رائدة النسويَّة وقائدة التمرد النسائيَّة!
في مراجعته للشخصيات الرمزيَّة للمذهب الوجودي، تحدث فرانسوا نودلمان، الفيلسوف الفرنسي المعاصر والأستاذ الجامعي بجامعة نيويورك، في مقالته: (تجسد آلهة الوجوديَّة)، عن جان بول سارتر ورفيقة "نضاله المحموم" سيمون دي بوفوار.
في مراجعته للشخصيات الرمزيَّة للمذهب الوجودي، تحدث فرانسوا نودلمان، الفيلسوف الفرنسي المعاصر والأستاذ الجامعي بجامعة نيويورك، في مقالته: (تجسد آلهة الوجوديَّة)، عن جان بول سارتر ورفيقة "نضاله المحموم" سيمون دي بوفوار.
وخلص إلى نتيجة مفادها: أنَّه "من الصعب على أسطورة جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار البقاء على قيد الحياة بعد فحص دقيق لحياتهم وكتاباتهم -مثل تمامًا كتابات أي مؤلف- تتلاعب بواقعٍ أكثر تعقيدًا من الروايات الشفافة المفترضة".
فالواقع الحقيقي شيءٌ والكتابات الفلسفيَّة أو الأدبيَّة أو النضاليَّة شيءٌ آخر مختلف تمامًا. وأغلب القراء يقعون في دهشة التنظير الكلامي، ويسقطون ضحايا للظواهر الصوتيَّة، وهم في معزل تام عن الحقيقة الواقعية لهؤلاء الرموز، وهي حقيقة مزرية وفاضع ومنحطة!
ويذكر فرانسوا نودلمان أنَّ سيمون دي بوفوار تحدثت عن ألقاء نفسها صريحة تمامًا في كتابها، دون أن تتخفي في شخصياتها، وأن ذلك دعاها إلى أن تنقل حياتها الحميمة والاجتماعية "مع رفيقها في العري"، وذهبت إلى حد وصف تدهور جسد جان بول سارتر، وسلس البول لديه في عند مرضه!
ومع مزاعم سيمون دي بوفوار بالإخلاص في الصراحة الوضوح إلى درجة الفجاجة، فإن حياتها شكلت أسرارًا لم تكن لتبوح بها كما هي "لقرينها في العُري" جان بول سارتر، ويؤكد فرانسوا نودلمان أنًّ من بين أكثر الأمثلة اللافتة للنظر للانفصال بين تجربة سيمون دي بوفوار المعيشية المتناقضة وتمثيلاتها=
السردية المتنوعة، علاقة الحب التي ربطت بين سيمون دي بوفوار ونيلسون ألغرين، وأنَّها قصة حب تزود القراء بمجموعة من المرايا المشوهة.
ومن المفارقات العجيبة بالنسبة إلى الإنسان السوي، وليس بالنسبة إلى شخصٍ مريضٍ مثل سيمون دي بوفوار، أنها أثناء كتابة كتابها (الجنس الآخر)،=
ومن المفارقات العجيبة بالنسبة إلى الإنسان السوي، وليس بالنسبة إلى شخصٍ مريضٍ مثل سيمون دي بوفوار، أنها أثناء كتابة كتابها (الجنس الآخر)،=
وهو عملها النسوي الرئيس، الذي يُلَقَّب بـ(إنجيل النسْوية)، وقعت في حب الأمريكي نيلسون ألغرين، وعاشت علاقة عاطفية معه لم يكن لها مثيل في مغامراتها العاطفية الأخرى، كما يقول فرانسوا نودلمان.
كانت تفاصيل حياتها مع عشيقها الأمريكي في دور السريَّة، حتى إذا ماتت قام عشيقها نيلسون ألغرين بشر رسائلها إليه، حيث نشر مئات الرسائل منها إليه، خلال أكثر من (27) عامًا. تلك الرسائل التي كُشِفَ عنها، رسمت صورة مختلفة تمامًا عن سيمون دي بوفوار.
يقول فرانسوا نودلمان: "تبرز سيمون دي بوفوار على أنها متعارضة تمامًا مع المبادئ التي دافعت عنها في كتابها الجنس الآخر".
ففي إحدى رسائلها الغراميَّة إلى عشيقها الأمريكي، تقول له في هيام وخضوع: "سآتي إليك، وسترى يا عزيزي في المرة القادمة كيف سأكون لطيفة وهادئة ومطيعة كزوجة عربية، لكنهن يثرثرن كثيرًا كما تعلم".
ويتساءل فرانسوا نودلمان عن أي من المكتوب يتوافق مع شخصية سيمون دي بوفوار الحقيقيَّة ويعبر عنها، هل هو ما تقرره للنسويات في كتابها (الجنس الآخر)؟ أم في رسائلها السريَّة التي كتبتها لعيشقها الذكر؟
ويبين فرانسوا نودلمان أن ذلك ربما يكون مشروعًا عبثيًا؛ بسبب أنَّ جذور التعبير والتمثيل معقدة جدًا، وأنَّها ربما رغبت أن تعيش عدة وجوه وليس وجهًا واحدًا، كما أشارت إلى ذلك في روايتها (الماندارين): "إذا كان بإمكان الناس فقط أن يعيشوا عدة حياة".
وفي الحقيقة، لا يحتاج تفسير تناقضات كلمات سيمون دي بوفوار مع حياتها الواقعيَّة إلى تعقيدٍ، فالأمر في غاية الوضوح في أمثالها، فالكلام شيءٌ والواقع شيءٌ آخر، وسبب ذلك أن الكلام والتنطير في غاية السهولة، أما السيرة والحياة فهي صعبة جدًا على من يعيش بلا مبادئ حقيقيَّة وصلبة.
فبوفوار في نظيراتها تقول للنسويات: "هناك نساء دائمًا وبسبب تركيبتهن الفسيولوجية كنَّ منذ قديم الزمن خاضعات للرجل أبدًا". وفي حياتها الحقيقيَّة تقول لعشيقها الرجل في تذلل وخضوع: "سآتي إليك، وسترى يا عزيزي في المرة القادمة كيف سأكون لطيفة وهادئة ومطيعة كزوجة عربية".
وفي موضعٍ آخر تقول سيمون: "الفن هو أن تصطادي زوجًا، والعمل هو أن تبقيه معك".
تقول الدكتورة هازل رولي، الباحثة الغربية المتخصص في جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار: "تبين في النهاية أن هذين المدافعين عن قول الصدق كانا يكذبان دائمًا على العديد من الفتيات غير المستقرات عاطفيًا".
وتقول سيمون دو بوفوار نفسها: "كنتُ أتمنى أن أكون صريحة ومتوازنة في وصف ميولي الجنسية. أن أكون مخلصة من وجهة نظر واحدة من المناصرات لحقوق المرأة. كنت أحب أن أخبر النساء حول حياتي الجنسية، ومن المستبعد أن أكتب حول ذلك الآن لأنه سيؤثر على أناس قريبين جدًا مني".
وأخيرًا، في الكلمات البرَّاقة التي يخطها قلم المزيفين أخلاقيًا، ضاعت وسوف تضيع أجيال كثيرة لا حصر لها، وسيعرفون الحقيقة في وقتٍ متأخرٍ جدًا، وربما حين لا تكون لها قيمة عندهم!
جاري تحميل الاقتراحات...