ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

18 تغريدة 139 قراءة Aug 20, 2022
الجميلة والوحش لم تكن أبدًا قصة خيالية؛ ذلك الفيلم الكرتوني الشهير الذي لا تزال قصته محفورة في ذاكرتنا، كان فيلمًا مستمدًا من قصة حقيقية، فبالفعل كان هناك جميلة أحبت وحشًا.. كيف ذلك وما القصة؟!
حياكم تحت
حفل ملكي مهيب يضج بالحاضرين المترفين القادمين من كل حدب وصوب، إنه العام 1547 حيث تنصيب هنري الثاني ملكا جديدًا على فرنسا، هدايا كثيرة غريبة وعجيبة؛ جلبها الضيوف كما تقتضي العادة، على أن قيمة الهدايا - حين تهدى لملك- لم تكن تكمن في قدرها المادي؛ بقدر ما تكمن في غرابتها وندرتها.
طيور تتحدث، وقطط برية، وفهود ونمور، وحيوانات لم يعرف لها الحضور مثيلًا من قبل كالزرافة ، هكذا كانت معظم الهدايا، لكن ما لفت الانتباه هو ذلك المخلوق العجيب القابع في تلك الأقفاص، إنه أقرب شبها بالإنسان في استقامته؛ لكن الشعر يغطي كامل جسده كالقردة وربما أكثر.
ذلك الوحش أو المخلوق العجيب القادم لتوه من الأدغال أثار انتباه الملك، وخطف دهشة الحاضرين؛ لتلك الدرجة التي التفوا حوله، ظنًا منهم أنه ذلك الوحش البري الخرافي ذو القوة الخارقة والهيئة الوحشية الذي ينقض على الأطفال ليلًا ويأكلهم، تبعًا لقصصهم وحكاياهم المرعبة حينذاك.
بعد انتهاء الحفل قام الحراس باقتياد الوحش المكبل إلى أقبية القصر لفحصه من قبل الأطباء الخائفين والمتربصين من مخاطره، بعد فحصه وتأكد الأطباء من أنه غير مفترس، وأقرب جسديا إلى إنسان؛ أمر الملك بتحويل الوحش لشخص مُروّض بغرض الاستفادة من قواه المزعومة.
منحه الملك اسم "بتروس" ومنذ ذلك الحين تغيرت حياته إلى مسار جديد كليًا، إذ وضع في مكانة النبلاء وجرى معاملته وفقًا لذلك؛ من حيث الكسوة والطعام والمعيشة، فيما أوصى الملك بتعليمه فنون القراءة والكتابة، وهو نهج حرر بتروس تماما من خوفه وجعله يكتشف نفسه المجهولة.
تغيرت حياة بتروس من رجل أدغال مخيف إلى رجل يتصرف كالنبلاء بعد اهتمام الملك به، لكن قلبت له الحياة مرة أخرى ظهر المجن، حين اختطف الموت حياة الملك في إحدى المبارزات، لتتولي أرملته "كاثرين" الحكم، ولتتغير بها ملامح المملكة، وكذا حياة بتروس إلى الأبد.
كانت "كاثرين" ملكة قاسية ودموية، تحكمت في حياة بتروس تمامًا، وأرادت أن تستثمر فيه كمخلوق عجائبي، وأن تصنع منه نسخًا كثيرة توزعها كهدايا، لذلك أرادت له الزواج حتى ينجب الكثير من الأطفال البريين المتوحشين كي تتباهى بهم بين ملوك أوروبا كما جرت العادة.
من بين مرشحين كثر للزواج وقع اختيار الملكة على فتاة قوية شجاعة تدعى "كاثرين"، وهي ابنة لأحد العاملين في القصر الملكي؛ حرصت الملكة على اختيارها شجاعة قوية كي تتحمل صدمة الزواج بهذا الوحش ، لكن رغم كل هذه الاحتياطات لم يكن من "كاثرين" العروس؛ إلا أن سقطت مغشيا عليها حين رأته!
لقد بدا بتروس في هيئة مخيفة تثير الفزع وتستجلب كثير من الأسئلة حول ماهيته؛أهو إنسان حقًا مثلنا
لقد كان الشعر يغطي جسده ووجهه بالكامل، وكأنه قد قدم لتوه من الغابة؛ أما القصر الملكي فقد كان ينتظر كيف ستكون ليلة كاثرين مع ذلك الوحش، هل سيفتك بها وتظهر وحشيته أم ستمر الأمور بسلام؟
قضت كاثرين شهورها الأولى مع هذا الوحش المفترض في خوف ونفور، لقد تزوجته رغمًا عنها بأمر ملكي، وها هي تساير الحياة لعل وعسى تنجو منه يومًا، لكن كاثرين لم تجد من هذا الوحش ما هو مفترض بالوحوش، بل على العكس كان إنسانًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ إنسانًا أكثر من كثيرين.
من الصدمة والوقوع مغشيًا عليها لمجرد رؤيته، إلى الانشراح والوقوع في حبه والهيام به، هكذا أضحى حال كاثرين بعد سنوات قليلة؛ لقد كان الوقت كفيلًا أن يكشف لها عن مدى الإنسانية والطيبة والنبل الذي يتمتع به بتروس، لذا ودون أن تدري ارتضته زوجًا وأحبته من كل قلبها.
أحبت كاثرين بتروس وأنجبت منه سبعة أطفال؛ أربعة منهم يعانون فرط نمو الشعر مثل أبيهم، ومع الوقت أصبح بتروس وعائلته محط اهتمام أوروبا بأسرها، وصدرت الأوامر الملكية برسم بتروس وأطفاله المشعرين وتجنب رسم الآخرين.
لم يستطع بتروس العيش بأمان حتى بعد أن تعلم وأصبح يتصرف كالنبلاء، فما زال الناس يترصدونه بنظراتهم المسيئة؛ وما زالت أوروبا تعامله كوحش بري غير آدمي، تلك المعاملة التي أثبتتها الملكة؛ حين سلمته وأبنائه كهدية إلى دوق بارما الإيطالي، والذي بدوره سلم ابنة بتروس هدية إلى إحدى عشيقاته
تختلف النهاية للقصة عن تلك التي نقلتها المؤلفة الفرنسية غابرييل سوزان، فبينما حظي العروسان في قصتها بنهاية جميلة؛ عرفت القصة الحقيقية نهاية مأساوية حيث تشرد أبناء بتروس بين قصور أوروبا وعوملوا كحيوانات، بينما فارق هو الحياة دون أن يُنظر إليه كإنسان في يوم ما
مات بتروس عام 1623 إلا أنه لم يُعثر على وثائق رسمية لوفاته ويظن مؤرخون أن بتروس حُرم من امتيازات الوفاة لأنه كان يُعد حيوانا، وتوجد اليوم صور له ولأسرته في المتحف الوطني للفنون في واشنطن في ألبوم بعنوان "الحشرات والحيوانات العاقلة".
بعد أكثر من 500 عام على ظهور قصة بتروس الذي عاش حياة غير آدمية وقُدم وعائلته كهدايا، اكتشف العلماء أنه لم يكن سوى رجل عادي مصاب بمرض نادر يسمى "فرط نمو الشعر" وليس هجينا بين الإنسان والحيوان أو مسخًا كما ظنوا به في ذلك الوقت.
في عام 1991 أنتجت ديزني فيلم رسوم متحركة مستلهم من هذه القصة، وهو الفيلم الذي نجح نجاحا مبهرا، وحقق أرباحا مبهرة في وقته تجاوزت المئة مليون دولار، وهو فيلم الرسوم المتحركة الوحيد في تاريخ السينما الذي رشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم.

جاري تحميل الاقتراحات...