إيمان
إيمان

@mayziyada

16 تغريدة 36 قراءة Jun 06, 2022
علاقتنا مع الآخرين
علاقتنا مع ذواتنا
الحرية ثم المسؤولية
هي المواضيع التي رغب سارتر أن يعالجها بمسرحيته "جلسة سرية"
ثلاث شخصيات شكلت مثلثا أقل ما يوصف به أنه الجحيم بعينه.
كتب سارتر المسرحية بين سنتي 1943 و1944، كتبها في الأصل ليمثلها ثلاثة من أصدقائه ولهذا السبب كتب فصلا تتفاعل فيه ثلاثة شخصيات بنفس القدر من الأهمية والحضور فلم يغادر أحد المشهد، لهذا شكلت فعلا غرفة بلا مفر أو غرفة بابواب مغلقة أو بتفسير أقرب الى معناها "الجحيم".
الجحيم ليس سوى مجاز لما يحدث حقيقة فوق الأرض ويفرض الهاجس "السارتري"وهو قلق الفرد من هذا الوجود القلق الذي يراه سارتر غثيانا!
ما الحل؟
الحرية،حرية التفكير ثم التصرف لكن تصرفاتنا تترك أثرا فهل علينا أن نتحمل نتائج اختياراتنا.
الأمر يذكرني بما تناوله كونديرا في كائن لا تحتمل خفته
كونديرا في عمله يلمس هذه المعضلة، فحياة شخوصه بين فكرتي الثقل والخفة تخبرنا أن الفرد لا يملك سوى خيارا واحدا متى مضى فيه فقد اختار حياته والخيارات الأخرى بشكل ما ماتت بتجاهلنا لها..فهل علينا أن نتحمل ثقل قراراتنا!
جلسة سرية -وأنا هنا سأختار الترجمة القانونية فقط لأني أحب العبارة - تنصحنا اذن أن نتصرف ونفعل شيئا حيال اختياراتنا عوض أن نضطر لتحمل آثارها حين يكون الوقت قد فات،
شخصيات المسرحية الثلاث هم موتى مفترضين لكنهم يعتبرون أنفسهم ربما أكثر حياة من أولئك على الأرض..
بمعنى؟
بمعنى أن الموت هو الشيء الوحيد الذي يراه سارتر يمنح الفرد جوهرا ثابتا أما وأنت حي ترزق على الأرض فليس هناك شيء ثابت، يمكنك أن تتغير يمكنك أن "تعيش" مع ما يفترضه هذا العيش من ترك هامش للتغيرات، سارتر ينصحك ان لم تتغير فأنت ميت،لماذا عليك أن تختار "الأبد" ولك الحرية لتختار "الآن"
الثلاث شخصيات تجاهلوا فكرة أنهم أموات فعلا وأنهم بالجحيم فحاولوا أن يكونوا أحرارا أن يغيروا من أنفسهم وحقيقتهم لكن الوقت كان قد فات ولا مفر من قبول هذه الحقيقة..فات وقت التغيير.
المسرحية تحاول أن تجيب على عدة أسئلة ومنها أي موقع تستحوذ عليه نظرة الآخرين بالنسبة لوعينا بذواتنا؟ لهذا اشتغل سارتر على عدة مستويات وجاء جحيمه مميزا
ب:
- ليل أبدي
-لا نوافذ للغرفة
- لا جفون =لا نوم
- وأهم شيء لا وجود للمرايا.
لا مفر اذن من التفاعل بين شخصيات لا مفر من الحديث الذي سيشكل صراعا بين شخصيات يجمعهم الإجرام، ومع دخولهم للجحيم انتظروا قدوم "المعذب" أوالجلاد ووجدوه لكن ليس بالشكل الذي تخيلوه أبدا،وهذا ما يريده سارتر بالضبط، أن نعرف من يجلدنا من يعذبنا حقيقة اذا علمنا هذه الحقيقة ربما تصرفنا
العبارة الشهيرة والمتداولة لسارتر والتي تقول "الجحيم هو الآخرون" قد تختصر ما يود سارتر قوله،لكن تداولها بعيدا عن سياقها خصوصا بعيدا عن الشخصية التي قالتها في المسرحية يسقط نصف معناها وهذا ما دفع سارتر أن يتدخل ويحاول أن يشرح ماذا يريد قوله بعبارته تلك!
"الجحيم هو الآخرون" لا يقصد بها سارتر أن جل علاقاتنا مسمومة أو "جحيمية" بل يقصد أنها قد تكون كذلك متى كانت علاقتنا مع الآخر "فاسدة"؛ فهنا سيكون الآخر هو الجحيم لأننا بحاجة لوعيه بنا لنقيم وعيا بذاتنا،لن أحكم على ذاتي الا من خلال ما توصل له الآخر عني
ربما مثال ثقب الباب يوضح
فلنفترض مثلا أني وقفت أمام باب مغلق وتناهى الى سمعي أصوات أناس يتكلمون خلفه، راودني الفضول أن أعرفهم وأعرف عما يتحدثون فنظرت من خلال ثقب الباب وشحذت تركيزي تماما اتجاه هؤلاء الناس، ولم أفكر بتاتا في أن التصرف الذي أقوم به شيء سيء لأني منشغل بهم فقط..
ثم..
فجأة انتبهت أن أحدهم يراقبني، هنا لن أبقى منشغل بمن خلف الباب بل بما يفكر به من وجدني بهذه الحالة، الأكيد أنه صنفني كمتلصص قذر، أصبحت أنا نفسي آخر في نظر شخص آخر، وغالبا هذا الشخص قام بعملية
"تشييء" لذاتي بوضعها في خانة معينة دون سواها..وسارتر يمنح أمثلة كثيرة غير المتلصص.
طيب بالعودة للمسرحية ..
سارتر يوضح أن وجود الآخر كجحيم مفترض لا ينفي وجود علاقات أخرى تربطنا بالآخر كما يوضح أننا لا نشبه شخصيات مسرحيته فهم موتى بمعنى هو يقدم لنا نصيحة تصرفوا قبل فوات الأوان لا تقيدوا أنفسكم بمجموعة من الطباع او احكام صدرت بحقكم وتستسلمون لها فهكذا أنتم موتى
لما قد ترغب في أن تعيش ك"ميت حي"، حرر نفسك من دائرة الجحيم التي وضعت نفسك فيها فأنت حر، وان رضيت بالبقاء فيها فأنت حر أيضا
لكن..
لا تقل أن الآخرين هم الجحيم ففي الحقيقة أن الجحيم هو أنت متى تملكك القلق وهاجس الآخرين.
وأتوقف هنا قبل أن اربط المسرحية بفيلم لبرغمان ولن تنتهي دائرة جحيمي أنا..

جاري تحميل الاقتراحات...