ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

26 تغريدة 990 قراءة Jun 03, 2022
في شتاء عام 1945، وبينما شقيقان مصريان يحفران الأرض من أجل تسميد حقلهما، عثر أحدهما على جرة أثرية محكمة الغلق، برقت عيناهما بالعجب والفرحة، انتظارا ربما لكنز كبير. لكن ما وجداه فاق الكنز بكثير!
ماذا وجدا و كيف غيّر الأمر من فهمنا للتاريخ؟ وما علاقته بالمسيح والتوحيد..
حياكم تحت
هنا ينحرف النيل فجأة من الشرق إلى الغرب مكونا نصف دائرة قبل أن يعود ثانية إلى مساره، على ضفاف هذا المنحنى بزغت نجع حمادي في صعيد مصر منذ فجر التاريخ، وهو المكان الذي عثر فيه أبطالنا على تلك الجرة الحمراء التي استبشروا بها بداية، قبل أن يصيح أحدهم من أنها ربما قمقما يحوي جنا.
بعد هذا التحذير ساد الارتياب وعم التردد، لكن محمد وهو أحد الشقيقن تراءت أمامه ما يمكن لهذه الجرة أن تحمله من ذهب وكنوز وحلول لكل مشكلاته، لذلك حاول فتحها ولما لم يفلح هوى عليها بفأسه بكل قوة فحطمها، هنا شاهد الجميع ترابًا أصفر اللون يتصاعد من الجرة قبل أن يختفي ويسكن الوضع.
لم يجد الإخوة ذهبًا أو أحجارًا كريمة، وإنما جملة ما وجدوه اثني عشر مجلدًا من برديات ومخطوطات مغلفة بإحكام شديد ومكتوبة باللغة القبطية، خاب أمل الإخوة واستسلموا لمرارة سحيقة، لكن تمسك محمد بالأمل وفرد شاله وجمع المخطوطات في صرة واحدة وحملها وعاد بها إلى بيته.
وضع محمد تلك المخطوطات بجوار كومة من القش والحطب تستخدمهما أمه كوقود، قص على أمه ما حدث، فارتاعت، وبعد برهة وفي غفلة من مخطوطاته قامت بحرق بعض الأغلفة والبرديات، ظنًا منها أنها تحمل أسحارًا وأشياء سيئة، قبل أن يمنعها محمد عن ذلك، ويبعدها في مكان أكثر أمانًا.
في السنة التالية، تورط الشقيقان في جريمة ثأر، ما اضطرهما للرحيل عن القرية، لكن قبل الرحيل كانا قد باعا عددًا من المخطوطات بأثمان بخسة لبعض المهتمين، سارت المجلدات من يد إلى يد ومن تاجر إلى آخر حتى وصل إحداها إلى المتحف القبطي، والذي وضعه في مخازنه لسنوات دون كبير اهتمام!
خرج هذا المجلد إلى النور مرة أخرى حين حضر جين دوريس عالم الآثار الفرنسي الشهير إلى القاهرة، حيث برقت عيناه بالعجب حين اطلع على المخطوط، وأخبر توجو مينا مدير المتحف حينذاك، بأن هذه المخطوطة وما يكملها من شأنهم تغيير كل ما هو معروف عن أصل الحركة المسيحية وثوابتها.
تحمس توجو مينا مدير المتحف القبطي لهذه المخطوطات وأوصل الأمر لطه حسين وزير المعارف حينذاك، الذي رصد مبالغ مالية كبيرة من أجل جمعها من التجار وكذا ترميمها ودراستها، وأصدر قرارًا بمنع خروج أي من هذه المخطوطات خارج البلاد.
ولما تعذر للوزير تدبير المبلغ الكبير الذي طلبه التجار، قامت شرطة الآثار بالتدخل، فصادروا كل ما وجدوه في حوزة البائعين وكذا في حوزة القرويين، وقد وصل عدد هذه المخطوطات المجموعة في النهاية إلي 12 مجلدا تحتوى على 52 نصا بواقع ألف صفحة، فضلًا عن 6 صفحات من مجلد أخير مفقود.
وعندما انتقلت إدارة المتحف القبطي إلي الدكتور باهور لبيب عام 1952، لم يكن متحمساً في الإسراع بنشر نصوص نجع حمادي، بسبب معارضتها لما عليه المسيحية، عدم التحمس تسبب في تعطيل نشر المخطوطات لسنوات، قبل أن تطالب اليونسكو بنشرها بعد ترميمها ومراجعتها وهو ما تم في 1977.
النصف الثاني من القرن ال4 الميلادي، هكذا حدد علماء الآثار الوقت الذي تم فيه إخفاء الجرة في جبل الطارف بنجع حمادي، وبالعودة إلى تلك الحقبة؛ تحديدًا عام 367م نجد أثناسيوس بابا الإسكندرية الأول قد أصدر رسالة رعوية إلى جميع الكنائس المصرية حينذاك يعتمد فيها إنجيلًا محددًا لأتباعه.
معلنًا أن أي كتابات أخرى "ستسمم عقلك وتشوه فكرك"، ويبدو أن مخطوطات نجع حمادي كانت من تلك الكتابات الأخرى، لذلك ارتأى أصحابها المؤمنون بها، والذين يعتقد أنهم رهبان من دير القديس باخوم القريب، بدفنها خوفا على أنفسهم، وخوفًا من أن تحرق كغيرها من النصوص غير المعتمدة من الكنيسة.
مع الترجمات بدأت المخطوطات تفصح عن ذاتها بشكل مثير للعجب؛ حيث تبين احتوائها على أسفار متنوعة من بينها، متون هرمس وهي حكم يونانية فرعونية، وكذا ترجمة جزئية لكتاب الجمهورية لأفلاطون، لكن أبرز ما احتوته المخطوطات هو نسخة مكتملة ووحيدة في العالم من إنجيل توما المفقود.
في العقود الأولى من المسيحية كان هناك عشرات الأناجيل المختلفة والمتنوعة التي تروي حياة المسيح وتوثق ما تنزل الله به عليه من وحي، لكن بعد 150م ارتأى زعماء الكنيسة محو ومحاربة كل هذه الأناجيل والإبقاء فقط على أربعة منها استمروا حتى اليوم وهم -متى ومرقس ولوقا ويوحنا- كأناجيل رسمية.
كان إنجيل توما احد تلك الأناجيل التي حوربت وقطع دابرها، لكن بعض الرهبان المصريين الذين عاشوا في القرن الرابع الميلادي ممن احتفظوا بنسخة من هذا الإنجيل؛ استطاعوا على ما يبدو دفنها مع غيرها في تلك الجرة التي غابت في الأرض أكثر من 16 قرنا قبل أن تهوى عليها فأس محمد السمان.
يختلف إنجيل توما من حيث البنية والأسلوب عن بقية الأناجيل الرسمية للكنيسة، حيث لا يعمد إنجيل توما إلى أسلوب السرد القصصي لحياة المسيح؛ وبدلًا من ذلك، يتألف من أقوالٍ قيلت على لسانه، وأحياناً أقوالٌ قائمة بذاتها، وأحيانًا أقوالٌ مُضمّنة في حواراتٍ أو أمثالٍ قصيرة.
يعتقد البعض أن إنجيل توما له علاقة بـ "الوثيقة ق" المفقودة من إنجيل متى ولوقا، والتي يعتقد أنها تضم مجموعةٍ من أقوال المسيح خالصة دون زيادات أو شروحات، وربما كان هذا الإنجيل مجرد ترجمة قبطية جزئية أو كلية أو استلهامية لتلك الوثيقة، والتي يعتقد البعض أنها النص الأصلي للإنجيل.
يتكون إنجيل توما من 114 قولا منسوبة للمسيح، حيث تقول العبارة الافتتاحية فيه: "تلك هي الكلمات السرية التي نطق بها يسوع الحي، وكتبها ديدموس يهوذا توما." وتوما هو أحد حواريي المسيح الاثنى عشر المقربين، أو أحد رسله الاثنى عشر حسب المسمى الكنسي، بمعنى تلامذته.
يتلاقى إنجيل توما مع كثير من قصص ومقولات المسيح في الأناجيل الأخرى، لكنه يختلف عنها في أشياء جوهرية، أهمها هو أن الأناجيل الأربعة أناجيل تقوم على فكرة الصليب، بمعنى أن قصة المسيح تنتهي بالصلب وأحيانا بالقيامة بعد الصلب، أما إنجيل توما فلا، حيث تختلف طبيعته عن أي إنجيل آخر.
لم يذكر إنجيل توما أي شيء عن صلب المسيح أو قيامته، بل لا يقر التصور المسيحي القائم في الأناجيل الأربعة عن طبيعة المسيح الإلهية، فعندما يُسأل المسيح عن طبيعته لاهوتية أم ناسوتية؟ يتجاهل الرد على هذا السؤال، ويسأل تلامذته: لماذا لا يرون ما هو صحيح أمامهم؟!
إنجيل توما في رأي بعض الباحثين هو إنجيل حكمة يبعث على التصوف والتساؤل، وقد انفرد بذكر عدد من القصص التي لا وجود لها في أي من الأناجيل الآخرى، مثل قصة المسيح وتلامذته مع جيفة كلب مروا بها، فقال تلامذته ما أنتن ريحه، لكن المسيح نظر إلى الكلب وقال "ما أشد بياض أسنانه!".
وبالطبع رفضت الكنائس جميعها إنجيل توما وعدته من صنع المهرطقين، وجعلته نتاجا عن تلاقٍ بين الغنوصية والمسيحية، لينضم إلى قائمة طويلة من أناجيل تاريخية وصفت على أنها منحولة أو أبوكريفية، مثل أناجيل الطفولة وإنجيل مريم المجدلية وكذا إنجيل يهوذا وإنجيل بطرس.
جاء في إنجيل بطرس - الذي تعده الكنيسة منحولا- على لسان بطرس: "رأيته يبد وكأنهم يمسكون به وقلت:ما هذا الذي أراه يا سيد؟ هل هو أنت حقا من يأخذون؟ أم أنهم يدقون يدي شخص أخر؟ قال المخلص:من يدخلون المسامير في يده وقدميه هو البديل، فهم يضعون الذي بقى في شبهه العار، انظر إليه وانظر إلي"
ومن المثير للتأمل أن أقدم الكتابات المسيحية الموجودة الآن في العالم. بما في ذلك نسخ العهد الجديد، سواء منحولة أو رسمية وجدت كلها في أرض مصر، وليس هناك نص واحد ينتمي إلى القرون الثلاثة الأولى للميلاد، تم العثور عليه خارج مصر.
هناك جدل قائم حول زمن كتابة إنجيل توما، فهناك من يضعه في القرن الأول الميلادي وهناك من يضعه في القرن الثاني، على أن بعض الباحثين يشير إلى أن اقتصار هذا الإنجيل على أقوال المسيح بشكل مجرد يوحي أنه سبق الأناجيل الأخرى، التي أخذت عنه وجاءت مصرّفة بمزيد من السياقات.
عثر محمد السمان الفلاح المصري البسيط على هذه الكنز المعرفي الهادر، والذي أريد له في زمن بعيد أن يخفت ويصمت إلى الأبد، لكن مشيئة الله جعلته يطفو مجددًا على سطح الوجود، كي يثير كل هذا الجدل، وكي يعيد أنظار الباحثين مجددًا نحو بناء تاريخ أشد دقة وشمولًا وموضوعية للمسيح وحياته.

جاري تحميل الاقتراحات...