هذه خواطر اشتغل بها عقلي ودار بها رأسي عن مفهوم الزمن وإشكالياته عند السفر بالطائرة وبعيدا عن الأرض، وكنت حينها متجها إلى لوس أنجلوس. دونتها في جوالي في الطائرة قبل يومين كي لا تطير فيصعب صيدها، وها أنا أنشرها اليوم لعلها تجد موجِّها أو مؤكدا أو مصححا. وسبحان خالق الزمان والمكان!
الخواطر تتعلّق بأمرين مرتبطين بمفهوم الزمن وتعقيداته. الأول: أثر الطيران لمسافات بعيدة وبسرعات عالية بموضوع الزمن واضطراباته، والثاني: ارتباط الزمن بدوران أرضنا وفقدان معناه حين نكون خارجها. ها هي الخواطر بين أيديكم تباعاً، أتمنّى أن تجدوا فيها ما يمتع ويفيد.
نبدأ بالموضوع الأول.
من يركب طائرة من الشرق إلى الغرب بسرعة ١٥٠٠ كم س (سرعة الشمس الظاهرية ودوران الأرض حول نفسها) ولمدة ٢٤ س، فسيكون طيلة رحلته في الوقت الذي انطلق فيه، ويكون قد دار دورة كاملة ليصل في الوقت الذي أقلع فيه، لكن في اليوم التالي. ويكون قد مر من عمره ٢٤ س، دون أن تمر عليه صلاة واحدة!!
لنفترض أن صاحبنا استمر في رحلته المتخيّلة أسبوعاً كاملا بلا توقف، فمعناه أنه سيمر من عمره ٧ أيام، لكن لن يمر عليه وقت صلاة واحد، فالصلاة مرتبطة بتغير علامات الزمن، وتغيرها متوقف عنده في السماء. هل فعلا يبقى أسبوعا في السماء بلا صلاة؟ ما ذا يقول المشايخ؟ طبعا، هذا لو كان مسلماً!!
لنفترض الآن أنه طار إلى الجهة الأخرى، من الغرب إلى الشرق، بنفس السرعة السابقة ١٥٠٠ كم س، ولمدة ٢٤ ساعة متواصلة. هنا، سيسير عكس الشمس لا معها، وسيمر عليه يومان أرضيان في ٢٤ ساعة فقط. (٢ في ١ كما يقولون). أي: سيمر عليه صلوات يومين (١٠ صلوات) في ٢٤ ساعة فقط!
🤔🤔
🤔🤔
ما ذا تسمى هذه الظاهرة في الفيزياء؟ وهل لها علاقة بالنظرية النسبية التي جاء بها إنشتاين؟
🤔🤔
🤔🤔
للعلم، تتحرّك الأرض (تدور) حول نفسها بمتوسط سرعة ١٥٠٠ كم س، تزيد عند خط الاستواء (خط عرض صفر) لتصل إلى ١٦٧٠ كم س، وتقلّ تدريجياً كلّما اتجهنا شمالاً أو جنوباً لتصل عند درجة عرض ٤٠ إلى ١٢٨٠ كم س. وفي الوقت نفسه، تطير الطائرات بسرعة ٧٠٠ كم س تزيد وتقلّ حسب نوع الطائرة وارتفاعها.
للعلم أيضاً، فإن الأرض تدور حول محورها من الغرب إلى الشرق، وحركة الشمس الظاهرية التي نشاهدها في السماء من الشرق إلى الغرب هي نتيجة هذا الدوران الأرضي، فهي ظاهرية في عيوننا لا حقيقية. وبالتالي، فإنّ سرعة الأرض هي نفسها سرعة حركة الشمس الظاهرية في السماء.
نرتبك في إدراك حقيقة مرور الزمن لو سافرنا للجهة المقابلة من أرضنا بالطائرات الحالية؛ لاختلاف التوقيت، وبُعد المسافة، وسرعة الانتقال، ودوران الأرض.. فكيف لو تضاعفت سرعة الطائرات؟ أو كان سفرنا للقمر، وهو متوقع ولو بصورة محدودة، أو المريخ، أو ما هو أبعد؟!
علما بأن طائرات الكونكورد الفرنسية التى بدأ تشغيلها على نطاق محدود عام ١٩٧٦ (١٣٩٦) ثم توقفت بعد حادثة قتل فيها جميع الركاب، كانت تطير بسرعة ٢٠٠٠ كم س، أي أسرع من الصوت. فلو كان سفرنا بها هذه الأيام لكان الارتباك الذي أتحدث عنه أوضح؛ لأنه تطير بأسرع من سرعة الأرض مرة ونصف تقريباً.
لم يكن المسافر قديما يعاني من ارتباك مفهوم الزمن عنده مع أنه كثير السفر؛ لأن يسافر بسرعات عادية. فلم يعاني مما يسمى الآن (جت لاق) المرتبط بالسفر بين الشرق والغرب وعكسه بسرعات عالية يفقد فيها العقل والجسد قدرته على استيعاب ما حدث، والتكيف مع فارق الزمن بين المكانين، واضطراب النوم.
هذا الاضطراب مرتبط بالانتقال السريع بين توقيتين زمنيّين مختلفين لا بالسفر نفسه. لذا يصاب به فقط مَن ينتقل بالطائرات من الشرق إلى الغرب أو العكس لا من الشمال والجنوب وعكسه. ويصاب به أيضاً روّاد الفضاء، والمسافرون للفضاء من المترفين الذين نتوقع أن نراهم في المستقبل القريب.
انتهيتُ من الموضوع الأول، وهو: أثر الطيران لمسافات بعيدة وبسرعات عالية بموضوع الزمن واضطرابات إدراكنا له. وغدا إن شاء الله أدوّن خواطر الموضوع الثاني.
أواصل سرد خواطري في الموضوع الثاني لهذه السلسلة، وهو: ارتباط الزمن بدوران أرضنا وفقدان معناه حين نكون خارجها. أتمنّى أن يكون فيها ما يمتع ويفيد.
الموضوع الثاني
دوران الأرض حول نفسها هو المعيار الذي نعرفه لحركة الزمن، به نقيس ونعد الساعات والأيام؛ فإذا خرجنا عن حدودها حقيقة أو تخيّلاً لم يكن للزمن عندنا نفس المعنى لاختلاف المرجع. التفكير في معنى الزمن، لو تخيلنا أنفسنا على كوكب آخر دورانه ضعف سرعة دوران الأرض أو نصفه، يصيب العقل بالدوار.
هناك "زمن أرضي"، وهو المعروف عندنا، بأجزائه: الساعة واليوم والسنة، والمرتبط بطول اليوم الناتج عن سرعة دوران الأرض حول محورها، ولكل كوكب زمنه ويومه وسنته. وهناك "زمن كوني" سابق على خلق الأرض لا يرتبط بها ولا بغيرها، الله أعلم بحقيقته. ولعله اليوم الذي (عند ربك كألف سنة مما تعدون).
الزمن الكوني حقيقي، والزمن الأرضي نسبي مرتبط بوجودنا على الأرض وسرعة دورانها حول نفسها لأنها معياره؛ فلو زادت سرعة دورانها إلى الضِعف أو تباطأت للنصف أو توقفت أو خرجنا منها لكوكب آخر له سرعة مختلفة لأصبحنا أمام معادلة أخرى لحساب الزمن. لكننا لا نفهم من الزمن إلا ما ارتبط بأرضنا!
الزمن الأرضي هو المرجع المعتمد للتقويم في الأرض منذ أن خلق الله الحياة وأنزل الإنسان عليها وحتى تنتهي الحياة وتطوى. وستبقى الأرض هي مرجع الإنسان لحساب الزمن، ولو انطلق إلى الفضاء من باب الترف العلمي وإظهار قوته وتفوقه التقني والعلمي. هنا في الأرض المنطلق، وهنا المخرج والمعاد.
يستخدم الناس الزمن والوقت كمترادفين، لكنّ مفهوم الزمن أوسع من الوقت، فهو البعد الرابع، ومرتبط بحركة الحياة، ويطلق على القليل والكثير من الوقت. أما الوقت، فهو نقطة محدّدة منه أَو شكل من أشكال قياسه، كالساعة والدقيقة.
هذا ما دونته من خواطري عن الزمن ونسبيته وإشكالياته المرتبطة بالسفر بالطائرة لمسافات بعيدة في رحلتي قبل يومين من جدة إلى لوس أنجلوس. ولي عودة لاحقة إن شاء الله لهذا الموضوع الشائك، لا من الناحية الفيزيائية، فلست فيزيائياً، بل من الناحية التأملية الحياتية.
@rattibha
@rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...