من الدعاوى الغربية التي تسربت عالميًا في الكتابات الثقافية والفلسفية: أن تقدم حضارات الشرق القديم العظيمة إنما كان يستند إلى العلم العملي التجريبي، وأن فلسفته كانت تتسربل بالتعاليم الدينية والآلهة، وأن اليونان وحدهم من عرفوا التفلسف علمًا، وحرَّروا علومهم من تعاليم الدين والآلهة!
وهذه الدعوى مع سخفها فهي تحمل أخطاء ومغالطات وحجدًا للحقائق. ومن ذلك: أن التيار الفلسفي اليوناني الرئيس لم يعزل تعاليم الدين ولا الآلهة عن الفلسفة، بل كان ذلك في صميم هيكلها، وكان بعض أعظم فلاسفتها رجال كهنوت، ومدارس رئيسة كانت دينية باطنية، ولم تتخلص من خرافات الميثولوجيا.
ويبدو أن الكتابات الغربية حينما قارنت بين حضارات الشرق العربية ومنجزاتها الكبيرة الهندسية والفلكية وغيرها التي لا تزال باقية وشاهدة على تقدم علمي وحضاري، وطول عمرها، في مقابل أمة عمرها ضئيل ومنجزاتها محدودة ومستعارة، تتلمذ معظم فلاسفتها على حضارات الشرق، وجدت خلاصها في الفلسفة!
والفلسفة اليونانية مع قصر عمرها ومحدودية منجزاتها بالمقارنة بالمنجزات الحضارية الشرقية، واستفادتها من علوم الشرق، فإنها لم تقدم جوهريًا وذاتيًا ما يستحق الالتفات له في الشرق، حيث كان ينظر لها -مثلاً- في عصور مصر المتأخرة، بأنها ثقافة "ثرثرة"، لا محصل حقيقي من ورائها.
وإنما خدم الفلسفة اليونانية تأخرها وتلخيصها بعض علوم الشرق، في مقابل تقدم حضارات الشرق، وتدمير وضياع معظم كتاباتها العلمية والحضارية، ولولا بقاء شواهد تاريخية عريقة لزعم الغرب أن الشرق لم يقم فيه علم قط، وأنهم مجرد قطيع من البرابرة والجهلة، ومع ذلك فقد قيل ذلك بالفعل من بعضهم!
إن الكشوفات المتأخرة للحضارات الشرقية: العراقية والشامية والمصرية كشفت بوضوح سبق تلك الأمم في مجال العلوم النظرية والتطبيقية، في وقت كانت الأمة اليونانية مجموعة بدو همج، باعتراف كتابهم، وفي اعتقادي أن مزيدًا من المكاشفات ستحسم أصول وجذور معظم ما ينسبه الغرب لليونان من تميز.
والكلام يطول في هذا الموضوع، لكن الشاهد هنا أن تكرار الدعوى الغربية تلك دون تعقل ونقد ليس محمودًا، بل وصل الحال بباحث وعالم غربي متخصص في فلسفة أرسطو، أن زعم أن العلم والمعرفة مكتشف غربي لم يسبق له إليه أحد، فلم يعرف البشر العلم قبل وجود اليونان، ولم يبدأ العلم إلا مع اليونان!
جاري تحميل الاقتراحات...