قبل هذا كلّه أشير إلى بعض ما يجب أن يُعرف بخصوص "فلسفة" كانط. إن الزمان والمكان عند كانط ليس لهما مصداق بالذات في الخارج، وليس لهما منشأ انتزاع في الخارج، فإن صح التعبير بالمصطلح المشهور عندنا؛ إن كانط يعد الزمان والمكان ليسا من المعقولات الأوليّة ولا من الثانوية.
وإنما يعدّ الزمان والمكان أنهما عبارة عن حدس قَبْليّ؛ كونه قبليّ يعني به أنه سابق على أي معرفة "أمبيريّة" مطلقًا أصلًا ثم أنه به يكون الضروريّ والكُليّ والتعيُّن وقد ابتدع لفظ "المقولات" وألصقه على ماهو على هذه الشاكلة؛ علمًا أن المقولات عنده وعندنا عبارة عن اشتراك لفظي محض.
ثم كونهما حدس، يعني أنهما لا شيء سوى تعيُّنات ذهنيّة. فهذه قصّة الذي يسمّيه كانط بالمكان والزمان.
ثم معيار صدق كون قضيّة ما ضروريّة وكليّة عنده كونها متصوّرة في الحدس القبلي الذي هو الزمان والمكان وخضوعها لما يسمّيه بالمقولات.
وهذا كلّه لم يسبقه به إنس ولا جان، بل من اختراعاته.
ثم معيار صدق كون قضيّة ما ضروريّة وكليّة عنده كونها متصوّرة في الحدس القبلي الذي هو الزمان والمكان وخضوعها لما يسمّيه بالمقولات.
وهذا كلّه لم يسبقه به إنس ولا جان، بل من اختراعاته.
ثم القضايا عنده تحليليّة وتأليفيّة؛ التحليليّة عنده ماكان محمولها مأخوذ في حد موضوعها ويصدق عليه بالحيثيّة الإطلاقيّة (أي حيثية الموضوع من حيث هو هو)، وهذه القضايا صادقة بالضرورة إذ الحكم فيها ليس سوى نفس تحليل الموضوع 'ماهو؟'.
ثم التأليفية هي التي محمولها ليس منتزع من الموضوع من حيث هو هو بل بإنضمام معنى ما وحيثية زائدة؛ هذه كما اشرنا عنده يجب أن تخضع للزمان والمكان، أو تكون راجعة إلى قضيّة تأليفيّة سبق صدقها تحت هذه الشرائط، ثم أن تخضع لما يسمّيه بالمقولات الإثني عشر.
أمّا الآن لنأخذ نصًّا مهمًّا ونشرحه ثم نعود لذلك الذي نقلته في أوّل هذه التغريدات. قال كانط في نفس الفصل تحت عنوان [في العرض المُجاوز لأفهوم المكان]: " ((المكان ذو أبعاد ثلاثة وحسب))، فمثل هذه القضايا، لا يمكن أن تكون قضايا أمبيريّة او أحكامًا تجربيّة أو أن تشتق من هذه الأحكام"
هذه القضيّة (المكان ذو أبعاد ثلاثة فحسب) عنده تشير إلى أنه كان يعتقد أن المكان هو الإمتداد في الأبعاد الثلاثة، ومن ثم هذا مقرّه القدرة الحسّاسة الإنسانيّة بصفته حدس قبلي محض. وقد عرّفه في غير موضوع بالممتد اللامتناهي في الأبعاد الثلاثة😅...
وهنا أريد الإشارة إلى نكتة طريفة؛ ماهو الذنب الذي اقترفه "الجسم التعليمي" لكي تسلخ منه إسمه فتمسخه وتسمّيه بالمكان؟ إلّا أنه السيّد كانط معذور فليس لديه إطّلاع على الفلسفة المشائية فلا نلزمه بالإلتزام بالمصطلح المشهور، دعه يسمّي التفاحة زيتون أو فرس أو بقر أو درب التبّانة...
على كل حال لا أريد التطرّق إلى هذه الآن، نغض النظر عنه؛ فلنذهب إلى بعض أدلّة كانط على قبليّة المكان.
الدليل الأوّل: يقول كانط "يجب أن يُطرح تصوّر المكان سلفًا كأساس"، بمعنى لا يمكن أن نتصوّر جسم (مكين) بلا مكان.
الدليل الأوّل: يقول كانط "يجب أن يُطرح تصوّر المكان سلفًا كأساس"، بمعنى لا يمكن أن نتصوّر جسم (مكين) بلا مكان.
أقول: المكين والمكان متكافئين في التصوُّر لزومًا، بمعنى أن تصوّر أحدهما (الأوّل) يستلزم تصوّر الآخر (الثاني) وتصوّر (الثاني) يسلتزم تصوّر (الأوّل). بمعنى أنه أصلًا كل واحد من المضافين معقول بالقياس إلى الآخر.
مثال توضيحي مثل الظرف والمظروف، الآن لا معنى لظرف من حيث هو ظرف إلّا أن يكون متصحّح كون هناك مظروف، ولا يكون مظروف إلّا لو كان متصحّح كون هناك ظرف، وكذلك الأُبُوّة والبُنُوّة مثلًا.
فإنه لا يمكن تصوّر مكين بدون استلزام تصوّر مكان، ولكن أيضًا لا يمكن تصوّر مكان بدون استلزام تصوّر مكين. والإستلزام هنا أعم من كونه بالتقدّم أو التأخّر؛ فكيف عرفت من تلازمها في مقام التصوّر أنه المكان متقدّم على المكين!!
فإن قُلتَ: أننا دائما نتصوّر مكان ثم نتصوّر مكين.
قُلتُ: نحن نعلم بالمعلول ثم نعلم بالعلّة ونعلم بالعرض ثم نعلم بالجوهر، هل يلزم تقدّم المعلول على العلّة والعرض على الجوهر!!؟
يبدو أنه السيّد كانط لا يفرّق بين مقام الإثبات ومقام الثُبُوت.
قُلتُ: نحن نعلم بالمعلول ثم نعلم بالعلّة ونعلم بالعرض ثم نعلم بالجوهر، هل يلزم تقدّم المعلول على العلّة والعرض على الجوهر!!؟
يبدو أنه السيّد كانط لا يفرّق بين مقام الإثبات ومقام الثُبُوت.
أيضًا أقول لو كان أنه [لا يمكننا تصوّر مكين بدون مكان] دليل كافٍ على تقدّم المكان، لكان يلزم أنه [لا يمكننا تصوّر مكان بدون مكين] دليل كافٍ على تقدّم المكين؛ ثم كلٌّ من العبارتين صحيح فإن سلّمت الأولى دليلًا يلزمك تسليم الثاني دليل فتتناقض. لذلك هذا دليل ضعيف.
الدليل الثاني: يقول كانط أننا نستطيع تصوّر مكان لا مواضيع فيه.
أقول: بل لا يمكننا، ولو أمكن لكان من باب فرض المُحال. ثم كانط ههنا يعني بالمكان خصوص الإمتداد كما قد عرّفه سلفًا، وكما تعرفون الإمتداد كمٌّ متّصل أعني مقدار، وهو عَرَضٌ يحتاج لجوهر وهو الجسم الطبيعي.
أقول: بل لا يمكننا، ولو أمكن لكان من باب فرض المُحال. ثم كانط ههنا يعني بالمكان خصوص الإمتداد كما قد عرّفه سلفًا، وكما تعرفون الإمتداد كمٌّ متّصل أعني مقدار، وهو عَرَضٌ يحتاج لجوهر وهو الجسم الطبيعي.
فانظر إلى كانط كأنّه يقول بالخلاء وهو ممتنع بيّن الإمتناع وكأنه يقول بوجود العرض بلا جوهر وهو ممتنعٌ، أي بوجود الجسم التعليمي بلا جسم طبيعي، واعتذر عن هذه الإصطلاحات... على كل حال تبيّن فساد هذا.
وأصلًا كلامه عن المكان فيه إضطراب لا يخفى وخلط شنيع، ولكن على كل حال هو يقول أن المكان هو الممتد اللامتناهي في الأبعاد الثلاثة.
أقول لا تناهي الأبعاد بالفعل، سواء خلاء (وهو ممتنع) أو ملاء، فهو ممتنع هندسيًّا بأدلّة رياضيّة كثيرة، وبأدلّة فلسفية محضة كذلك.
أقول لا تناهي الأبعاد بالفعل، سواء خلاء (وهو ممتنع) أو ملاء، فهو ممتنع هندسيًّا بأدلّة رياضيّة كثيرة، وبأدلّة فلسفية محضة كذلك.
فنفس تعريفه هو للمكان، فاسد بفساد تقييده باللامتناهي.
على كل حال؛ إيمانويل كانط إمام من أئمة الوهم واللاعقلانيّة غارق في المحسوس بعيدًا عن المعقول، وماهذه الأوهام التي استعرضتها إلّا نطفة من بحر وهم هذا الرجل، على انه ليس فقط فاسد الفلسفة بل فاسد المنطق.
إنتهى.
على كل حال؛ إيمانويل كانط إمام من أئمة الوهم واللاعقلانيّة غارق في المحسوس بعيدًا عن المعقول، وماهذه الأوهام التي استعرضتها إلّا نطفة من بحر وهم هذا الرجل، على انه ليس فقط فاسد الفلسفة بل فاسد المنطق.
إنتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...