لا أحد
لا أحد

@alzeir_

127 تغريدة 17 قراءة Sep 21, 2022
الفصل الثالث: السلفية المعاصرة: عوامل وظروف النشأة والازدهار.
محاور هذا الفصل📸
مقدمة:
أي تيار فكري أو اجتماعي أو سياسي يحتاج في ازدهاره وانتقاله من الهامش إلى المركز إلى اجتماع أربعة عوامل كبرى، وهي: الأفكار/القيم، الرجال، المال، السلطة.
والسلفية منذ دخلت مرحلة أفولها بعد حقبة الجيل الرابع لم تجد فرصة لاجتماع هذه العوامل إلا في حقبتنا هذه.
ما هي التيارات الإسلامية التي كانت في المركز قبل هذه الحقبة؟
أ- المؤسسات الرسمية التي حرصت الدولة الوطنية حديثة التكوين على احتضانها ودمجها في نظامها.
ب- الاتجاه الإصلاحي النهضوي التنويري بجذوره المتعددة وتجلياته المتنوعة من بذورة الأولى المتمثلة في الطهطاوي وخير الدين التونسي
إلى رموز الجيل الثالث الذين عاصروا بزوغ السلفية المعاصرة وربما التقوا معها في بعض القضايا، مثل: البنا، مؤسسي جمعية الشبان المسلمين في مصر، مؤسسي المنتدى الإسلامي في البحرين، جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، مالك بن نبي، الطاهر بن عاشور، محمد عبده.
ومنذ الربع الأخير من القرن العشرين استطاعت السلفية ان تستولي على المساحة المركزية داخل التيار الإسلامي.
وسيتم التركيز على مصر والمملكة لكون هذين البلدين مركز التيار السلفي في العالم، ومع ذلك فسنشير إلى مختصر تطور السلفية في عدد من الأقطار الإسلامية.
المحور الأول: موجز تطور السلفية المعاصرة.
في هذا الموضوع تطرق الكتاب بصورة مختصرة للسلفية المعاصرة في كثير من البلدان.
ولكونها مختصرة يصعب إعادة اختصارها، لذلك سأهتم بما يعيننا على فهم توزيع التيارات السلفية في العالم، وسأتجاهل بعض الدول إذا رأيت عدم تأثيرها على فهم الكتاب.
السودان: انتشرت السلفية المعاصرة في السودان على يد شيخ جزائري يدعى عبدالرحمن أبو حجر الجزائري وذلك في بدايات القرن العشرين، وكان على اتصال برشيد رضا، وخلف في السودان عدد من التلاميذ منهم التقلاوي أول رئيس لجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان.
توزعت السلفية بين العلمية والحركية
وينافسهم في الحضور الديني الاتجاهات الصوفية أما الأخوان فتواجدهم سياسي فقط.
ليبيا: كانت مسيطرة عليها الطريقة السنوسية، ولكن مع انتشار القمع بعد ثورة الفاتح تم حظر النشاط الديني حتى بداية هذا القرن.
ثم أدت رعاية بعض أبناء القذافي للتيار السلفي المدخلي إلى توسع وترسيخ تواجده.
تونس: شبيهة بليبيا، وبعد الربيع العربي ظهر عدد سلفي كبير، وهم سلفية علمية.
الجزائر: ينتشر فيه حاليا السلفية العلمية والمدخلية ثم الحركية والقتالية.
المغرب: وصلت السلفية إلى المغرب عبر الحجاج، وظهرت ملامحها الأولى على يد السلطان محمد بن عبدالله (1757-1790م) وابنه سليمان.
فلسطين: الحالة السلفية في فلسطين حديثة النشأة وتتنوع بين السلفية الدعوية، وكثير منهم من الجامية.
وظهرت مؤخرا السلفية الجهادية وتواجدها في قطاع غزة.
لبنان: تعد السلفية هنا حديثة النشأة على يد سالم الشهال.
فلسطين:📸
الأردن:📸
الكويت: التأريخ للسلفية في الكويت باعتبارها حركة يبدأ مع عبدالرحمن عبدالخالق في الستينات الميلادية.
وكان أول من أسس للعمل السياسي السلفي في الكويت، وعمل على إنشاء جمعية إحياء التراث.
وبعد غزو الكويت ظهرت حركة جديدة وأبرز مؤسسيها هم حامد العلي وحاكم المطيري وعبدالرزاق الشايجي.
شاركت السلفية الكويتية في العمل السياسي، وشهدت اختلاف بين أعضائها، كما تم تأسيس حزب (الأمة) الذي يعتبر قفزة غيرت مسار الحركة السلفية في العالم الإسلامي عبر إنشاء تيار الأمة.
قطر: سلفيتها امتداد للسلفية الوهابية، إلا أنه أقل صرامة وشدة في التطبيقات الإجتماعية.
آسيا:📸
أوروبا: وينتشر فيها تياران بشكل أساسي هما الجهادي الذي يمتزج نسبيا بالحركي، و التيار الجامي التقليدي المرتبط بالسعودية
اليمن: أن دخول السلفية الوهابية وتغلغلها في اليمن كان على يد الوادعي ومدرسته📸
البحرين: بدأ النشاط السلفي مع تأسيس جمعية التربية الإسلامية في نهاية الثمانينات، وتنوعت مصادرهم بين الجامية ومحمد سرور والصحوة والقيادات السلفية التقليدية.
المحور الثاني:
الدولة السعودية الثالثة: منصة إطلاق السلفية المعاصرة.
حافظ المؤسس عبدالعزيز على التحالف مع الوهابية لأمران مهمان:
1- مكون عقدي شَكَّل هوية الدولة السعودية منذ نشأتها الأولى مقابل خصومها الأقليميين.
2- إضفاء نوع من الشرعية الدينية في مقابل مزايدات الإخوان النجديين.
إذن فقد صارت للسلفية دولة، مما ساهم بشكل عظيم في ازدهارها وانتشارها، لكن ما معنى هذه العبارة؟
هل تعني أن انتشار السلفية كانت وراءه السعودية كسلطة سياسية؟
لا نعني ذلك، بل نراها فكرة تنطوي على خطأ واختزالية ساذجة.
ونرى أن ازدهار السلفية في العصر الحديث يرجع لمجموعة عوامل وأحد هذه
العوامل هو تأسيس السعودية الثالثة مع رفضنا تفسير هذا العامل بأنه السلطة السياسية.
تحتاج أي منظومة لتزدهر إلى هذه العوامل:
1- جاذبية الفكرة وقابليتها للانتشار.
2- رجال، رموز.
3- السلطة السياسية.
4- المال.
5- عدم وجود موانع أقوى تغلب كل هذا.
إن العنصر الأهم الذي أنتجه تأسيس
السعودية الثالثة على ازدهار السلفية هو المجتمع والفضاء العام السلفي الذي أدت هذه الدولة إلى وجوده حرا مستوليا على عدد من مؤسسات الدولة، ومسيطر على الموارد الأهلية وقادر على توليد الرموز واستقطابها.
وهذه الشبكة من حرية التصرف تحت رعاية سياسية (وإن لم يكن بدعمها المباشر) هي التي
ساهمت في توفير 3 من شروط ازدهار الأفكار.
أصبحت السعودية بيئة جاذبة لسائر الاتجاهات الإسلامية الفارة من جحيم النظم القومية.
أن الإتصال والتأثر الذي ساعد على انتشار السلفية كان اتصالا بالمجتمع والمؤسسات التي سمحت لها السلطة السياسية بالعمل.
المحور الثالث: التلقي المصري للسلفية قبل الصحوة.
محمد رشيد رضا ومجلته (المنار) هي القنطرة الأساسية التي عبرت عليها السلفية المعاصرة إلى مصر.
وتدرجت علاقة محمد بالسعودية من مرحلة التوافق الفكري إلا العلاقة المباشرة، وكان يرى بأن السعودية "أحيت دعوة الإسلام على مذهب أهل السنة".📸
أقدم التيارات السلفية في مصر هو التيار العلمي الدعوي، والذي مثلته جمعية أنصار السنة المحمدية التي خلفت مطبعتها مطبعة المنار في طباعتها للكتب السعودية.
ويمكننا القول أن هذه الجماعة هي القنطرة الأساسية التي "انتشرت" الدعوة الوهابية عن طريقها.
وفي نفس الفترة نرى علاقة بين الوهابية
وبين صاحب مطبعة وصحيفة الفتح وهو محب الدين الخطيب، وأيضا علاقة الأخوين أحمد ومحمود شاكر بالدعوة الوهابية التي تمثلت بقيام أحمد بمراجعة وإعداد عدد من الكتب السعودية، وأيضا قيامه برفع تقرير عن إصلاح أحوال القضاء للمؤسس عبدالعزيز.
أما محمود فعلاقته تقتصر على ذهابه للتدريس في السعودية واستلامه جائزة الملك فيصل، مع بقاء صلات علمية وثقافية مستمرة بالسعوديين.📸
المحور الرابع: الإخوان وحركة الضباط الأحرار: سقوط الحواجز.
بعد ثورة يوليو 52 وما تبعها من أحداث حتى عام حرب ٦٧ كان هناك تكبيل تام للتيارات الإسلامية، وبعد حرب ٦٧ بدأت تخف وطأة الدولة مما سمح باتساع دائرة النشاط الطلابي في الجامعات، وهو نشاط يتكئ على مكونين أساسيين:
أ-أخبار الإخوان وصدامهم مع الدولة.
ب-جماعة أنصار السنة التي لم يسجن رموزها والتي نشرت كتبها بكثرة على يد السلفيين.
هنا بدأت السلفية تجني شيئا من ثمرات عملها، وظهرت آثار ضعف التدوين الفكري عند الإخوان، إذ صارت الأفكار السلفية بصورتها المكتوبة هي المتداولة والمرشحة للتمدد في الفراغ
الذي أحدثته الحكومة.
يقول عبدالمنعم أبو الفتوح "وقد تأثرنا كثيرا بالتيار السلفي في مرحلة مبكرة من تكويننا الإسلامي".
"في هذا الوقت كانت الكتب الإسلامية تأتينا من السعودية بالمئات بل والآلاف وكانت كلها هدايا لا تكلف شيء".
وتكلم عن رحلات العمرة المجانية والتي مهدت الطريق لانتشار
الوهابية.
وقد شكلت السعودية بيئة استقبال للإخوان على وجه أخص، ووجدوا فيها فرصة لمواصلة حياتهم التي كاد يختطفها القمع الناصري.
كيف ساهم كل هذا في إسقاط الحواجز أمام تمدد السلفية؟
إن هذه العلاقات ساهمت في حقن الإخوان ببعض المكونات السلفية، العقدية أولا ثم الفقهية بشكل أقل بكثير.
المحور الخامس: جيل الصحوة طريق السلفية للازدهار.
في السبعينات حدثت تغيرات عميقة في المجتمعات العربية كالانفتاح الاقتصادي وحرب أكتوبر ومعاهدة السلام وارتفاع أسعار النفط والطفرة الخليجية، وإقبال العمالة العربية على السفر لهناك، وحركة جهيمان..
في هذا الجو بدأت الصحوة الإسلامية.
لقد قدمت الحكومات القومية المعادية للإسلاميين خدمة كبيرة للتيار الإسلامي ساهم في تكوين جيل الصحوة، وتتمثل هذه الخدمة في عاملين أساسيين:
1- ارتفاع نسبة المتعلمين عبر البرامج الحكومية التي وفرتها لهم الدول القومية.
وقد أرادت هذه الحكومات توظيف نخبة الشباب المتعلمين لخدمة مشاريعها.
2- فشلت هذه الحكومات في مشروعها واقترن هذا بقمع الإسلاميين مما أدى لبحث الشباب على جواب آخر عن سؤال الإصلاح عند الإسلاميين.
إن الصحوة لو سميت الصحوة السلفية لما كان بعيدا،حتى الأخوان تغلغلت فيهم السلفية،ولدينا 3 ركائز سلفية تساعدنا على فهم ما الذي قدمته السلفية للإخوان من الصحوة:
أولا: قضايا العقيدة والتوحيد، باستثناء بعض إخوان الشام كأبي غدة، وبعض إخوان مصر كحسن أيوب وبعض من خلط السلفية بغيرها كالقرضاوي.
ثانيا: انتشار اللاتمذهب وسط الأخوان.
وقد ساهم في قابلية الإخوان اللامذهبية أمران:
1- تبني بعض رموزهم لذلك.
2- فائدة السيولة الفقهية في الفاعلية الحركية للجماعة.
ولكن هناك فرق كبير بين المنهج السلفي الفقهي وبين الإخواني الفقهي، لكون الفقه السلفي قائم على مركزية النصوص، والإخوان مبني على سيولة فقهية من خلال تعظيم أبواب القواعد والمقاصد.
الركيزة الثالثة: الخيارات الإصلاحية والسياسية: وهي دائرة الفوارق الكبرى والأساسية بين الأخوان والسلفيين.
ما الذي قدمته السلفية بالتحديد للصحوة، كي تجتذب شبابها بهذه الصورة؟
أ- الأفكار، وجاذبيتها وقابليتها للنشر.
ب- المال الداعم للانتشار.
وهو على نوعين (مال خيري، مال تجاري).
ج- السلطة الراعية أو المحايدة.
د- الرموز.
وكانوا على ثلاثة أنواع:
1- الرموز المتفق عليهم عند أهل السنة؛ مثل: السلف.
2- رموز علمية يصنعون هويتها الفكرية في مقابل مخالفيها، مثل: ابن تيمية، ابن القيم، ابن عبدالوهاب.
3- رموز معاصرة؛ مثل: (ابن باز، ابن عثيمين، الألباني).
نتاج سلسلة الرموز هذه هو ما يصنع هوية الخطاب السلفي.
أن توظيف السلفية السعودية للرأسمال الرمزي📸
المحور السادس: ازدهار السلفية.
صارت السلفية في العصر الحديث تقدم نسقا متكاملا يحتوي على خمسة أركان:
أولا: رؤية إبستمولوجية تراثية.
ثانيا: رؤية عقدية.
ثالثا: رؤية فقهية.
رابعا: رؤية معاصرة.
خامسا: جواب إصلاحي عام كيف يتقدم المسلمون.
وأنتج هذا مسارين إصلاحيين أساسيين؛ الإصلاح:
1- الثقافي: يهتم بتصحيح عقائد الناس والاستجابة لله ورسوله في كل الأمور.
2- الحركي: يضيف على الثقافي حتمية مواجهة الواقع بصورة تنظيمية تصارع الدولة على المجتمع من خلال كيانات موازية.
3- العنفي: بإحياء الجهاد الإسلامي كمسار للإصلاح.
ولا أدل على ازدهار السلفية من أمرين:
1- شكاية الأشاعرة من الغربة، مع كونها تملك نفوذا في معظم المؤسسات الدينية حول العالم العربي.
2- شعور الأخوان الدائم بالتهديد من السلفية يصل إلى حد الاختراق الداخلي.
وثورات الربيع العربي صدمت العالم بعدد السلفيين، وقدرتهم على التنظيم والحشد مما جعل المتابعين لهذا الأمر يتوقعون
أن السلفية مقبلة على زمن ازدهار، ثم كشفت الأحداث أن هذه ربما صحوة ما قبل الأفول.
يبدو أن الضربة التي تلقتها السلفية كانت ذات عوامل ذاتية بصورة أساسية، ونجادل في هذا الكتاب بأن:
استجابة السلفية للتحديات التي قابلتها خلال 40 عام كان فيها من النقص والخلل ما أفقدها ميزة الاستفادة من حقبة الازدهار، وأدَّى لتكوين علل وأمراض داخلية ستوصله لحالة الأفول، وخسارة قدر لا يستهان به من مكتسبات حقبة الازدهار.
الفصل الرابع:
قراءة في الاشتغال المعرفي السلفي.
اخترنا خمسة نماذج أساسية للوقوف على الاشتغال السلفي المعرفي؛ وهي:
الحديث، أصول الفقه، الفقه، علوم العربية، العلوم الانسانية.
مع توصيف موجز للجهود التي قدمتها السلفية في كل مجال منها، وما أثر هذا الاشتغال عليها.
المُلَخِّص: سأختصر كثيرا من كلامهما عن مؤلفات الشخصيات التي ستذكر وسيرتهما لكي لا يطول التلخيص، وسألتزم أسلوبي منذ البداية، الاقتصار على ذكر الأفكار الرئيسية في الكتاب مع ما أراه واجب الذكر لتفهم الأفكار بشكل سليم دون إجتزاء مخل، والله الموفق.
المحور الأول: الاشتغال السلفي الحديثي.
منذ القرن 11 هجري عاش علم الحديث وهدة شاملة، فقط احتفظت الهند بوجود مدرسة حديثية اهتمت بشرح الحديث والكتابة في مصطلحه، وكان لبعض هذا الاشتغال طابع سلفي خاصة على يد مدارس أهل الحديث التي ارتبطت بشاه ولي الله الدهلوي، وارتباطا أقل بالوهابية،
ولاقت بعد ذلك دعما سلفيا في ظل الدولة السعودية الثالثة.
أما الحال في مصر فكان شديد السوء، فقل الاهتمام بالحديث كثيرا حتى من الأزهريون.
ثم وجدت ملامح من الاهتمام الحديثي عند محمد رشيد رضا (1865-1935) لفتت انتباه الألباني في صغره وكانت محورية في حياته.
البداية الحقيقية لعودة النشاط الحديثي كانت بعد عام (1350 هجري).
وكان هناك اتجاهين للاشتغال الحديثي:
1- الاتجاه السلفي، وحمل رايته أحمد شاكر ومحمد عبدالرزاق والمعلمي.
2- الاتجاه الأشعري الصوفي التقليدي، وأبرز رموزه محمد الكتاني وعبدالحي الكتاني و(أحمد وعبدالله وعبدالعزيز الغماري)
والكوثري وصولا إلى عبدالفتاح أبو غدة وآخرون.
وعلى مستوى مصر والشرق بعامة إذا استثنينا المغاربة وبخاصة الغماريين، لربما كان أحمد شاكر (1892-1958) أول من توجه للاشتغال العميق في الحديث وعلومه، وقدم عملا إبداعيا في الكثير من المؤلفات الحديثية أهمها "المسند".
يَطُل التطور المهم للاشتغال السلفي بالحديث مرة أخرى مع حالة المعلمي اليماني، وأهم مؤلفاته التي تتضح فيها شخصيته الحديثية هو: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل.
"يمكن القول أن التنكيل من أحسن كتب الردود في العصر الحديث قاطبة، ومطلقا مع كتابين أو ثلاثة".
ومجال إبداع المعلمي كان في الجرح والتعديل.
نصل إلى الألباني (1914-1999)، الذي يمكننا أن نؤرخ ونقول "الاشتغال الحديثي عند السلفيين بما قبل الألباني وبما بعد الألباني"
اقتصر اهتمامه أولا على النهوض بعلم الحديث، وجهود إصلاحية متعلقة بالعقيدة ومركزيتها، وصولا للفقه ومنهجية التفقه.
أُخرِج الألباني من سوريا بعد أن سجن فيها أكثر من مرة.
انتقل للسعودية واتصل بعلمائها وأثنوا عليه ثم تم اخراجه من السعودية بسبب مواقف علمية وسياسية ووشايات، وكان اسم الألباني آنذاك مقرونا بالاسمين الكبيرين ابن باز وابن عثيمين.
خروجه من السعودية كون له قاعدة مستقلة عن الاتجاه
العُلَمائي السلفي السعودي.
استقر بالأردن وألتف حوله الكثير من المريدين حتى وفاته.
كان الألباني قد نشأ في بيئة مذهبية حنفية قبل أن يحضر للشيخ محمد البيطار السلفي، ومن ناحية أخرى اتفقت مسألة الحكم على الأحاديث مع شخصيته المستقلة.
لاقت أعماله الحديثية المبكرة لاسيما الأجزاء الأولى
من سلسلة الأحاديث الصحيحة قبولا لدى الناس في وقت كان علم الحديث قد مات.
وسلسلة الأحاديث الصحيحة والضعيفة وكتاب "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" هذه الأعمال الثلاثة بمثابة الأصول لأعمال الألباني الأخرى.
وكانت قاعدة الألباني في اشتغاله الحديثي أنه لا يقلد أحد في منهجه، ولذلك فهو لا يتوقف في نقد وتخطئة أي من الأئمة حتى الشيخين.
وكان منهجه منهج المتأخرين، ويتطرق إلى السند غالبا دون نقد المتون.📸
وكان ممن تأثر به أبو إسحاق الحويني، وأعجب به الألباني وكان من القلائل الذين حازوا هذا الإعجاب.
يمثل الحويني حلقة مهمة في الاشتغال الحديثي في السياق المصري السلفي بعد فترة ركود التي تلت أحمد شاكر.
كان الحويني في بدايته ألبانيا صرفا يتعقب الأئمة كما نجد في أعماله الأولى
وتغير لاحقا وأعتذر عن ما صنعه في كتاب "تنبيه الهاجد"، وأصبح كثير التأني في إخراج الكتب.
الأثر الحقيقي للحويني كان إضفاء البعد الشعبي على علم الحديث في مصر وبخاصة في الأوساط السلفية، "الحويني كان قنطرة لطريقة الألباني ومنهجه في الحديث إلى مصر".
التطور اللاحق الذي يمكن رصده هو نموذج مقبل الوادعي، الذي درس على يد الألباني في الجامعة الإسلامية في السعودية.
كان الوادعي يوافق الألباني في توجهاته السياسية والإصلاحية.
سجن لثلاث شهور ثم أبعد من السعودية لمدة عقدين بعد أحداث جهيمان حيث كان لمقبل علاقة وطيدة ببعض أفرادهم.
كتب خلالها مؤلفات ضد الدولة السعودية ثم بعد ذلك تغيرت نظرته وتوفى في السعودية بعد رحلة علاج هناك.
بعد عودته لليمن أنشأ مدرسة مستقطبة للسلفيين في بلدته دماج وبدأ نشاطه في تدريس الحديث على المنهج الألباني.
وقد أثنى على الألباني بوصفه بالمجدد، وأثنى الألباني عليه واستشهد به في مواضع؛ حتى قال "هؤلاء الذين ينتقدون الشيخين -أي المدخلي والوادعي- إما جاهل فيعلم أو صاحب هوى".
ثم تغير الوادعي وأصبح يسلك طريقة العلل ويقرر صراحة أنه لا ينبغي للمعاصرين أن يصححوا حديثا أعله أكابر علماء الحديث.
وله نصوص في مخالفة طريقة الألباني، إلى درجة التصريح باسم الألباني عند المخالفة.
رغم أن الوادعي قليل الانتاج إلا أنه تطوير نوعي لمدرسة الألباني وثم للمدرسة السلفية الحديثية ونرى أن فهمه في الحديث أحسن من فهم الألباني ونظرته التعليلية ممتازة جاوز فيها الألباني منهجيا.
وهذا لا يعني أنه إمام في العلل، هو متوسط فقط.
ومن تلاميذ الوادعي مصطفى العدوي، وهو أيضا له ملاحظات على الألباني في الحديث والفقه.
وللعدوي نتاج فقهي مؤسس على طريقته الحديثية وهو النتاج الفقهي الذي جعله هو و العلوان و الطريفي يمثلون خطا فقهيا سلفيا أكثر تحررا من السلفيات الأخرى
فهم أبعد عن التقيد بالمذاهب وأبعد في الوقت نفسه عن التزام أخبار من الجنس الذي يصححه الألباني مع عناية بأقوال الصحابة والتابعين.
والمساهمة الأهم للعدوي في علوم الحديث هي المدرسة التي أقامها في منية سمنود-مصر، وخرج منها عددا من طلاب العلم الذين يسيرون على نفس منهجه.
أما الجزيرة العربية بعموم فلا نجد أن علم الحديث كان مستقل قبل الألباني، فلم يبرز محدث فَذ منذ قيام الدعوة الوهابية حتى السعودية الثالثة.
ولكن مع تطور حركة النشر في علم الحديث خاصة بعد طباعة كتب العلل بدأت تنشط حركة حديثية سلفية أولت كتب العلل عنايتها، مما أدى إلى ظهور عدد جيد من
المحدثين (ذكر في الكتاب عدد من الأسماء لم أرى الحاجة في نقلهم).
يمكن القول أن علم الحديث هو أعظم مجالات الاشتغال السلفي العلمي.
تفوقت فيه على الأشعرية في المجال التطبيقي والنظري، بينما حافظت الأشعرية على ميراثها التقليدي باستمرار الإجازات.
والسبب في تفوق السلفية يعود إلى الارتباط
بين السلفية والحديث.
السلفية تنزع إلى الاجتهاد وترفض التقليد لذلك هي بحاجة إلى النص الصحيح الثابت لبناء أقوالها.
وأيضا للألباني دور واضح، فالسلفية بالنسخة الوهابية عاشت قريب القرنين ثم دخلت السعودية الثالثة ولمدة 40 عام دون ذلك الاهتمام الحثيث بالسنة وعلومها إلا بعد الألباني
أخيرا: نرى أن هذا الاشتغال مرشح للاستمرار في التطور، لانتشار الأعمال الجيدة على المستوى الأكاديمي فيه، إضافة إلى الطبيعة الحية التراكمية البنائية في الأعمال فيه، فنلحظ تجاوز فعلي لمرحلة الألباني على مستوى الأبحاث الجامعية ومناهج أساتذتها.📸
المحور الثاني:
الاشتغال الأصولي عند السلفية.
ليس هناك اهتمام سلفي معاصر حقيقي بأصول الفقه.
وتعد "المذكرة" أهم تأليف سلفي في الأصول وصاحبها هو محمد الأمين الشنقيطي الذي نعتبره أكمل نموذج سلفي معاصر من الناحية المعرفية، سواء في الأصول أو التفسير أو العربية أو غير ذلك.
ما هو سبب ضعف الاشتغال السلفي في الأصول؟
هناك اعتراف ضمني بأن علم الأصول غير سلفي بالأساس لكونه غير مؤسس على الدليل.
ولقد صرح الوادعي بهذا المفهوم، بل وصل الأمر بالوادعي أن ينفي حجية القياس والإجماع.
وينبه الوادعي إلى أن هناك فرقا بين الأصول عند أهل الحديث وأهل الفقه.
يرى أن أهل الحديث أصولهم قال الله وقال رسوله، أما أهل الفقه فمنهم من يحتج بالاستحسان ومنهم من يحتج بالقياس ويرى قول الصحابي حجة وغير ذلك.
ونرى نحن بوجود فروق بين أهل الحديث والفقهاء في الاشتغال الفقهي، وأن هذه الفروق مبنية على خلاف في الأصول، ولكن إشكالية الوادعي هي في الضحالة
المعرفية الواضحة في تصوير ذلك الخلاف وتسطيحه، بحيث جعل فقه أهل الحديث هو مجرد الأخذ بالظواهر!
وينكر الوادعي القياس قائلا "الذي نعتقده وندين الله به أنه ليس بحجة"
فالقياس نوع من الرأي والحديث في ذم الرأي.
ومع ذلك فهو يجيز للعالم أن يقيس دون أن يدعي القائس أنه دين الله!!
وهذا تأصيل واضح التناقض؛ فإذا كان القياس من الرأي وجاءت الأدلة على ذم الرأي=فكيف يتعاطاه المجتهد؟
وماذا يستفيد منه المجتهد إذا كان يتعاطاه على أنه لا حجية فيه!؟
أما كلام الوادعي عن الإجماع فقد يشترك مع بحث مستندية الإجماع واشتراط كثير من الأصوليين أن يكون لكل إجماع مستند
بحيث يكون الإجماع حجة ثانية مع النص، كما ينص ابن تيمية.
إلا أن الفرق بين الاتجاهين هو أن معنى المستند نفسه مختلف بين الوادعي وبين الأصوليين، فالمستند عند الوادعي ينسجم مع رؤيته الظاهرية فيقصد بها مجرد المتبادر الذي يفهمه من النص📸
نخلص مما تقدم إلى حالة العزوف التي يتسم بها الاشتغال السلفي الأصولي.
وبعيدا عن البحوث المختصرة الدائرة في فلك الورقات وشروحها أو حتى روضة الناظر ومختصراتها = لايوجد اشتغال سلفي بالكتب المؤسسة لعلم أصول الفقه.
وينبغي التوضيح أن أصول الفقه تأثر بعلم الكلام، وفيه مباحث دخيلة📸
نأتي الأن على الإشكالية الكبرى في علاقة السلفية بالأصول، هي إشكالية التوظيف الأصولي في الدرس الفقهي على مستوى التحرير في المباحث الأصولية، وعلى مستوى الاستنباط وتخريج الأصول السلفية التي قام عليها فقه السلف، أو على مستوى الاشتغال الفقهي.
وينتج عن هذا مجموعة من الإشكالات من أهمها:
أولا- الخلل الحاصل بسبب تنزيل الرواية منزلة السنة.
وهو بحث حديثي من حيث أثر نظر الفقهاء المهجور عند السلفية كما أشرنا سابقا.
وأصل ذلك أن السنة هي ما كان عليه النبي، ذلك ما لا يختلف فيه، ثم إن الذي يدل على ما كان عليه النبي دلائل كثيرة غير محصورة في الرواية فقط📸
ثانيا: الخلل الحاصل في أبواب الاجتهاد والتقليد والاختلاف وتحرير ما هو القول الشاذ.
ثالثا: الخلل الحاصل في أبواب التيسير والمقاصد والقواعد والذرائع.
رابعا: أصول فقه لم يكتب بها فقه📸
المحور الثالث: الاشتغال الفقهي عند السلفيين.
ابن تيمية، وكالعادة هو نقطة الانطلاق الصحيحة، لتحليل التكوين الفقهي للسلفية المعاصرة.
موقف ابن تيمية من قضية الاجتهاد والتقليد والتمذهب هي التي كونت سمات السلفية المعاصرة في الفقه.
والملاحظة الأولى على اشتغال ابن تيمية الفقهي هو عدم
التصنيف الفقهي المتكامل، وقلة التصنيف الفقهي العمدي عموما، فلم يهتم ابن تيمية بتدوين مذهب فقهي يشتمل على آرائه.
وسئل عن ذلك فقال ما معناه: الفروع أمرها قريب، ومن قلد فيها أحد العلماء المقلَّدين، جاز له العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه.
ومما يثير الانتباه أن هذا هو نفس التصور الكلامي
عن الفقه، وهذه القضية تحتاج تحليل يقارن بين عناية ابن تيمية بالجدل وبين عناية الفقهاء المتقدمين له، مقارنة بعنايتهم بالفقه والأحكام.
حتى المسائل الفقهية التي توسع في بحثها ابن تيمية قد كان لها في الغالب تعلق عقدي ما، الفقه عند ابن تيمية يحتل المركز الثاني، والأول هو لأصول الدين.
نشأ ابن تيمية في بيئة حنبلية، ولكن بعد اكتمال شخصيته العلمية يبدو عليه تخليه عن المذهبية بمفهومها الصارم، وقد صرح برفض نظام التقليد المذهبي، ونصر رؤية الاختيار بين المذاهب المختلفة بحسب قوة الدليل، وهذه أحد الملامح الرئيسية التي تشكل الاشتغال الفقهي السلفي المعاصر.
والحنابلة المعاصرون لابن تيمية تنبهوا لذلك وانكروا عليه تدريسه في مدرسة ابن الحنبلي وهي وقف على الحنابلة، ورد عليهم.
على كل حال فالمنهج الفقهي لابن تيمية طراز عال نادر في تاريخ الفقه.
إذا وصلنا للدعوة الوهابية فقد كان ابن عبدالوهاب ينسب للحنابلة تلقائيا، ولقد تعدد الطعون الموجهة له من علماء نجد والحجاز والبلاد المجاوة الموالية للعثمانيين ما بين اتهامات عقدية وفقهية وسلوكية.
وكانت أهم الاتهامات الموجهة للشيخ هو إدعاءه الاجتهاد، ونفى ذلك عن نفسه بقول
"هذا بهتان عظيم"، ونفى طلبته وأبناءه عن الشيخ هذه التهمة.
الدعوة الوهابية كانت متأثرة بالطابع التيمي سابق الذكر ولكنها كانت أكثر تواضعا واعترافا بالفروق الإمكانية بينها وبين الأئمة المجتهدين، وأن الاجتهاد لذي الأهلية والتقليد واجب على العوام كما هو التقسيم الذائع؛
لكن الجديد في التجربة التيمية كان في تفعيل الاجتهاد، فهل فعلت الوهابية نفس الأمر، أم اكتفت بالقبول النظري؟
نرى أن الوهابية طبقت هذا المنهج عمليا في مسائل الفقه التي لها تعلق بالاعتقاد فحسب، أما في بقية المسائل الفقهية فهم حنابلة تقليديون.
ومسألة الطلاق لدى ابن تيمية وكيف تعامل معها عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب تدل أنها لم تكن معلومة للجميع، فلم يكن الشيخ📸.
ومع ذلك فيلاحظ أن الوهابية خاصة في السعودية الثانية حرصت على مكافحة علماء نجد الحنبليين التقليديين، غير الوهابيين.
أما السلفية المعاصرة التي نرى أنها مرتبطة أكثر بالدولة السعودية الثالثة ومالحقها من أحداث.
لقد حافظ علماء السعودية على ارتباطهم بالحنابلة.
ويفرق الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الدولة السعودية الثالثة الأول بين التقليد والاقتداء، فالاقتداء هو اتباع قول الغير الذي يراه أعلم منه بالدليل
أما التقليد فهو أخذ قول القائل من غير نظر إلى دليل.
والاقتداء من طريقة السلف وهو الحق.
ويرى أن التمذهب سائغ بل هو كالإجماع، مع عدم هجران النظر في الدليل والأخذ به، فالذي فيه نص أو ظاهر لا يلتفت فيه إلى مذهب.
ولا ينبغي الفصل بين الحالة السياسية التي عاشتها السعودية في حياة المؤسس
وبين الحالة العلمية، فقد حرص عبدالعزيز على دمج الوهابية بالحنبلية في إطار الحركة الإصلاحية العامة، التي اتخذت منحى سلفيا أيضا ولكن غير حنبلي، كما نجد في رمزي السلفية الإصلاحية: الأفغاني، ومحمد عبده.
بعد انهيار الخلافة العثمانية حاول كثير من الإصلاحيين جعل المملكةخلافة جديدة.
كل ذلك حفز عبدالعزيز للخروج من ضيق الوهابية الحنبلية إلى سعة الإصلاح الإسلامي العام، ولا نغفل عن صراعه مع إخوان من طاع الله الوهابية.
وتحقق تذويب الحنبلية الوهابية في الإطار الإصلاحي العام في التواصل والجذب الذي حققته المملكة مع العديد من الشخصيات الإصلاحية
كجمال الدين القاسمي وعبدالرزاق البيطار ومحمد كمال القصاب ومحمود الألوسي ومحمد الفقي ومحب الدين الخطيب ومحمد رشيد وصولا إلى شخصيات غير إسلامية بالإطار الخاص كالمسيحي أمين الريحاني ومحمد كرد علي وأحمد أمين وطه حسين والعقاد، وغيرهم📸
لقد التزم ابن عثيمين المنهج الاجتهادي على نحو لم يسبق من قبل في الوهابية، حتى أحصى بعض الباحثين في شرح ابن عثيمين لزاد المستقنع أكثر من مائتي مخالفة للمذهب أو المؤلف في أبواب الطهارة إلى الاعتكاف فحسب.
ونزعة ابن عثيمين هذه تعود لشيخه ابن السعدي المعروف بجرأته العلمية.
أما إذا عطفنا للشخصية الثانية "ابن باز" المفتي الثاني للمملكة والأكثر تأثيرا في الوسط السعودي، مجتمعيا وعلميا، نظرا لطبيعة منصبه ونفوذه بالإضافة لسماته الخاصة حيث كان يتسم بالتواضع ولين الجانب، والعلاقات الجيدة مع الجهات والشخصيات الإسلامية في جميع أنحاء العالم وإن كان تأثير
منتجه العلمي أقل من العثيمين الذي يحظى بسطوة أوسع عند طلبة العلم السلفيين خارج المملكة خاصة مصر.
يعزو بعض الباحثين أن تحرر ابن باز من المذهب الحنبلي كان تأثر بشيخه النجدي سعد بن عتيق الذي سافر إلى الهند واتصل بعلمائها ثم عاد إلى نجد ونشر كتب الشوكاني ونحوه مما أثر على ابن باز.
ننتقل الأن للألباني الذي يعتبر ذروة التطور السلفي في الاشتغال الفقهي الاجتهادي.
من خلال اشتغاله الحديثي توفر للألباني ذخيرة نصوصية كبيرة قام بتوظيفها في اشتغاله الفقهي الاجتهادي مع جرأة في مخالفة أي شخص أو مذهب، رغم قلة بضاعته في الأصول وعدم تحقيقه الكافي للنصوص الفقهية
إلا أن سعة اطلاعه ووفرة النصوص لديه -والتي كان يتفوق فيها على معاصريه السلفيين- كانت تعويضا كافيا.
ومقدمة كتابه "صفة صلاة النبي" يعتبر المتن السلفي في نقض التقليد المذهبي.
وتأليفه الفقهي ينطلق من النصوص والاعتناء بضبط ثبوتها وبيان الصحيح من الشاذ والمعلول، وإدارة البحث الفقهي
برمته حول ما يثبت من ألفاظ المتون، وعلاقات العموم والخصوص والإطلاق والتقييد.
لقد كان هذا النمط من التأليف يسمى قديما: أدلة الأحكام، ولم يكن يغني عن السرد الفقهي في النصوص الفقهية المألوفة؛ إلا أن التطوير الذي أجراه📸
ومن ذلك يرى الألباني أن وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع بدعة لعدم وجود الدليل، مع معرفة الألباني بأن هذا القول في المسألة هو قول لأحمد بن حنبل، ولكن العبرة لديه بالنص.
نبذ الألباني التمذهب ماعدا التقليد للعامي (تأصيل سبق ذكره)ودعا إلى نبذ كتب المذاهب عند المقدرة على ذلك
وهذا تطور في الاشتغال الفقهي لم يكن قبله في الأوساط السلفية، حتى وصل به الأمر رفض الانتساب إلى الوهابية، ويرى أنهم حنابلة بينما هو ليس بحنبلي بل ينتسب إلى الرسول مباشرة.. حتى قال "أما الوهابية: فما لي ولها؛ فأنا أنقدها؛ ربما أشد من غيري، وربما الحاضرون يعلمون ذلك"📸
نأتي الأن إلى الوادعي تلميذ الألباني والمتحمس أكثر لتسليف الفقه، فقد كان أكثر ظاهرية حتى نسب إلى المذهب الظاهري.
يرى الوادعي أن التقليد حرام، والمقلدة مبتدعون، وطلب العلم فريضة على كل مسلم، ويرى أن التمذهب من اتباع غير ما أنزل الله وأنه مدعاة للتفرق والتحزب، ويرى أن طلب العلم سهل
فيكفي أن تحفظ القرآن في سنة، وتعرف صحيح السنة من سقيمها، ولسنا بحاجة إلى كتب الفقه وخلافاتها "فكتاب ربنا وسنة نبينا ليس فيهما اختلاف والاختلاف في أفهام أهل العلم وأهواء بعض أهل العلم"
وهذه الرؤية وجدت لها طريق نحو شريحة واسعة من السلفيين، الذين فضلوا أن يدرسوا لمدة عام ثم
يتصدرون للإفتاء والتأليف على الطريقة الاجتهادية.
يرد الكاتبان على طرح الوادعي بالقول:📸
والمذهب الحنفي ليس محبذا عند كثير من السلفيين باعتباره مذهب أهل الرأي.
والوادعي أكثر السلفيين صراحة في ذلك الصدد، فقد أخرج كتابا جمع فيه مثالب أبي حنيفة الواردة عن أئمة الحديث.
📸
وانكر الوادعي هذا، والحقيقة أن انكاره هو على غرار انكار السلفيين أنهم وهابية أو تيمية.
يمثل الوادعي قمة الرديكالية السلفية في الفقه، مجاوزا الألباني ومنطلقا بصورة طردية في تطوير الأخطاء السلفية في النظر الفقهي ومنهجيته إلى منتهاها،بما أثر بشكل سلبي على عموم الاتجاه السلفي الفقهي.
بعد هذا الاستعراض التحليلي التاريخي؛ ينبغي أن نبحث في قضايا نقدية ثلاث حول الاشتغال السلفي بالفقه.
القضية الأولى: هل يعتقد السلفيون أن هناك فقها سلفيا، وأن السلفية ليست فقط مكونا اعتقاديا؟
نعم، وذلك على أربعة مستويات:
المستوى الأول: إلتزام الدليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويبقى هذا المعيار منهجي نظري يدعيه كل أهل السنة، لذلك كان على السلفي أن يبرهن على هذا المنهج في اشتغاله الفقهي التطبيقي.
المستوى الثاني: جعل التزام الدليل مقولة منهجية في مقابل المذاهب الفقهية وليست في مقابل الهوى.
وهذا من أثر الشوكاني والصنعاني، على خلاف طريقة ابن تيمية وابن القيم التي تجعل الأدلة في مقابلة الهوى، مع القول بعدم لزوم التمذهب.
وليس الإشكال في حد ذاته هو القول بالدليل بدلا من المذاهب، لكن الإشكال أن تلك الدعوة قامت على خللين؛ هما:
1- خلل في التصور، بمعنى تصور الدليل (كتوجه السلفية للأخذ بظواهر الأحاديث الصحيحة)
2- خلل في الممارسة، وذلك لفقر في آلة الاجتهاد.
والسلفيون في هذين الخللين يخالفون مسلك ابن تيمية الاجتهادي.
المستوى الثالث:📸
الصنف الثاني: مسائل يحصل فيها نوع من المبالغة ورفض الاجتهاد المعاصر، رغم عدم وجود مسوغ لهذا، كمسائل عورة المرأة، والتصوير الفوتغرافي، وزكاة الفطر مالا.
الصنف الثالث:📸
المستوى الرابع:📸
القضية الثانية: هل السلفية نصوصية ظاهرية؟
بهم نزعة ظاهرية؛ بمعنى اعتماد المتبادر لأول وهلة من النص.
ومع ذلك ينبغي ملاحظة أن هناك افتراقا بين السلفية والظاهرية المعروفة في التاريخ الفقهي، فإن للسلفية مبان تميزها عن الظاهرية، كالاحتياط في الفتوى المائل للتحريم والتوسع في سد الذرائع
أما الافتراق الثاني فهو أداتي اشتغالي فإن ابن حزم وإن كان ظاهريا في اشتغاله الفقهي إلا أن طبيعة جهازه العقلي طبيعة منطقية، حتى أنه اعتمده في أصول الدين على نحو واسع،
فضلا عن سعة علمه في العربية والآثار ومواطن الإجماع والخلاف، وهذه الأدوات يفتقر إليها الاشتغال السلفي في الفقه.
القضية الثالثة: سياسات السلفية المعاصرة في التعامل مع الخلاف الفقهي؟
هي قليلة الاعتراف أو الاستيعاب للخلاف الفقهي خاصة في المسائل التي جهلتها شعارا لها، وهذه في دائرتها نفسها فكيف مع مخالفيها.
إذا أردنا أن نحلل السمات العامة للاشتغال السلفي في الفقه؛ فإن النموذج الثلاثي (ابن باز، ابن عثيمين، الألباني) كانوا هم المشكلين للاشتغال الفقهي للسلفية المعاصرة في الحقبة الصحوية.
ولا نغفل عن أثر الوادعي، الذي تسرب شعوريا أو لا شعوريا فيما نرى إلى الاشتغال السلفي بالفقه.
ليس هناك فقهاء سلفيون من الطراز الأول إلا في حالات نادرة، وهذا سمة عامة للعصر الحديث وليست خاصة بالسلفيين.📸
الفقه السلفي بسيط لا يحب التفصيل ولا تعداد الحالات يميل إلى المباشرة والقول📸
القول البتة في تحريم الكرفتة، القول المأمون في بدعية البابيون، يضع أقوام هذه العبارات للسخرية من عناية التيار السلفي ببعض جزئيات الفقه الدقيقة📸
المحور الرابع: علوم العربية.
هي النحو والصرف والبلاغة والنقد وفقه اللغة والأدب، والسلفيون يعتنون بدرجة ما بالنحو ثم أقل بالبلاغة ثم أقل كثيرا بالصرف، أما الأدب وفقه اللغة فهما مهجوران إلا على مستوى الكليات المتخصصة ولايجد هذا الاشتغال طريق إلى الوسط السلفي العام إلا نادرا.
وحتى الاهتمام بالنحو هو اهتمام مدرسي وليس نوعي، هدفه فقط آلي توظيفي.
والمشتغلون بالأدب يعانون من نفس ما يعاني منه المشتغلون بالفكر الإسلامي (عدم الاعتراف).
كما أن النزعة النصوصية للسلفية التي تعتمد الظاهر لها من أنه خير للمرء أن يمتلئ جوفه قيحا، ولا يمتلئ شعرا -حديث نبوي-
وأن العلم قال الله وقال رسوله، تسهم في هذا العزوف.
مع وجود علماء كبار مهتمين بالأدب من السلفية مثل: محمود شاكر.
الألباني الذي كان يقرأ في دروسه في الشام كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة.
وبكر أبي زيد كان له اشتغال أدبي ولغوي.
عبدالمحسن العسكر له اشتغال بلاغي.
والشيخ حمد الجاسر الذي كان له دور كبير في تأسيس لما يعرف بالأدب الإسلامي.
ولكن هذه مجرد نتواءات على هامش السلفية.
📸
والمحور الدلالي هو أهم ما يعتني به المجتهد والباحث عن تفسير كلام الله ورسوله، ثم يأتي بعده بمفاوز الصرف لا النحو كما يظن الناس.📸
المحور الخامس:
العلوم الإنسانية.
إذا كانت العلوم التراثية الدينية هي طريق تحرير النظر في المنهج الذي ستتم بواسطته محاكمة الواقع وظواهره وقضاياه معياريا= فإن العلوم الإنسانية هي طريق تحرير النظر في هذا الواقع وتبين ظواهره📸
ثانيا: عدم وجود مشاركة سلفية في هذه العلوم.
ثالثا: تضييع فرص كبرى للابداع في العلوم الدينية عن طريق الوصل بينها وبين العلوم الإنسانية.
السلبيات الثلاثة هذه هي من ناحية الأطر العامة للنقص، وتبقى الإشارة للخلل الذي دخل بصورة مباشرة على المجالات المعرفية التي تعد العلوم الإنسانية
أداة أساسية لها، مثل دراسات الفكر الإسلامي والتي تعتني بالبحث في الصلة بين الواقع الثقافي والمنهج.
مما جعل واقع منتج الفكر الإسلامي في القرن الأخير واقعا هشا تنتشر فيه الأخطاء من كل نوع.
وليس هذا عادة المسلمين حين يلجون في أي مجال علمي، فقد كان أسلافنا مبدعين في كل مجال طرقوه
والفارق هو الرجال وأدواتهم.
لولا عناية بعض الاتجاهات السلفية الحركية بالدراسات الفكرية لكان هذا الباب مهجورا بالكلية عند السلفيين.
وإن كانت الساحة السلفية قد شهدت في السنوات الأخيرة تطورا وتجويدا في هذا الباب يقابل من بعض السلفية بالاستنقاص وعدم الاعتراف.
وهذا الاستنقاص ولد عدم تواصل بين هذه الحقول مع أن التواصل كان سيؤدي إلى نتائج يعم بها النفع.
ويمكن أن نضرب مثالا على هذا النفع بثلاثة حقول:
1- الأسرة وفقهها وأحكامها وواقعها الاجتماعي.
2- حقل الألحاد ومواجهته بالاستعانة بالخبراء النفسيين.
3- التعامل مع المسلمون في الغرب.
ولكي نوازن النظر في هذا الباب نقول أن دعوانا للاشتغال بهذه الحقول من الإسلاميين عموما والسلفيين خصوصا على نوعين:
1- أن يكون منهم نخب تتخصص في هذه العلوم.
2- أن يشتغل المختصون بالعلوم الدينية بالقدر الضروري من العلوم الإنسانية.
ويجب أن يحسن الفقيه اختيار الجزء الذي يكفيه وأن يعرف
متى يتوقف عن التوغل في هذه العلوم لكيلا يضيع طريق تخصصه الأساسي.
ولدينا مثالان على التحصيل الثقافي الواعي:
1- ابن تيمية.
2- عبدالوهاب المسيري.
أخيرا: كل قضية يتوقف الحكم الشرعي فيها على العلم بمقدمات من علوم غير دينية كالطب أو السياسة=فإن من أفتى فيها وهو جاهل بتلك المقدمات📸
تكملة بقية الكتاب ستكون هنا.

جاري تحميل الاقتراحات...