كان عبد الله القصيمي –في زمن تدينه وإيمانه- يعتقد أنَّه شخص مميز جدًا، وأنَّ كتاباته فريدة من نوعها، وأنَّه فتى ضيعه قومه، وأنَّ الجميع يتعلم منه وينهل من علمه وإبداعاته. وقد سطَّر في مقدمات كثيرٍ من مؤلفاته قبل تحوله قصائد في مَدْحِ نفسه، أو نَثَرَ الثناء على ذاته في طيات كتبه.
وقد عَتَبَ عليه أصحابه الذين يحبونه ويخشون عليه مآل ذلك، ولامه بعض مشائخه ووبخه، وقالوا إن هذا الكلام يزري بك ويعيبك، فليس يستحسن في خلق المؤمن الكبر والغطرسة والمبالغة في مدح الذات واحتقار الآخرين. لكن عبد الله القصيمي لم يعر هؤلاء أذنه أو اهتمامه، واستمر على نهجه وطبعه.
يقول عبد الله القصيمي في مقدمة كتابه (الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم)، مادحاً نفسه:
لو أنصفوا كنت المقدم في الأمر
ولم يطلبوا غيري لدى الحادث النكر
ولم يرغبوا إلا إليّ إذا ابتغوا
رشاداً وحزماً يعزبان عن الفكر
ولم يذكروا غيري متى ذكر الذكا
ولم يبصروا غيري لدى غيبة البدر
لو أنصفوا كنت المقدم في الأمر
ولم يطلبوا غيري لدى الحادث النكر
ولم يرغبوا إلا إليّ إذا ابتغوا
رشاداً وحزماً يعزبان عن الفكر
ولم يذكروا غيري متى ذكر الذكا
ولم يبصروا غيري لدى غيبة البدر
فما أنا إلا الشمس في غير برجها
وما أنا إلا الدر في لجج البحر
متى جريت فكل الناس في أثري
وإن وقفت فما في الناس من يجري
وما أنا إلا الدر في لجج البحر
متى جريت فكل الناس في أثري
وإن وقفت فما في الناس من يجري
وكان يشتكي كثيرًا للمثقفين اضطهاده وظلمه وعدم تقديره من العلماء وطلاب العلم، وإساءة فهمه وفهم ما يكتبه، وأنَّ كتاباته ارقى من عقول كثيرٍ من القراء. وكان إذا دخل في خصومه مع أحد أغلظ عليهم، وأكَّد أنهم لا يفهمون كلامه ولا يرتقون لمستواه وتميزه وإنفراده، واستهدف نقد أساتذة الأزهر.
يقول القصيمي عن أحد أساتذة الأزهر الذين دخل معهم في حوار ثم خصومة: "وكأني بالمغرور عندما يرى هذه البراهين -إن كان يرى- التي ما كانت تخطر على فؤاده إن كان له فؤاد، يغضب ويصخب، ويشتم، ويقول ماهذه البلوى؟ ما هذه المحنة التي خصصت بها؟ ما هذا النجدي الذي يريد أن يأكلني ويشربني؟".
ويواصل القصيمي كلامه عن الأستاذ الأزهري، فيقول على لسانه: "ما هذا العربي الذي منيت به، لينزلني من منزلتي التي ارتقيتها بلقبي وكتبي وراتبي ورتبي وغفلة أهل العلم والفهم عني؟ ويقول يا ليتنا أرضينا هذا النجدي وأسكتناه عنا ولو بملء فيه دراً ولو بكل ما نأخذه من راتب وما نملكه من متاع".
ثم إنَّ هذا النَّفَس والطبع عند عبد الله القصيمي لم يتغير بعد تحوله، فقد ظلَّ يمدح نفسه ويعظم ذاته ويعلي من شأن كتاباته وفرادته بين الناس. فكتب مرة على الغلاف الخارجي لكتابه (هذه هي الأغلال) هذه العبارة: "سيقول مؤرخو الفكر إنه بهذا الكتاب بدأت الأمم العربية تبصر طريق العقل"!
وقال في الكتاب نفسه: "إنَّ ما في هذا الكتاب من الحقائق الأزليَّة الأبديَّة التي تفتقدها أمَّة فتهوى، وتأخذ بها أمَّة فتنهض، ولن يوجد مسلمٌ يستغني عن هذه الأفكار إذا أراد حياة صحيحة"!
يقول أحد أصحابه، وهو حسين مروة، بعد قراءة أحد كتبه: "لم يكن عسيرًا علي، ولا على أيِّ قارئ غيري، اكتشاف كون القصيمي خاضعًا في معظم أفكاره وتأملاته وخواطره إلى عدد من الضغوط النفسية والفكرية العنيفة، التي يصح أن نجعلها كلها في حالة أو وحدة تؤلف ما نسميه بالأزمة، إذا لم نسمها عقدة".
جاري تحميل الاقتراحات...