حين اضطررت في فترة قريبة مضت أن أبحث عما يسمى بعلم الطاقة، وكتبت بعدها سلسلة تغريدات، اضطررت قبل أن أكتب وبعد أن كتبت أن أستمع لكثير من مقاطع ومحاضرات أولئك الذين يروجون لهذا الحقل، جلست عدة أيام لا أفارق مقاطهم واستمعت لأكثر من واحد منهم.
كان أحد الأهداف أن أفهم ما الشيء المميز الذي يقدمونه حتى يكون لهم كل هذا الجمهور، ولماذا جمهورهم متعصب لهم لهذه الدرجة.. حين بدأت أستمع لمقاطعم واجهت مشكلة، وهي أن أغلب كلامهم ثقيل لا يطاق، صفصفة كلام وخطاب ساذج وخزعبلات، لكن مع خاصية التسريع ×2 استطعت أن أسمع عشرات المقاطع.
لاحظت أن مضمون محاضراتهم غالبا هو مزيج من خطابين: كلام في تطوير الذات وكلام في الطاقة، أي أن خطابهم يعتمد على التحفير من جانب، ومن جانب آخر يروج للخوارق. وكانت ميزة بعض المقاطع أن فيها تواصل مع الجمهور، يطرحون أسئلتهم ومشكلاتهم، وهذا أتاح لي فهم عقلية من ينجذب لهذا الطرح.
اكتشفت بعد هذا عدة ملاحظات، أولا أن جاذبية تلك الرموز عند جماهيرها، تأتي من كونها استطاعت أن تلامس مشاكلهم الفعلية ومعاناتهم اليومية. الحديث مثلا عن العلاقات الزوجية، والبحث عن المال والوظيفة، والحياة العائلية، وغيرها من المواضيع التي تحاكي واقع الأفراد، خصوصا ممن لهم تجربة سيئة.
عادةً الإنسان ينجذب إلى الاستماع للشخص الذي يتحدث بلسان معاناته، ويعبر عما بداخله، فكيف إذا كان هذا الشخص يعِده بحل معاناته بل وبتحقيق كل أمنياته؟ هنا يصبح التعلق بهذا الشخص مضاعف، ولو اضطر الفرد أن يدفع الأموال ليستمع لمثل هؤلاء لفعل.
أيضا مما يجعل هذا الخطاب رائجا، أنه يعطي من يستمع له جرعات من الثقة المفرطة بالنفس والنرجسية، يشعر الإنسان بعد سماع هذا الخطاب أنه شخص قادر أن يفعل كل شيء، قادر ليس فقط أن يغير نفسه بل ربما يغير العالم. ومع وهم الطاقة والجذب يُروج فعلا لقدرة الفرد الخارقة على تحقيق كل ما يريد!
كنت مع سماعي للمقاطع أبحث في تغريدات تلك النوعية المقتنعة بهذا الخطاب، وكان هناك تغريدات كثيرة تدعي أنها استفادت من كورسات ومقاطع تلك الأسماء المعروفة، كنت في البداية أعتقد أنها مجرد حسابات موظفة تقوم بالدعاية.. لكن بعد ذلك اقتنعت أن هناك فعلا من استفاد من هذا الخطاب.
لكن لاحظت أن الاستفادة ليست من جانب خرافة الطاقة والجذب، بمعنى ليس هناك فعلا شخص أطلق النية وغير خلفية الجوال وطبق ما يقولون ثم تحقق له ما يريد! ولكن الاستفادة كانت من الجانب الآخر، أي من الجانب التحفيزي والنفسي من هذا الخطاب، فهؤلاء الناس وجدوا خطابا إيجابيا يشجعهم ويحفزهم.
مثلا هناك مصطلح معروف عندهم يسمى بالتنظيف، تختلف ممارسته من مدرب إلى آخر. لكن الفكرة الرئيسية منه واحدة، وهي تحفيز الفرد لمواجهة مشكلاته بشجاعه ومحاولة تجاوزها وبدء صفحة جديدة. ولهم طقوس متنوعة وغريبة في هذا، الهدف منها أن تضفي على هذه الممارسة شيء من الواقعية والإحساس بالجدوى.
وفكرة هذه الممارسة بغض النظر عن التكتيكات الغريبة التي يفعلونها، قد تكون مفيدة حقا، بمعنى العزم على تجاوز المشكلات وبدء صفحة جديدة مليئة بالتفاؤل شيء حسن، ولكن هذا يعلمه الإنسان من نفسه ويقدر عليه بإرادته، ولا يحتاج لممارساتهم وطقوسهم الغريبة التي ينصحونه بها!
بدأت أيضا أعي أن ما كنت أظنه ثقيلا وساذجا في هذا الخطاب، أن هذي هي ميزته أصلا، ما كنت أعتبره صفصفة كلام وعبارات تحفيزية مستهلكة هي موجهة إلى أناس يحتاجون إلى هذا الطرح، إما لتجربة سيئة مروا بها، أو أن هذا المستوى من الطرح يناسب مستواهم من الأساس.
لكن هل معنى هذا أن ننصح بسماع مثل هؤلاء ما دام كلامهم مفيد؟ الجواب قطعا لا. لأن هؤلاء يدمجون خطابهم التحفيزي هذا مع خرافات الطاقة والجذب، وهذه الخرافات فيها إشكاليات عقدية وعلمية، أخطرها عقديا: فكرة تشريك الكون في الألوهية،ودعوى إرسال إشارات للكون والزعم بأنه يستجيب ويحقق الرغبات
بل حتى الجانب التحفيزي من هذا الخطاب لا يخلو من إشكاليات.. فالثقة المفرطة التي يبثونها عن قدرة الفرد اللامحدودة، والترويج لفكرة أن كل ما يحدث هو من صنعك أنت، وأن نجاحك بيدك وحدك، هذه الأفكار تجعل الفرد يعيش في عالم مثالي بعيد عن الواقع.
نعم قد يستفيد من هذه الأفكار في مرحلة مؤقتة لكن على المستوى البعيد ستأتي بنتائج سلبية، لأن عاتق المسؤولية كله يُلقى على الفرد وحده، فهو مسؤول ليس عن نجاحه فقط بل حتى عن كل فشل يحصل له.. وسيصطدم في الأخير بعالم واقعي له ظروف وأسباب تختلف عن العالم المثالي الذي توهمه.
أخيرا تعمدت أن أكتب هذه التغريدات دون ذكر أي اسم، فلا أريد لكلامي أن ينحا منحى بعيد عن المقصد الذي أردته. فالكلام مجرد تحليلات وانطباعات أتتني بعد أن استغرقت كثيرا في هذا الخطاب، وهي خواطر بقيت في نفسي وقلت أنفضها قبل أن أهجر هذا الموضوع للأبد :)
جاري تحميل الاقتراحات...