هذا جزء مما كتبته في كتابي أنا والسينما عن فيلم دعاء الكروان تحت عنوان" من الرسالة الاصلاحية الي التراجيديا الانسانية "
دعاء الكروان رواية تعرض ماذا يفعل الفقر مع الغني ، وماذا يفعل الفقر بأصحابه . تدين الجهل وتدعو إلي العلم سبيلا لإنقاذ الفقراء ، والحب والمحبين ،
دعاء الكروان رواية تعرض ماذا يفعل الفقر مع الغني ، وماذا يفعل الفقر بأصحابه . تدين الجهل وتدعو إلي العلم سبيلا لإنقاذ الفقراء ، والحب والمحبين ،
فهو وحده الذي فتح الباب لزواج "آمنة " من مخدومها المهندس الذي سبق له اغتصاب أختها " هنادي " وتسبب في قتلها ، والذي جاءت آمنة لتعمل خادمة عنده لتقتص منه وتقتله ثأرا لأختها . لكنها شيئا فشيئا تحبه ويحبها وفي النهاية يتزوجان رغم الفارق الطبقي ، فلقد حظيت آمنة بشيئ من الثقافة
حين خدمت من قبل في بيت المأمور من جراء قربها وعلاقتها ببنت المأمور ! وهكذا لا تقف الفوارق الطبقية بينهما ولا الخطيئة السابقة وتطلب آمنة من روح هنادي أن تغفر لها !
هذا بالطبع فنيا تكلُّف شديد وإعسار علي رأى الأستاذ العميد ! لكن الفيلم يلتقط هذه الفكرة ويعيد تشكيلها على يد
هذا بالطبع فنيا تكلُّف شديد وإعسار علي رأى الأستاذ العميد ! لكن الفيلم يلتقط هذه الفكرة ويعيد تشكيلها على يد
أديب كبير هو يوسف جوهر ليخرجها مخرج كبير هو هنري بركات .
لقد تم تقديم الفيلم عام 1959 فلم تعد فكرة العلم الذي يفتح باب الحب كافية . وهي الفكرة التي اعتمدها العميد في الثلاثينيات حين صدرت الرواية التي تجري أحداثها في العشرينيات . كانت مياه كثيرة قد جرت في المجتمع . تعلمت البنات
لقد تم تقديم الفيلم عام 1959 فلم تعد فكرة العلم الذي يفتح باب الحب كافية . وهي الفكرة التي اعتمدها العميد في الثلاثينيات حين صدرت الرواية التي تجري أحداثها في العشرينيات . كانت مياه كثيرة قد جرت في المجتمع . تعلمت البنات
ورفعت الدولة شعار ذوبان الطبقات وتكافؤ الفرص وغيرها من الممارسات الاجتماعية لصالح الفقراء . لم يبق إلا الدراما وهي ليست بالقليل .
والنهاية الجديدة هي أهم ما صنع الفيلم بالرواية . وليس مهما الآن أن الفيلم قد حذف كثيرا من المشاهد المترهلة في الرواية لاستقامة أحداث الفيلم وتماسكها
والنهاية الجديدة هي أهم ما صنع الفيلم بالرواية . وليس مهما الآن أن الفيلم قد حذف كثيرا من المشاهد المترهلة في الرواية لاستقامة أحداث الفيلم وتماسكها
. فهذا عمل تقليدي للفيلم المأخوذ عن رواية من هذا النوع .
"آمنة" في الفيلم لا تتزوج المهندس . يموت في اللحظة التي يظهر فيها خالها مُصوِّبا نحوها بندقيته ليقتلها كما سبق وقتل أختها هنادي . يندفع نحوها المهندس ليحميها فيصاب بالرصاصة في ظهره . ربما لاستحالة بناء الحب علي الإثم.
"آمنة" في الفيلم لا تتزوج المهندس . يموت في اللحظة التي يظهر فيها خالها مُصوِّبا نحوها بندقيته ليقتلها كما سبق وقتل أختها هنادي . يندفع نحوها المهندس ليحميها فيصاب بالرصاصة في ظهره . ربما لاستحالة بناء الحب علي الإثم.
وربما عقابا للمهندس على ماضيه . وأنا أميل للتفسير الأول أكثر فالسيناريست من الكتاب الكبار . كما أن العاشقين وقد تخلصا من نوازعهما الشريرة . هي - فاتن حمامة التي قامت بالدور باقتدار- في رغبتها في الانتقام ، وهو – أحمد مظهر المقتدر أيضا – في الاغتصاب وبدا وقد تطهرا من الإثم الجديد
بعد أن أعلنا حبهما وتعرَّف هو علي شخصيتها . هما معا لايستطيعان الآن – وقد عادا إلي البراءة الأولي – أن يبنيا سعادتهما على الإثم ، اغتصاب هنادي –زهرة العلا –وقتلها ، ذلك أن الحب الجديد رغم تطهر المهندس وعلم وثقافة آمنة سيتحول ، ونحن في الدراما النفسية،إلي إثم وخطيئة جديدة .
هذا هو التفسير الذي أميل إليه أكثر من التفسير الأخلاقي الثاني ، خاصة وأن يوسف جوهر أديب كبير وسيناريست رائع ، رغم أن التفسير الثاني وارد علي الأقل عند جمهور الدرجة الثالثة .
رواية "دعاء الكروان" أدبيا رواية رومانسية ، ابتداء من عنوانها مرورا بلغتها وحتي نهايتها التي
رواية "دعاء الكروان" أدبيا رواية رومانسية ، ابتداء من عنوانها مرورا بلغتها وحتي نهايتها التي
تختلط بالميلودراما وجعلها طه حسين رسالة لأفكاره الإصلاحية . لكن الفيلم نقل الرواية درجة في الواقعية . فالمجتمع البدوي الجنوبي هذا لايقبل أبدا المصالحة ولا يبيع الثأر ولا ينسى عار الشرف بسهولة . هذا أيضا ما أدركه الفيلم ولم يهمله تعسفا كما فعلت الرواية حتي برغم الحب والعلم !
وكذلك حلَّق الفيلم في آفاق ملحمية في الوقت الذي تأنَّي فيه عند الصراع النفسي لأبطاله . الذي أعطي الفيلم هذا الأفق أكثر من عنصر أهمها التصوير والذي بلغ فيه الأبيض والأسود درجة عالية من التعبير .مشاهد النساء اللاتي يظهرن بين الحين والحين متشحات بالسواد كإنذار بالموت .
بحث الأم – أمينة رزق – المضني عن ابنتها في فراغ لا نهاية له ، والظهور المفاجئ بين الحين والحين للخال القاتل – عبد العليم خطاب – واقفا مترصدا كالقدر في فراغ محيط به . وكذلك وهو يختفي في هذا الفراغ كأنه القدر الذي يأتي ويعود منذرا بالموت الأكيد . وحتي عندما نسمع تعليق طه حسين
الأخير الحلو المؤسِّي في نهاية الفيلم ، يختلف هنا من كونه تعليقا رومانسيا في الرواية طالبا الصفح ، إلي مارش جنائزي في الفيلم باعثا على الأسي والحزن . وهكذا فرواية "دعاء الكروان" عمل ريادي فكري وعقلي جميل في هذه الحدود ، لكن الفيلم عمل سينمائي كبير يعبر فوق حدود الزمان
متخليا عن الرسالة الإصلاحية للرواية لصالح التراجيديا الإنسانية في خستها ونبلها !
جاري تحميل الاقتراحات...