9 تغريدة 2 قراءة Dec 26, 2022
في الأيام السابقة كنت بتونس مع أختي الصغيرة حول حتة قرأَتها فيها بيتكلم المسيري عن ثقافة ماكدونالدز وكوكاكولا قالت ما فهمتها، فقعدت أشرح ليها كيف أنه الأكل ما مجرد عملية بيولوجية بتاعة تناول مغذيات، وإنما في كل الثقافات عنده أدوار اجتماعية بيلعبها، فضربت ليها مثال بي بلدنا أنه
دائمًا في وجبتي الفطور والغداء كل عائلة ضمن أسرتنا الكبيرة بتطلع صينية أكل، بيحملها واحد من أفراد الأسرة وبيتلمّوا كلهم في الديوان وبيتغدوا مع بعض، وخلال الوجبات دي بيتبادلوا المعلومات حول الحاصل وبيتناقشوا يعملوا شنو فيما يخص الـ"فريق" -قريب من معنى الحي، لكن على مستوى القرية-
وبيكون وضع انت مجبر فيو على التفاعل الاجتماعي والمعرفة اللصيقة بكل أهلك (لحدي هنا كان كلامي معاها)، وده بدوره بيعزز شبكات الأمان الاقتصادي وإحساس الفرد بأنه مؤمَّن من الظروف القاسية (ده دور نفسي مثلًا)، وأحسَب أنها بتساهم في نقل قيم الرجولة والمسؤولية من الكبار للصغار.
ذكرت ليها برضو أنه الدور ده بينعكس في شكل الأكل وتقديمه، فمثلا أكل البلد بيكون صحان كبيرة الناس بتتشارك فيها، وبطبيعة الحال تناول الوجبة بياخد زمن بطيء.
في المقابل لمن تفكر في ماكدونلاندز فأنت بتفكر في ساندويتش، اللي هو انت غالبا حتاكله براك، وهو وجبة سريعة بتنتهي منها وبتكمل
حياتك مباشرة، خالية من كل الأدوار الاجتماعية التانية دي، وبدون تعامل مع أي بشر تقريبًا (انت ما بتقدر تمشي الديوان وتاكل لوحدك، لكن العكس مع ماكدونالدز)، وثقافة الأكل دي بتنطوي على مضامين مختلفة عن ثقافة الأكل في البلد (انتهى)
فده بيؤدي لي أنه الشخص الذي يعيش في حياة مدنية حديثة
بيكون محروم من تفاعل اجتماعي هو في الحقيقة عنصر ضروري من النمو النفسي ومعايشة الواقع ومعرفة معناه.
الذكرني بالكلام ده أسي أني اتذكرت فكرة حايمة في ذهني من سنين، أنه جانب أساسي من انتشار العصاب زي الاكتئاب والقلق وغيرو هو ضعف وجود الحياة الاجتماعية في الحياة المدنية،
العزلة المضروبة على الإنسان الحديث حيث أنه بيعيش في منزل عبارة عن ستة حيطان محيطة بيو، مساحة تحركه الاجتماعي محدودة منذ طفولته لحدي عمله، وكتير بقا أنه الأهل بيمنعوا أولادهم يلعبوا "في الشارع" خوفًا عليهم من الخطر، فده كله نمط حياة غير طبيعية أبدًا وفطرة الإنسان تأباه بحدّة.
الحياة المدنية الحديثة دي صيغة غير إنسانية للحياة، خالية من المعنى بدرجة ما شوية، جافة وباردة في معمارها وفي مظهرها، وفي نمط العمل البتفرضه، وفي مساحات التعامل الاجتماعي البتسمح بيها، وفي كل عنصر من عناصرها تقريبا (ثقافة الأكل هي الوصلتني هنا).
بالطبع كلامي ده لا يعني أنه حياة الريف خلاص هي الحياة المثالية (المفروض نحذر من رمنسة الريف وأوضاعه)، لكن في نفس الوقت الصيغة الحالية للمدينة إشكالية جدا بالنسبة لي، للمستقبل داير أفكر في صيغة بتاعة حياة تقدر تكون قايمة على المضامين الجيدة في الريف، وفعالية وإنتاجية المدينة.

جاري تحميل الاقتراحات...