‏﮼الأعرابي القديم .
‏﮼الأعرابي القديم .

@radialonazi

19 تغريدة 80 قراءة May 26, 2022
#قصة ( الشاعر البائس ) .
أذله الدهر لا مال ولا سكن
فتى تزيد على أنفاسه المحن
إذا سعى فجميع الأرض قبلته
وإن أقام فلا أهل ولا وطن .
ولد عبد الحميد الديب في قرية كمشيش في المنوفية بمصر عام ١٨٩٨ م . كان والده أزهريا سعى لأن يكون لولده نصيب من العلم الديني ، فحفظ القرآن ومقصد والده
أن يكون إبنه عالما ويأخذ زاوية في المسجد ثم يدرّس وهذا شائع جدا في تلك الفترة ، بعد أن حفظ القرآن انحرفت بوصلته ناحية الأدب فأكب على قراءة وحفظ دوواين الشعر للمتنبي وابن الرومي وشطت سفينته تجاه الأدب والشعر ، وجد السلوى والعزاء في الأدب لروحه القلقة التعسة ، أرسله والده الى
الاسكندرية عام ١٩١٤ م ليكمل تعليمه الديني ولكن هذا أبعده تماما عن الدراسة التي أرسله والده فقد كانت الاسكندرية عالما آخر من الثقافات الأجنبية والانفتاح على عالم مغلق في قريته إلى عالم جديد ومتحرر وقاس ، فقد كان الفقر وضيق اليد ملازما للشاعر في حياته بالاسكندرية ، فغرفة عارية من
الأثاث هي ماكان يؤوي إليه-
أفى غرفتي يا رب أم أنا في لحدي
ألا شد ما ألقى من الزمن الوغد
وهل أنا حي أم قضيت وهذه
إهابة إسرافيل تبعثني وحدي.
ترك دراسته في المعهد الديني بالاسكندرية وانضم الى معهد دار العلوم لأنه يمنح طلابه مكافأة مالية. أتاح له هذا الاستقرار ابداعا سرعان ماظهر
عليه وبزغ شعره بين زملائه وبين أساتذته ولكن توفيت والدته وبعد قليل توفي والده فاتنكس الشاعر وشعر بالحرمان والبؤس ، ولم يكمل دراسته ورثاهما بشعره :
الـوالدانِ هلكـتُ بعدَهُـمــا
مَن لي على ردِّ الأسى بهـِمـا
أستـوحِـشُ الدنيـا كراهيَـةً
مُذ ذقتُ كأسي من فراقـِهِـما .كان عبد الحميد
الديب معاصرا لطه حسين والرافعي والمازني والعقاد وكثير من الرموز الأدبية والثقافية ولايقل موهبة وعبقرية عنهم ولكنه لم يرتبط مثلهم بأحزاب سياسية ، إضافة إلى بساطة تفكيره وكسله ، ومع ذلك فإن شعره كان مميزا بل أنه كان يبيع أشعاره لمن يرغب مقابل وجبة طعام ، شعره وطريقة تصويره تبين أن
الديب كان عبقريا وقفت ضده الحياة ومن يعرف ربما بؤسه هو الذي أشعل شرارة العبقرية . هو لسان البائسين ولذا لقب أمير الصعاليك، من الشعراء الذين وجهوا النظر لحاجات الانسان البدائية وليس شاعرا في برج عاجي يتكلم عن السنوسو وعن النهر والضباب ، يتكلم عن أزمة السكن ويصف صاحب المنزل فيقول
يطالبني في غلظة فأجيبه
إجابة من يرجو يداً ويحابي
ألا سكنٌ ملكى ولو بجهنم
وأكفى من الأيام شرّ حسابي .
. بعد ذلك ذهب الى القاهرة وهناك زادت عليه الصعوبات فعمل في مهن خشنة " صبي جزار " ولم يستمر وكان يجد أحيانا من يعطف عليه ولكن المصيبة أنه أدمن الكوكائين وهنا أصبحت حياته على كف
عفريت ، فمن السجن إلى الشارع إلى التسكع في المقاهي وكان شديد الهجاء ولسانه قذع جدا ، فتحاشاه الناس وتناقلوا له قصيدة تعتبر غاية الفحش والسفالة لم تجرؤ صحيفة على نشرها وبقيت تنتقل مشافهة بين الناس وصلنا منها :
دع الشكوى وهات الكأس نسكر
ودعك من الزمان إذا تنكّر
وهام بي الأسى والبؤس حتى
كأني عبلة والبؤس عنتر . فيما يبدو وكأن الزمن شمله بعطفه فقد التقى بالفنان سيد درويش الذي أعجب بشعره وشمله بعنايته وكان يستضيفه ويغدق عليه ولكن كان الموت أسرع من صداقتهم فقد مات سيد درويش عام ١٩٢٣ م مخلفا صديقه لأنياب الزمن العبوس . لم يكف عن الشكوى وعن
هجاء السلطة وهذا يفسر أن أغلب شعره ضاع :
صحوت لم أجد الدنيا فأين غدت
وليس يبدو بها أهل ولا دار
الذئب تأكله شاة لجوعتها
والماء ترعاه في أحطابها النار
وقد غدا المال نهب الباخلين به
والمجد يحضنه في شأوه العار . زادت محنة الشاعر عندما أدخل السجن عام ١٩٣١ بتهمة السكر والعربدة مما جعل
قلبه يتفطر قيحا على السلطة وأعوانها :
برامكة وليس لهم رشيد
وأقيال وكلهم عبيد
مدحتهم فما شرفوا بشعرى
لخسّتهم وما شرف القصيد
وصغت هجاءهم فإذا الأهاجي
على الأفواه لحن أو نشيد
لقد حكموا وما كانوا عدولا
فعادوا كلّ ذي شرف وعودوا .
بعد أن خرج من السجن رق له أحد الأعيان عبد الحميد
أبو هيف فعينه بوظيفة على مرتبة دنية ( التاسعة ) وكان مديره هو الرباع المصري العالمي سيد نصير ، فكانت المفارقة أنه لايستطيع أن يقف بوجه مديره لضعف جسده وضخامة المدير ، وسعى له بعض أصدقائه فزوجوه من امرأة ذات مال وسلطة ولكنها قبيحة ، ولم يهنأ عبد الحميد بالوظيفة ولا بالزواج ، فقد
كره زوجته التي أيقظته صباحا وأعطته قروش ليحضر فطورا ،فخرج ولم يعد ، إذ وجد ميتا بعد عدة أيام بالطريق عام ١٩٤٣ م وعمره لم يتجاوز ٤٥ .وقيل فيه ماقيل من الحاد ولكن له دائما شفيع من شعره فقد كتب قصيدة يقال أنها آخر شعره :
إلى الله أشكـو ما فقدتُ من الصبا
بحانــةِ خمّارٍ وبيـتِ قسـوسِ
فمَـن يدعُني للكأسِ بعـدُ فإننـي
اتخذتُ الهدى كأسي وروحَ أنيسي
ومـاذا وراءَ الخمـرِ إلا روايـةٌ
تمثـلُ أحزانـي وشـدةَ بوسـي! .
وأنا عندما اقرأ شعرا فاخرا معبرا كشعر عبد الحميد الديب ، اتساءل دوما عن علاقة السلطة بالأدب ، ففي حين يقفز الى السطح أدباء بلا موهبة أو عبقرية ، تجد أن
شاعرا يهمل ويطوى شعره .
مَرُّوا على الديار يومَ العيد ضِيفانا
يستمطرون نداها كالذي كانا
والدار لمَّا رأَتْهم مُقبِلين لها
تعاورت في البكا أهلًا وبنيانا
ليت العبادَ كلابٌ إنَّ كلبتَنا
لمَّا تزل لحفاظ الود عنوانا
تحمَّلت قسطها في البؤس صابرة
لم تَشْكُ جوعًا ولم تستجْدِ إنسانًا
وقد قال في مثل هذه المناسبة يخاطب أهله:
يا معشر الديب وافى كل مغترب
إلا غريبكُمُ في مصر ما بانا
ذبحتُمُ الشاةَ قربانًا لعيدكُمُ
والدهر قدَّمني للبؤسِ قربانا .
شاعر أرغم على أن يعيش مجهولا ، لأنه لم يهادن ، لم ينافق ليأكل كسرة خبز في حكومة النحاس وغيره ، يقول وكأنه ينطق على لسان المساكين والجائعين عن التجار الملاعين في عصره :
قبل الأعادي حاربوا التجارا 
لا تتركونا للغلاء أسارى
سيان: من طعم الغلاء يعيشه     
ومن اصطلى بين القتال النارا
والقاتلان اثنان: عادٍ في الدُّجى       
أو تاجرٌ قتل النفوس نهارا .
ويحرض الجياع على الحكومة :
كلوا الحكومة أو موتوا من الجوع
صوت الضعيف المرجى غير مسموع
قد حرموا اللحم في يومين هل علموا
أن ليس في فعلهم زين لتشريع
حكومة الفقر والأيام قبلهم
على الورى حرمته ألف أسبوع .

جاري تحميل الاقتراحات...