؟
ألم يجد عنترة غير أم الولد هذه يتغزّل بها؟ ثم ما باله يعرّض بزوجها: فلرُبّ أبلج مثل بعلكِ بادنٍ * ضخمٍ على ظهر الجوادِ مُهيّلِ * غادرتهُ متعفِّرًا أوصالهُ * والقوم بين مُجرَّحٍ ومُجدّلِ؛ وهو وعيدٌ كرره في المعلّقة: إن تغدفي دوني القناع فإنني * طَبٌّ بأخذِ الفارس المستلئمِ.
إذن عبلة لا تريده، لا في الزمان الأول حين كانت تسخر منه وتصدّه، ولا في الزمان الثاني حين أغدفت دونه القناع وتزوجت وصارت أم ولد. أما هو، فلو كان الأمر بيده لانقضّ عليها وأخذها سبيّة حرب، أليس القائل في معلّقته: يا شاةَ ما قنصٍ لمن حلّت له * حرُمتْ عليّ وليتها لم تحرُمِ =
فبعثتُ جاريتي فقلت لها اذهبي * فتحسسي أخبارها لي واعلمي * قالت رأيتُ من الأعادي غرّةً * والشاةُ ممكنةٌ لمن هو مرتمِ؛ عجبًا! أهذا عنترة الذي يقول: أغشى فتاة الحي عند حليلها * وإذا غزا في الجيش لا أغشاها * وأغض طرفي ما بدت لي جارتي * حتى يواري جارتي مأواها!
ما باله يتحيّن الفرص هنا ويتسقّط الأخبار ويراجع جاريته كي ينقضّ على الشاة؟ ألأنّ فتاة الحيّ من قومه، بينما عبلة أو هند في «أرض الزائرين» حيث لا تنسحب أخلاق المرؤة؟ ثمّ أهكذا يُكنّي عن الحبيبة؟ شاة قنص! وأبشع من حديثه عنها حديثه لها، حين يقول مرتجزًا يوم الهباءة:
إني أنا عنترة الهجين * فجّ الأُنانِ قد علا الأنين * تُحصد فيه الكفُّ والوتين * من وقع سيفي سقط الجنين * عندكمُ من ذلك اليقين * عبلةُ قومي تركِ العيون * فيشتفي مما به الحزين * دارت على القوم رحى المنون؛ ولا يخفاك أنّ هذا مما تخاطب به الإماء لا الحرائر!
إن كنت لا تزال تعلّق آمالا على رومانسية عنترة فاقرأ تقريعه لزوجته الطائية حين أخذت عليه إطعامه مهره وتجويعها: لا تذكري مهري وما أطعمتهُ * فيكون جلدكِ مثل جلد الأجربِ * إن الغبوق له وأنتِ مسوءةٌ * فتأوّهي ما شئتِ ثم تحوّبي * إنّ الرجال لهم إليكِ وسيلةٌ * إن يأخذوكِ تكحّلي وتخضّبي!
ماذا بقي إذن؟ فصاحته التي لا مراء فيها، وفروسيته التي صارت مضربًا للأمثال، لكن مهلًا، فنحن -ومثلنا الرواة- مسحورون بفصاحة عنترة، مسكونون بمشاهد معلّقته القتالية، نتخيّله يطعن حليل الغانية فتمكو فريصته كشدق الأعلم، ويقابل الفارس الذي كأن ثيابه على سرحة فيخضب بنانه ورأسه بالعظلم.
يجب ألا يفوتنا أننا أمام فنان يختار ما يعجبه من المشاهد ويسكت عما يسؤه منها، كذلك يجب ألا يفوتنا أنّ كل هؤلاء الذين وصف لقاءه بهم في المعلّقة نكرات مجاهيل، لا أحد يعرفهم، وهذا يخالف المعتاد من شعر العرب، حيث كانوا يفاخرون بأسماء الأعلام المقتولين، ويعددون السادة المجندلين.
لنسمع من الطرف المقابل إذن، حصين بن ضمضم، فلقد كان فارسًا وشاعرًا، وهو الذي ختم عنترة معلّقته بتهديده: ولقد خشيتُ بأن أموتَ ولم تدر * للحرب دائرةٌ على ابني ضمضمِ * الشاتمي عرضي ولم أشتمهما * والناذرين إذا لم ألقهما دمي * إن يفعلا فلقد تركت أباهما * جَزَرَ السباع وكل نسر قشعمِ.
ستقرأ الأبيات وتظن أنّ حصينًا فرّ إلى سابع سماء بعد سماعه وعيد عنترة، لكنّ الحقيقة نقيض ذلك، يقول حصين: أما بنو عبس فإنّ زعيمهم * أحلت فوارسه فأفلت أعورا * لمّا رأيت العبدَ وسط صفوفنا * متكررًا أكرهتُ فيه الأسمرا * فرددتُ عن جمع السراةِ سوادَه * ورددتهُ عن صفّ مرّة مدبِرا =
تركتْ بوجه العبدِ طولَ حياته * أرماحُ مرّة والأسنّة منظرا؛ ويؤكد نتيجة اللقاء قول عنترة يجاوبه: اصبر حصينُ لمن تركت بوجهه * أثرًا فإني لا إخالك تصبرِ * ما سرّني أنّ القناة تحرّفت * عما أصابت من حجاج المحجرِ؛ أهذا أبو الفوارس الذي لا يقهر؟ ما أحق حصينًا باللقب!
لا، أنا لا أنفي بطولة عنترة، لكنه ليس البطل الذي لا يقهر كما في السيرة! لا، أنا لا أنفي تهالكه على عبلة، لكن المرأة لا تريده وكانت تسعى جاهدة للخلاص منه! لا أنا لا أقزّم انتصاره على الأعراف الإجتماعية وانتزاعه حريته، لكنه هو أيضًا اقتنى العبيد وكرر نفس التحيّزات اللونية في شعره!
أحيانًا قد تكون الأسطورة أجدى من الواقع، والخيال أجمل من الحقيقة، وقد لا ينالنا من إزالة قشر البصل المتراكم طبقات سوى وجع العينين والدموع. لكن من أراد الحقيقة يصبر على وجع البصل، ثمّ لعلّ البصل يحميني من شبح عنترة كما كان الثوم يحمي من دراكولا، وما أحوجني إلى حماية بعد كل ما قلت.
جاري تحميل الاقتراحات...