Moneem A Daikah
Moneem A Daikah

@m20_el

20 تغريدة 9 قراءة Sep 24, 2022
رسم الفنان/الطبيب الفرنسي فرانك نيتير حوالي ٤٠٠٠ لوحة فنية تحاكي عالم الطب وخصوصا التشريح والجراحة. نيتير الذي كان يعشق الفن والرسومات وزيارات المتاحف لم يتوانى في تقديم خدمة جليلة للفن والطبّ معا، فكأنهما توأمان لا ينفصلان، حتى ليشعر الناظر للوحاته بأنه أمام فنان لا طبيب جراح!
يشاع أنّ والد نيتير دعمه ليحقّق طموحه في أن يصير فنانا ورساما، حيث درس الأخير في معهد للفن بنيويورك، وحدث أن خشيت عليه والدته من اتباع نمط بوهيمي في حياته، لذا شجعته على دراسة مهنة محترمة والابتعاد عن الفن وأدواته، لكنه حقق أمنية والدته بعد وفاتها وصار طبيبا وفنّانا في الآن نفسه.
هذه المعلومات جاءت في سياق بحثي عن تساؤل مهم: هل يمكن للفن أن ينقذ حياتنا؟ وجودنا؟ نفسيتنا؟ يقينا ويحمينا من الاكتئاب والعلل والفيروسات العقلية التي تغزو أجسادنا؟ لم يفقد السؤال راهينته التاريخية، كما أن الفنون والآداب لم تفقد مكانتها كعلاج للذات والعقل البشريّين على مر التاريخ.
أعدت ديزي فانكورت البروفيسورة في علمي النفس والأوبئة التي تركز على العزلة والانطوائية وأثر الفنون والمشاركة الثقافية في حياتنا-، قبل أعوام وبناءً على طلب من الحكومة البريطانية، ملفا نشر في ٢٠٢٠ تؤكد فيه أن ثمة أساسا علميا رصينا للدور الذي تلعبه الموسيقى والقراءة على حياة الأطفال.
بحسب أبحاث فانكورت، فإنّ للموسيقى وقراءة الكتب دورٌ إيجابي في التّنشئة الاجتماعيّة للأطفال وخصوصا في النطق والكلام واللغة عند الرضع والأطفال. كما أنّ ثمة فوائد لاستخدام الفنون بشكل عام؛ كالتّماسك الاجتماعي والرّفاه النّفسي لدى البالغين وفي الحد من التدهور الجسدي لدى كبار السن.
كما بيّن الأستاذ ثابيدرا ماثياس بقسم علم النفس التجريبي بجامعة إشبيلية أنه، منذ نهاية القرن ١٩ وبداية القرن ٢٠، كان هناك أدبٌ يدعم استخدام الفنون في مجال الصحة، ولكن لمدة ٢٠ إلى ٣٠ عاما فحسب، أجريت دراسات تجريبية عشوائية مع مجموعات معينة، وباستخدام علامات بيولوجية لتحديد فوائدها.
أشار بحث لماثياس نشر في Frontiers in Psychology إلى تأثير الغناء على مستويات الدم من الكورتيزول، والهرمون المرتبط بالتوتر. وبحث آخر في Plos ONE بيّن أنّ المشاركين في "قرع آلة موسيقية" ممّن عانوا من اضطرابات عقليّة حسّنت من قدراتهم العقليّة والنّفسيّة وعدّلت جهاز المناعة لديهم.
شارك البروفيسور ماثياس في بحث آخر نُشر في مجلة "الفنون والصحة" يعنى بدراسة نفسيات المهاجرين غير الشرعيين. مضمون البحث حول كيفيّة الاعتماد على الموسيقى والرسم والكتابة والرقص. استخلص ماثياس أن الفنون والآداب تقلّل من أعراض الاكتئاب والتوتر لدى مجموعة من المهاجرين غير الشرعيّين.
وفي بحث في مجلة "الإعاقة والتأهيل" أظهر أنّ ورشة عمل حول الممارسات الإبداعية أقيمت في المركز الأندلسي للفن المعاصر والتي تضمنت زيارة معرض الفنانة البرازيلية ماريا تريثا ألفيش "الطريق الشاق إلى Xico". نتيجة البحث أفادت بتحسين الإدماج الاجتماعي ورفاهية المصابين بأمراض عقلية خطيرة.
وقد نقل عن بحث نُشر في "BMJ Open" يسلّط الباحث فيه الضوء على الدراسات الوبائيّة التي تربط مستوى النشاط الثقافي في منطقة معينة بصحة مجتمعاتها، شدد البحث على أن المناطق التي تشهد مشاركة ثقافية أكبر تتمتع بمعدلات صحية أفضل، بغض النظر عن المستوى التعليمي والوضع الاجتماعي والاقتصادي.
ثمّة حاجة ماسة يراها الباحث للاهتمام بالمؤسسات لتعزيز البحث الرصين، فمن وجهة نظر الباحث أن الاستثمار الموجود في دول كبريطانيا أمر لا يصدق، وهو أمر لا يمكن تصوره في إسبانيا بتاتا. حبث شكلت لجنة برلمانية في ٢٠١٤ لدراسة العلاج بالفنون في مجال الطبّ، وهدفها زيادة الوعي بفوائد الفنون.
ترى أستاذة فقه اللغة بجامعة أوبييدو لويث مار أرياس والباحثة الرئيسية في مجموعة أبحاث HEAL (الصحة والبيئة والفنون والأدب) المكرسة لدراسة المرض عبر التاريخ في تمثلاته الأدبية و الفنية والثقافية واللغوية. وقد شدٍدت أرياس على دراسة وتقييم العلوم الإنسانية والفنون في عالم الطب اليوم.
ترى الفيلولوجية مار أرياس التي تصر على الربط بين المريض ونوع التّعبير الفني الذي يسرّ نفسه أو يضرّها "فالإبداعُ لمتلقّيه أو صانعه قوّةٌ استشفائيّةٌ وعلاجيّة. قد يشعر بعض الناس بالراحة بسبب الموسيقى ونوعها الذي يطربه ويهدهده، لكن قد يجدها شخص آخر أمرا محبطا ومحزنا".
وتضيف: "القصيدة أو المقطوعة الموسيقيّة لا تشفيك بالمعالجة الكيميائيّة، لكن القصيدة الرنانة أو الموسيقى المناسبة تنقذك اليوم، فهي تساعدك على التئام الجرح". كما أن للفنون دور في دراسة المرض مرئيّا. فالسينما مثلا، تميل إلى زيادة الوعي حول الأمراض، خاصة التي تؤثر على الصحة العقلية.
وللاستدلال على دور الفن السينمائي والمرئي في معالجته وتلقيحه للذات والذهن والعقل الإنساني، يؤخذ فيلم الصّحوة أو الإيقاظ مثال على ذلك والذي يستند على كتاب مماثل لطبيب الأعصاب الشهير أوليفر ساكس عن التهاب الدماغ السباتي أو النوامي الذي راح ضحيّته الملايين في عشرينيات القرن الماضي.
وبما أن كبار السن يعانون من الزهايمر والشيخوخة والخرف، فإن الرسوم المتحركة "التجاعيد"، المقتبس عن قصة مصوّرة للكاتب الإسباني باكو روكا، يعالج الأمراض والقضايا الحساسة التي جمعها روكا من حكايات آباء أصدقائه المسنين وأقاربهم وزار دور رعاية المسنين ليعرف كيف كانت تسير الحياة فيها.
كذا فيلم "نظرية كل شيء" والذي يحكي عن ستيفن هوكينغ، الذي عاش مع التصلب الجانبي الضموري حتى وفاته. يناقش الفيلم الجوانب والآثار النفسيّة التي تلحق بنا، فالنفس البشرية ضعيفة مع المرض وخصوصا أشرسها والأفتك بها، وكيف تجاوز هوكينغ المحنة بصبر وتؤدة حتى صار من أعلام الفيزياء.
كما أنّ ثمة نتاجٌ فنّي وسينمائيّ ودرامي دار حول الأمراض الأخرى كفيلادلفيا التي عالجت الإيدز في العقد الدرامي من التسعينيات، والدراما الموسيقيّة حول العمى، والرقص في الظلام أو حياتي بدوني، حول الحزن الإنساني على مرض ومرضى السرطان الذين يكافحون من أجل استئصاله.
ذكر عالمان من علماء الأعصاب وشاعر في الفنّ لتحسين الصّحة والرفاهية، وهو مقال نُشر عام ٢٠١٨ في "المجلة الطبيّة البريطانيّة" بأنّ: عالم الطّب وعالم الفنّ والثقافة توأمان لا ينفصلان. وبيّن العالمان والشّاعر أنه ثمّة تعاونٌ وثيقُ الصّلة بين الاثنين يمكن أن يحسّن مستقبل رعاية مرضانا.
يشار إلى أن طبيب الأعصاب الفرنسي المختص في التشريح جان مارتن شاركو، كان قد استعمل مهاراته التشريحية على لوحة لليوناردو دافنشي في رسم الغدة الدرقية، وذلك لتمثيلها لمرضاه في اللوحات أو المنحوتات وتثقيف طلابه. ختاما، خلُص البعض إلى أنّ "أصول الطبّ والفن واحدة، وكل منهما يخدم الآخر".

جاري تحميل الاقتراحات...