إن من أخطر معيقات الأبحاث العلمية في سبيل تطوّر المعرفة والفِهم والحق تعطيل العقل والبحث والمراجعة والتحقق والتساؤل.
فعندما يتوقف طلب العلم والفهم عند رأيٍ قديمٍ تم قبوله والتوقف عليه اعتقادًا باطلًا بعصمة مجتهدي الماضي ورفض النظر في مثل تلك الآراء باعتبارها رموز التشريع، مع تعزيز ذلك بتجاهل الثابت مما سواها من الآراء.
ولا تزال كثير من المسائل خاضعةً للتحجُّر والتعصب والتقليد والتي لا يجرؤ أحد على التحقيق فيها ومباحثتها ومواجهة كافة النصوص المتعلقة بها لتشكيل مفهومٍ شاملٍ حولها،
بدلًا من الوقوف على ما يشير لحكمٍ مختارٍ فيها تزامنًا مع تهميش وتجاهل كل نصٍّ يدل على غير ذلك الحُكم وكلّ قولٍ ثابتٍ يختلف معه.
ومن أمثلة تلك المسائل التي تغلَق الأبواب في وجه إعادة طرحها بنموذجيةٍ علميةٍ موضوعة هدفها بيان الحق لا دعم الرأي، مسألة الكلاب. فما زال يشاع بين عامة الناس أن الكلب نجس مع إغفال كل قولٍ بخلاف ذلك من الأقوال،
وتجاهل تعليل تلك الأقوال تمامًا، وأن الكلب يمنع دخول الملائكة إلى المنازل مع تهميش كل نصٍّ يشير لحقيقة هذا المفهوم ومقصده.
فكل فقيهٍ لا يعتقد بنجاسة الكلب يُعامَل معاملة من ينتمي لديانةٍ مختلفة وهذا التعطيل للعقل هو معنى المذهبية. ولا يُنظَر لحجته ولكن يُنظَر لمذهبه ويُخالَف، لا لأن في حجته نظر، ولكن لأن مدرسته الفقهية غير مدرسة الباحث.
فهل الكلب نجس؟ إن القول بنجاسة الكلب مجرد استنتاجٍ اجتهادي. نعم، ويتفاجأ كل من يسمع هذا لكونهم لم يتحققوا يومًا من حقيقة الأمر، إنما أخذوا الحكم عن من يقدسوهم تقديس المقدسات.
فذلك الاجتهاد مبني على افتراض عكس الطهارة بالنجاسة فقط، ولم يضع المجتهد في الاعتبار كون النجاسة من ثلاث: النَّجَسِ والحَدَثِ والقَذَر، وليس القذر والنَّجَس بسواء
وقد ورد ما استنتجوه القائلين بنجاسة الكلب وجوب تطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب بغسله سبع غسلات، معتبرين ذلك دليلٌ على نجاسة الكلب
(النص: "طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" ويجدر التنويه هنا لإسقاط وجوب التتريب لاضطراب ورود الغسل بالتراب في رواياتٍ عدة)
بينما ورد مصطلح الطهارة فيما يتعلق بالسواك للفم (النص: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب") ويدل ذلك على عدم ارتباط الطهارة بالنجس فقط، فليس الفم بنجسٍ إنما يُطَهَّر من القَذَر كالجراثيم وغيرها.
كما يؤيد الحكم بعدم نجاسة الكلب غسل الإناء سبع غسلاتٍ وما تلك بصفة التطهير من النجس، ويؤيده ذكر غسل الإناء في حال لعقه الكلب مع عدم ذِكر وجوب ذلك عند ملامسة الكلب نفسه باليد، وعدم ذكر ذلك عند أكل ما اصطاده الكلب للبشر من صيد، بل اكتفى الحديث في ذلك على التسمية ثم الأكل
ولو كانت علة غسل الإناء سبعًا هي نجاسة الكلب لوردت فيما صاده الكلب لاتفاق علة النجاسة في كلا الحالتين،على عكس ما يزعمه القائلين بزوال النجاسة بالنار فصفة الطهارة الثابتة الغسل ثلاثًا بالماء ولم تُعتَمد صِفةً بالنار.
(النص: " كَانَتِ الكِلاَبُ َتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ").
وأما القول بأن الملائكة لا تدخل منزلاً فيه كلبٌ والوقوف على ذلك، فما أشبه هذا القول بوقوف أحدهم على قول"لا تقربوا الصلاة" دون إكمال النص. وقد ثبت جواز استخدام الكلاب للصيد والرعي والحراسة،
(النص: " مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إلَّا كَلْبًا ضارِيًا لِصَيْدٍ أوْ كَلْبَ ماشِيَةٍ، فإنَّه يَنْقُصُ مِن أجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قِيراطانِ)،
وهنا يتضح الجائز من المحظور، حيث يتبين من النصوص أن الكلب مخلوقٌ وظيفيٌّ يجب تعليمه وتوظيفه وإلا فهو يتضرر ويضر، وأن إبقاء كلبٍ لا يُعلَّم ولا يعمل في المنزل فيه مضرةٌ على الكلب نفسه من عدم ممارسته لفطرته الوظيفية فيصاب بالفتور والضجر والتضارب ليستشرس ويعتدي ويخرّب ويؤذي،
وقد نص القرآن على أهمية وفضل تعليمها (النص: "يَسْأَلُونَكَ ماذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وما عَلَّمْتُم منَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ ممَّا عَلَّمَكُمُ اللَّه فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ")،
ولعل أدهى الأقوال التقليدية وأمرّها، القول بجواز قتل الكلاب وما أبعده عن الصواب. فعند البحث يتضح لكل باحثٍ عاقلٍ أن تلك الأحكام منسوخةٌ وقد ورد كلٌ منها على مرحلةٍ وانقضى بحلول ما بعدها في عهد النبي إلى ما بعده، إذ اتصفت بيئة المدينة المنورة في بادئها بالجوع وقلة الزاد،
وكان خطر الكلاب الجائعة عامةً لا يقل عن خطر الذئاب المفترسة، إلا أن الكلاب فاقت الذئاب عددا، فاستوجب خطرها التخلص منها
(النص: أمَرَنا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الكِلابِ ، حَتَّى إِنَّ المَرْأةَ تَقْدُمُ مِنَ البَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ ، ثُمَّ نَهَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِهَا")
ثم بعد ذلك أمر النبي بتركها باستثناء الأكثر عدوانيةً منها في المدينة وهو فصيلة كلبٍ بهيمٍ كان في المدينة قبل ألفٍ وأربعمئة سنة لا دليل على بقائها في عصرنا هذا، كانت فصيلةً شيطانية الشراسة والأرجح أنه تم القضاء عليها وانقراضها
( النص: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ")
ودليل ذلك كل ما ورد من ذكر الكلاب التي كانت تقبل وتدبر في مسجد النبي، والكلب الذي دافع عن غنم أبي زهرة وقتل السارق فامتدح النبي صنيع ذلك الكلب ووفاءه
وتأكيد االنبي على حسن صنيع ساقي الكلب (النص: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش" إلى قوله "فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له")،
وحتى امتداح عمر ابن الخطاب لكلب الأعرابيوتوصيته عليه (النص: رأى عمر بن الخطاب أعرابياً يسوقُ كلباً فقال: ما هذا، قال: هذا نِعم الصاحبُ إن أعطيته شَكَر وإن منعته صبر قال عمر: فاستمسِك به)
وقول الشعبي "خير خصلةٍ في الكلب أنه لا ينافق في محبَّته ولا ينتقم من صاحبه"، وقول ابن عباس: "كلبٌ أمين خيرٌ من إنسانٍ خؤون"، وقول مالك بن دينار عن كلبه: "هذا خير من جليس سوء" والفضل بن يحيى حين قيل له: "أتنادِمُ كلباً؟" فقال: "وفِّيٌّ أمينٌ يمنعني أذاهُ ويكفّ عني أذى سواهُ"
فذلك كله وغيره مما ثبت في النصوص عن السلف ينفي صحة القول بنجاسة الكلاب ومنعها من دخول الملائكة عامةً وجواز قتلها.
ومع هذا لا يزال عبّاد الرأي والمذهبية والشيوخ يغفلون ذلك كله ويرفضون التباحث فيه لسببٍ واحدٍ وهو "قال فلان"، فلا عقلٌ يُستَخدَم ولا عِلمٌ يُبحَث ولا حقٌّ يُقصَد.
وأما اليوم فقد آن أوان موادعة خمول البحث والتدقيق، ومكافحة التدليس والتلفيق، بكشف الشامل من المنقول بدلًا من ترديد الناقص من القول، والدعوة للتحقق والتثبت بدلًا من التعسُّف والتزمُّت،
جاري تحميل الاقتراحات...