Ibrahim Abdel Meguid
Ibrahim Abdel Meguid

@ibme_guid

23 تغريدة 26 قراءة Jul 15, 2022
عن الفلافل لا اللحوم..
إبراهيم عبد المجيد
هلَّ علينا عيد الأضحي وصارت اللحوم حديث الكثيرين على الميديا.رأيت صورا لثيران هاربة من أمام محلات الجزارين،إذ رأت كيف يتم ذبح أخواتها أمامها ويسيل الدم في الأرض،وهو مشهد تعودناه كل عيد أضحى.تحدث الكثيرون أيضا عن الأسعار في مصر الآن1- 23
، حيث بلغ سعر كيلو اللحم مائتي جنيها، وتجاوز سعر الخروف الصغير الخمسة آلالف جنيها. انثالت عليَّ ذكريات العيد التي أقلها كيف كان أبي يأخذني معه وأنا طفل في الخمسينيات، إلي سوق الأغنام بمنطقة كوم الشقافة في الاسكندرية، لشراء خروف العيد، وكيف كان النِقاش في السعر، فالبائع يريد 2-23
ثلاثة جنيهات ونصف ثمنا للخروف، ويقسم بالله أن هذا سعر قليل، وأبي يصرّ على ثلاثة جنيهات حتي يوافق البائع.سألت أبي مرة لماذا تصرّ على سعر أقل، والبائع يقسم أكثر من يمين أن هذا سعر حقيقي، فقال لي باعة الأسواق مثل السماسرة، مع ظهور النهار يقسم الواحد منهم يمينا، أنه لن يقسم اليوم3-23
أيّ يمين صادق، ويظل طول النهار يقسم كذبا وفاءً لقَسَم الصباح!.مشت معي المقولة التي سمعتها من أبي، وصرت اتذكرها كلما رأيت مسؤلا في أي حكم، يقسم بالله على شيئ فعله،أو رأي يراه. وسط هذا الجو الحافل بعيد الأضحي ذهب ذهني بعيدا عن اللحوم إلى الفلافل. شجعني أيضا على المقال أني عرفت4-23
أن محرك البحث جوجل اختار الثاني عشر من يونيو من كل عام عيدا للفلافل. قلت لا بأس. لن يختلف يونيو عن يوليو.تذكرت زيارات كثيرة لسوريا رأيت فيها الفلافل مصنوعة من الحمص لا الفول، وكذلك زيارات لأوربا.لم نكن نعرف ونحن صغار شيئا عن الفلافل بالحمص، رغم وجود الشوام في المدينة واليهود5-23
. كنا نضحك حين نعرف أنهم يسمونها في القاهرة " طعمية ". لم أرى محلا في الإسكندرية يسميها كذلك، إلا محل لطيف في منطقة سيدي جابر، كتب لافتة "طاع 100". وجد للإسم تخريجا جميلا ربما يعجب أهل القاهرة، الذين يزورون المدينة في الصيف.
سواء كنت تسميها "طعمية" أو "فلافل" فهي علامة 6-23
في مائدة الإفطار، خاصة يوم الجمعة الإجازة الأسبوعية، وأحيانا الغداء حيث تنشغل النساء عادة بتنظيف المنزل، فتكون الوجبة الأسرع في التقديم. تعرف قيمتها كمصري حين تكون في الغربة في بلاد الخليج ،فيكون صباح الجمعة لها من كل أسبوع، يرافقها طبعا الفول والبيض. الفلافل صارت محل نزاع 7-23
بين بعض الدول العربية فكل منها ينسبها لنفسه. ودخلت اسرائل النزاع بدورها، تريد كما اعتادت أن تنسب كل الأطعمة العربية لها. فعلت ذلك مع الملوخية مثلا. كان في مصر محلات أصحابها يهود يصنعون الفلافل، ليس لأنهم يهودا، لكن لأنهم وفدوا هاربين من أوربا وقمعها في القرنين التاسع عشر 8-23
والعشرين، فعرفوا الفلافل وكيف هي صناعة سهلة يعشقها المصريون. الفلافل عرفها الفراعنة وأحيا الأقباط طهوها بعد أن استقرت المسيحية في مصر، باعتبارها بديلا عن اللحوم في صيامهم، وسميت فلافل لأنها من الفول. فريد الأطرش يغني " ياعوازل فلفلوا " ولا شك يشير إلى طحن الفول المدشوش 9-23
في آلة الطحن،التي تدور به حتي تعجنه، وأيضا من الفلفل والشطة التي تضاف إليها أحيانا. أصدق حكاية إحيائها مع الأقباط،فصيام المسيحيين عن اللحوم أو الروح طويل ومتعدد.
انتشرت الفلافل في دول عربية كثيرة وخاصة بلاد الشام بهذا الإسم.وحينما خرجت الجاليات الأجنبية من مصر وعادت إلى10-23
بلادها في اليونان وغيرها، انتشرت هناك. الشوام الذين هاجروا إلى أميركا الجنوبية أخذوها معهم. أما اليهود المصريون فأخذوها بعد رحيلهم إلى أميركا وأوربا وبالطبع اسرائيل التي كانت أخذتها من الفلسطينيين.أشهر محلات الفلافل في الإسكندرية هو محل "محمد احمد" بشارع شَكّور بمحطة الرمل. 11-23
شارع شَكّور به مدرسة ثانوية كانت مملوكه للجاليه اليهوديه وخاصة بهم، فهي في الحرم الخلفي للمعبد اليهودي. أصبحت الآن مدرسه للمصريين بعد هجرة اليهود من مصر. محل محمد أحمد نفسه كان محلا للفلافل يملكه اليهودي بنيامين، الذي ترك البلاد بعد أن ضاقت على اليهود بعد العدوان الثلاثي 12-23
عام 1956، وسافر إلي أميركا والبعض يقول فرنسا. لقد اشترى محمد أحمد المحل عام 1957، وحافظ عليه وعلى منتجاته بجمالها وقام بتوسيعه، وحين توفي في يناير عام 2021 سادت الإسكندرية حالة من الحزن، فهو علامة من علاماتها الكبيرة. لقد جعل لمنطقة محطة الرمل بالإسكندرية طعما جميلا،13-23
وصار علامة عليها، وصارت به تختلف ولا تزال. لا استطيع إحصاء المرات التي أكلت فيها عنده. مئات المرات وربما ألاف. منذ كان شارع شَكّور هادئا وبه سينما ماجيستك على القمة أمام المحل، وسينما بارك بعد المحل بقليل. الإثنتان راحتا وامتلأ الشارع بمحلات الموبايلات والزحام، لكن ظل 14-23
محمد أحمد علامة على إسكندرية الحلوة. مشاهير كثيرة توافدت علي المحل. عالميون مثل الملكة صوفيا ملكة إسبانيا والمغني ديميس روسوس، ومصريون مثل نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف وفؤاد المهندس . بل وأزعم أنه لم يزر الإسكندرية أي مشهور إلا وذهب إلى المحل. كانت منطقة محطة الرمل زمان15-23
أوربية الطابع والمحلات، ومن ثم فالفلافل بينها فاكهة، فضلا عن رخص سعرها. لقد عرفنا طريقنا إلي محمد أحمد مبكرا، نحن طلاب المدارس، حين كنا " نزوغ " من المدرسة لدخول سينما الهمبرا أو ستراند أو ريتس أو فريال. أذكر جيدا كيف كان الساندوتش بقرش صاغ، حتي جاء يوم كنت أجلس فيه بالمقهي16-23
جوار سينما ريتس، وأحد ماسحي الأحذية يقوم بتلميع حذائي. أعطيته كالعادة خمسة مليمات، أو ما كنا نسميه ب "تعريفة" أو "قرشا" بدون كلمة صاغ . فقال لي "لا. قرش صاغ النهارده" أي عشرة مليم. سألته ضاحكا لماذا؟ قال لي أن محمد أحمد رفع سعر الساندويتش إلى "نصف فرنك". أي قِرشيْ صاغ. طبعا17-23
كبرنا وانتهي التزويغ ووجدنا عملا ، فصرت حريصا علي الأكل داخل المحل، لا شراء الساندويتشات. حتي الآن في كل زيارة لي للإسكندرية، ما أكاد أدخل المحل حتي تأخذني الراحة إلى الماضي والأيام الحلوة، وأنسى جحيم الشارع. يقابل محل محمد أحمد في الإسكندرية لمن هم من جيلي، ومن الأحياء 18-23
الشعبية جنوب المدينة، كما كنت أنا من حي كرموز، محل "البغدادي" للفلافل بحي العطارين. اشتهر بالفلافل المحشية فضلا طبعا عن الفول، لكنها الفلافل. كان هذان المحلان هما علامة الفلافل الجميلة في الإسكندرية. في الثمانينيات من القرن الماضي ظهرت محلات أخرى، لكن ظل هذين المحلين 19-23
هما الذاكرة والواقع الأكبر. شوقي للفلافل لا ينتهي رغم حياتي بالقاهرة منذ أكثر من أربعين سنة. كثيرا ما أتوقف بالسيارة أمام محل شهير وأشتري قرصين. أتعمد أن أقول فلافل، فينظر لي البائع ويبتسم.آخذ القرصين آكلهما "حاف" بلا خبز جالسا بالسيارة،ثم أعود لقيادتها وكأني امتلكت العالم. 20-23
طبعا في القاهرة أسرني محل "فلفلة" ولا يزال. يذكرني في طعم الفلافل الجميل بمحمد احمد والبغدادي في الإسكندرية. يندهش أصدقائي الكتّاب بالقاهرة حين نجلس بمقهي البستان ويطلبون طعاما، بيتزا أو غيرها، بينما أرسل أنا الجرسون لشراء قرصين من الفلافل من محل "فلفلة" أو "جاد" القريبين، 21-23
ومعهما بيضتين مسلوقتين، وآكل بلا خبز. ارتفعت أسعار الفلافل الآن فصار القرص الكبير بجنيهين في القاهرة، وأقول الحمد لله القرصان بأربعة جنيهات، ولا أناقش البائع في السعر، ولا يقسم البائع أن هذا هو سعرها الحقيقي، فهو لا يعد نفسه للعمل بالسياسة، ولا يهتم أصلا بها، وستفتح22- 23
محلات الفلافل أبوابها مع ثالث أيام عيد الاضحي، وستزيد اللحوم التي بلغ سعر الكيلو منها مائتي جنيه، الشوق إليها، وسننسى أن المائتي جنيه كانت سعر سيارة بيجو، حين دخلت البيجو مصر في الستينات.23-23

جاري تحميل الاقتراحات...