منطوق مقولة ( نسبية الحقيقة ) أو ( الحقيقة نسبية ) أن كل الحقائق نسبية بلا إستثناء، و من تلك الحقائق التي تدخل تحت معنى المقولة، المقولة نفسها، فهي في واقع الأمر تخبرنا عن حقيقة و بهذا الإعتبار تدخل المقولة ضمن الحقيقة التي تتحدث عنها .
و بناء عليه تكون حقيقة ( نسبية الحقيقة ) معرضة للدحض الذاتي، فإذا كانت كل الحقائق نسبية فإن نسبية الحقيقة هي نسبية أيضاً، إعمالاً لمضمونها العام الشامل الذي لا يستثني شيئاً، و ينتج عن ذلك أن المقولة تعود بالنقض على نفسها، وهنا يصبح لا مفر من أمرين :
1 - إما إن تكون مقولة نسبية الحقيقة؛ نسبية أيضاً، و عليه فهي إذن غير صادقة و غير قابلة للتعميم لكونها نسبية تختلف بإختلاف الأزمنة و الأحوال و الأشخاص، و من لوازم هذا إمكانية وجود حقائق مطلقة.
2 - أو تكون حقيقة مطلقة ، فهي إذن تناقض معناها و مفهومها من أن كل الحقائق نسبية، و هذا يذكرني بقاعدة في أصول الفقه ذكرها بعض العلماء و هي قاعدة : ( ما من عام إلا و قد خًص منه البعض )
فقال بعض العلماء : حتى هذه القاعدة ليست على عمومها، و قد دخلها التخصيص، ينظر أصول الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص 381)، و هذا من إستعمال علمائنا رحمهم الله لوسيلة الدحض الذاتي.
✏️ و من الغريب أن (نسبية الحقيقة) جاءت لمواجهة مقولة : إن الحقيقة مطلقة، فوقعت في ذات المشكلة التي فرت منها و أستهدفت نفيها، فقدمت نفسها على أنها حقيقة مطلقة، وهذا إسراف وتطرف لا يرتضيه المنهج العلمي، و الصواب إن (كثيراً) من الحقائق نسبية، و ليس (كل).
يقول فيلسوف العلوم (كارل بوبر) في كتابه : " النفس و دماغها " (ص 232 ) : (( غير أننا نرفض النتائج النسبية بوصفها مبطِلة لذاتها، و بوصفها انهزامية ))
و يعلق الدكتور عادل مصطفى مشيراً إلى أن : " النسبيون " دائماً عُرضة لخطر مهني، و هو نَشْر الغصن الذي يجلسون عليه بالمنشار ..
و يعلق الدكتور عادل مصطفى مشيراً إلى أن : " النسبيون " دائماً عُرضة لخطر مهني، و هو نَشْر الغصن الذي يجلسون عليه بالمنشار ..
فالنسبيون يُعرّضون أنفسهم لرد من جنس دعواهم ذاتها، فأي "نسبي" تصبح دعواه ذاتها في أفضل الأحوال مبررة بالنسبة لإطاره النسبي الخاص به، و معقولة بالنسبة لمعاييره النسبية الخاصة به، و هي نتاج بيئته كأي حقيقة نسبية أخرى !!
و يقول أستاذ الفلسفة في أكسفورد "نيغيل واربورتون" في كتابه (الفلسفة الأسس) (ص 104) في مبحث نقد النسبية الأخلاقية : (( يُتهم أصحاب نظرية النسبية الأخلاقية أحياناً بعدم الإتساق؛
لأنهم يقولون : إن كل الأحكام الأخلاقية نسبية، و لكنهم في الوقت ذاته يريدون منا أن نعتقد أن نظرية النسبية الأخلاقية نظرية صائبة بصورة مطلقة، و هي إشكالية مهمة تواجه مؤيد النظرية، الذي هو نسبي كذلك فيما يتعلق بالحقيقة ..
و هذه النظرية هي حكم أخلاقي مطلق، لا يتوافق تماماً مع المقدمة المنطقية للنسبية المعيارية، و هذا النقد يُدينها )) .
و لا دليل أقوى على ضعف نظرية أن يكون مضمونها يعود بالنقض على نفسها.
و لا دليل أقوى على ضعف نظرية أن يكون مضمونها يعود بالنقض على نفسها.
جاري تحميل الاقتراحات...