بينما كان أمير الؤمنين معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- في مجلسه، كانت أم الحكم أخته تستمع من خلف حجاب، فأزاحت الستار قليلاً، فرأت رجلاً قصير القامة، ضئيل الجسم، أصلع الرأس، متراكب الأسنان، مائل الذقن، نخسف العينين، رجلاه معوجتين، ليس في إنسان عيبٌ إلا وله منه نصيب!
1/ 23
1/ 23
فتعجَّبت منه ومن شكله، ومن سبب احترام أخيها الخليفة الزائد له، فسألته بعد حين عنه، فقال: "هذا الذي إذا غضِبْ؛ غضبَ له 100 ألف من بني تميم؛ لا يدرون فيما غضب." فمن هذا الفذ المحنك، الذي تغضب له قبيلة من أعظم القبائل؟
عِقدٌ (ثريد)
2/ 23
عِقدٌ (ثريد)
2/ 23
إنه الأحنف بن قيس، الذي من إن جاء داعية رسول الله ﷺ قومه بني تميم، وعرض عليهم الإسلام، حتى تردد القوم، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض. عندها قال الأحنف: "يا قوم، ما لي أراكم مترددين؟ تقدمون رِجلاً وتؤخرون رِجلاً، والله إن هذا الوافد عليكم وافد خيرٍ، يدعوكم لمكارم الأخلاق،
3/ 23
3/ 23
وينهاكم عن سيئها. والله ما سمعنا منه إلا حسناً، فأجيبوا داعي الهدى، ففوزوا بخيره في الدنيا والآخرة."
فما هم حتى أقبلوا على رسول الله ﷺ مسلمين، إلا هو، ذهب ليغتسل وليتطيب بعد طول سفر؛ وما ذلك إلا ليلاقي رسول الله ﷺ بأحسن صورةٍ وأبهى حِلَّةٍ.
ثم قدم عليه،
4/ 23
فما هم حتى أقبلوا على رسول الله ﷺ مسلمين، إلا هو، ذهب ليغتسل وليتطيب بعد طول سفر؛ وما ذلك إلا ليلاقي رسول الله ﷺ بأحسن صورةٍ وأبهى حِلَّةٍ.
ثم قدم عليه،
4/ 23
فقال له رسول الله ﷺ: «إن فيك خصلتان يحبُّهما الله ورسوله: الحلم والأناة، قال: يا رسول الله، أهما خصلتان تخلقت بهما، أم خصلتان جبلني الله عليهما؟ فقال رسول الله ﷺ: بل هما خصلتان جبلك الله عليهما، قال الأحنف: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله.»
5/ 23
5/ 23
كان -رضي الله عنه- قد ولد في السنة الثالثة قبل الهجرة، سماه أبوه قيس بن معاوية: [الضّحاك]، ولكن لأن في رجليه اعوجاج سُمي بالأحنف فغلب عليه. كان أبوه من وسط بني تميم نسباً ومكانةً. ولد في اليمامة غربي نجد، ونشأ يتيماً؛ فقد قُتِل أبوه وهو ما زال طفلاً لم يمش بعد.
6/ 23
6/ 23
قال الأحنف: بينما أنا أطوف، إذ لقيني رجل أعرفه، فقال: ألا أبشرك؟ أما تذكر يوم بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك، فقلت أنت يومئذ ما قلت؟ فإني رجعت إلى النبي ﷺ فأخبرته بمقالتك، فقال: «اللهم اغفر للأحنف»،
فكان يقول: "ما مِن شيء من عملي أُرجى لي يوم القيامة، من دعوة رسول الله ﷺ."
7/ 23
فكان يقول: "ما مِن شيء من عملي أُرجى لي يوم القيامة، من دعوة رسول الله ﷺ."
7/ 23
نبغ الأحنف منذ نعومة أظفاره، وحتى شبابه وفتوته، وقد شهد له الفاروق -رضي الله عنه- أنه سيد أهل البصرة.
فأثناء فتوحات العراق، كان الأحنف مع قومه بنو تميم مشاركاً فيها، فأرسل عمر إلى عتبة بن غزوان، يطلب منه أن يرسل إليه عشرةً من خيرة المجاهدين يستشيرهم، فكان الأحنف أحد هؤلاء.
8/ 23
فأثناء فتوحات العراق، كان الأحنف مع قومه بنو تميم مشاركاً فيها، فأرسل عمر إلى عتبة بن غزوان، يطلب منه أن يرسل إليه عشرةً من خيرة المجاهدين يستشيرهم، فكان الأحنف أحد هؤلاء.
8/ 23
فلما مثلوا بين يديه: سألهم عن حاجاتهم وحاجات الناس، فأجابه جميعهم أنك أدرى بحاجة الناس. ثم سألوه حاجاتهم، إلا الأحنف؛ فإنه حمد الله وأثنى عليه، وقال: "إن جند المسلمين الذين حلوا في مصر قد نزلوا في الخضرة والنضرة والخصب في منازل الفراعنة،
9/ 23
9/ 23
والذين حلوا في الشام قد نزلوا في الرغد والثمار من منازل القياصرة، وإن الذين حلوا في ديار فارس نزلوا على ضفاف الأنهار العذبة والجنان من منازل الأكاسرة؛ لكنَّ قومنا الذين حلُّوا في البصرة نزلوا في أرض هشاشة نشاشة لا يجفُّ ترابها ولا ينبت مرعاها، أحد طرفيها بحر أُجاج،
10/ 23
10/ 23
وطرفها الآخر فلاة قفر لا زرع فيها؛ فأزل يا أمير المؤمنين ضرّهم وأنعش حياتهم. مُر واليَك أنْ يحفر لهم نهراً؛ يستعذبون منه الماء، ويسقون الأنعام والزرع؛ فيحسن حالهم وترخص أسعارهم، ويستعينوا بذلك على الجهاد في سبيل الله."
فتعجّب عمر من حكمته والتفت إلى رجال الوفد، وقال:
11/ 23
فتعجّب عمر من حكمته والتفت إلى رجال الوفد، وقال:
11/ 23
«هلا فعلتم فعل هذا، إنه والله السيد»، ثم أعطى الجميع جوائزهم. فلما أراد أن يعطي الأحنف، قال: "والله يا أمير المؤمنين، ما قطعنا إليك الفلوات ولا ضربنا للقائك أكباد الإبل في البكور والعشيات لنيل الجوائز، وما لي حاجة إليك إلا حاجة قومي التي ذكرت، فإن تقضها تكون قد كفيت ووفيت"
12/ 23
12/ 23
فازداد عمر اعجاباً به، وقال: "إنَّ هذا سيِّد أهل البصرة."
بعد عام الجماعة، وتنازل الحسن، اجتمع المسلمون على خلافة معاوية، وكان الأحنف من أنصار الإمام علي -رضي الله عنهم-، فلمّا التقيا كلمه معاوية معاتباً، فقال: "والله يا أخنف ما تمثلت [يوم صفين] وتذكرت انحيازك عنا،
13/ 23
بعد عام الجماعة، وتنازل الحسن، اجتمع المسلمون على خلافة معاوية، وكان الأحنف من أنصار الإمام علي -رضي الله عنهم-، فلمّا التقيا كلمه معاوية معاتباً، فقال: "والله يا أخنف ما تمثلت [يوم صفين] وتذكرت انحيازك عنا،
13/ 23
ووقوفك إلى جانب علي بن أبي طالب؛ إلا كانت حزازة في قلبي إلى أن أموت!"
فرد الاحنف: "والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها ما تزال بين جوانحنا، وإن السيوف التي قاتلناك بها ما فتأت في أيدينا، وإن تدنو من الحرب فتراً ندنو منها شبراً، وإن تمشي إليها مشياً نمضي إليها هرولة.
14/ 23
فرد الاحنف: "والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها ما تزال بين جوانحنا، وإن السيوف التي قاتلناك بها ما فتأت في أيدينا، وإن تدنو من الحرب فتراً ندنو منها شبراً، وإن تمشي إليها مشياً نمضي إليها هرولة.
14/ 23
والله ما حملتنا إليك رغبة في عطائك أو رهبة في جفائك، وإنما جئناك لرأب الصدع ولمِّ الشمل وجمع كلمة المسلمين."
15/ 23
15/ 23
وعندما جمع أنصاره من أجل أخذ البيعة لابنه يزيد، أيده الجميع وكان أشدهم تأييدا ابن المقفع العذرى الذى أشار بسيفه إلى معاوية وقال: هذا هو الخليفة فإن هلك فهذا -وأشار إلى يزيد- ومن أبى فهذا -وأشار إلى سيفه-. فقال له معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء.
16/ 23
16/ 23
ثم التفت إلى الأحنف قائلاً: ماتقول يا أبا بحر؟ فقال: نخافكم إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد فى ليله ونهاره وسره وعلانيته، فإن كنت تعلمه للأمة خيرا فلا تشاور فيه، وإن كنت غير ذلك فلا تزوده الدنيا، وأنت صائر إلى الأخرة.
17/ 23
17/ 23
وتفرق الناس لايذكرون من الاجتماع إلا قول الأحنف. وقد أضمر معاوية هذه الواقعة فى نفسه، فسسلط عليه رجلا أبله، وجعل له مكافأة إن صفع سيد بنى تميم، فتضيع مكانته فى قومه إذا تمسك بالحلم ورضى بالصفعة، وإذا ثار وغضب يقولون ضاع حلمه ودهاؤه أمام مجنون!
18/ 23
18/ 23
وبالفعل تقدم الرجل المجنون ولطم الأحنف أمام قومه. فرد الأحنف بهدوء: لم لطمتنى؟ قال الرجل: جُعل لى جعلاً أن ألطم سيد بنى تميم. فقال الأحنف بدهاء شديد: ما صنعت شيئاً.. عليك بحارثة بن قدامة فإنه سيد بنى تميم، فانطلق ولطمه، فقطع ابن قدامة يده فوراً.
19/ 23
19/ 23
قيل له: ممن تعلمت الحلم؟
فقال: "من قيس بن عاصم؛ رأيته يوماً قاعداً بفناء داره محتبياً بحمائل سيفه، يحدث قومه. إذ أُتيَ برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك! فوالله ما حلَّ حبوته، ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه، فقال: «يا ابن أخي»» بئسما فعلت،
20/ 23
فقال: "من قيس بن عاصم؛ رأيته يوماً قاعداً بفناء داره محتبياً بحمائل سيفه، يحدث قومه. إذ أُتيَ برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك! فوالله ما حلَّ حبوته، ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه، فقال: «يا ابن أخي»» بئسما فعلت،
20/ 23
أثمت بربك، وقطعت رحمك، وقتلت ابن عمك، ورميت نفسك بسهمك.» ثم قال لابن له آخر: «قم يا بني إلى ابن عمك، فحل أكتافه، ووارِ أخاك، وسُق إلى أمك مائة من الإبل دية ابنها؛ فإنها غريبة.»
21/ 23
21/ 23
وفي يومٍ ما، كان الأحنف جالساً، وعنده ابنٌ له يحبو، فدخل خادم معه حساء يغلي، فتعثر، وسقط الإناء على الطفل؛ فاحترق ومات من فوره. فخاف الخادم وفزع، فلما رآه الأحنف قال: "أنت حرٌّ لوجه الله!"
22/ 23
22/ 23
وتعرض له رجلٌ في طريقه ذات مرةٍ، فجعل يشتمه ويسمعه قوارص الكلام، والأحنف يسير لا يجيبه حتى إذا اقتربا من الناس؛ التفت إليه الأحنف، وقال: (يا ابن أخي، إن كان قد بقي من كلامك فضلة فقلها الآن؛ فإني إذا دخلت البصرة وسمعك قومي أصابك منهم أذى."
23/ 23
23/ 23
انتهى.
@rattibha رتبها من فضلك
جاري تحميل الاقتراحات...