مصطفى شلش
مصطفى شلش

@M0stafa_Sh

39 تغريدة 16 قراءة May 06, 2022
يشكك عالم الاجتماع غيرشون شافير في افتراض التيار الرئيسي للباحثين في تاريخ الصهيونية بأن الأفكار والقيم التي جلبها اليهود القادمين من شرق أوروبا إلى فلسطين في فترة الهجرة الثانية (1904-1914) مثل إنشاء الكيبوتز وغيره من أشكال المشاريع التعاونية نبعت من القيم الاشتراكية.
قدم شافير توصيفًا إمبريقيًا (مُتأثرًا بمدرسة بارينغتون مور) للكيفية التي وضعت بها الحركة الصهيونية العمالية عام 1914 حلول لمعضلتين رئيسيتين واجههما أعضاؤها،
أولًا: فشل الجهود لتأمين فرص عمل للمستوطنين الجدد كعمال زراعيين بسبب أجورهم المرتفعة وفرص العمل المحدودة، فتم اختراع شكل جديد من أشكال الاستيطان الزراعي الجماعي (الكيبوتس) الممول مِن كبار البرجوازيين اليهود.
ثانيًا: إنشاء طبقة عاملة يهودية في فلسطين لإستبعاد العرب مِن جميع القطاعات لتسهيل تأسيس مشروع الإستيطان الصهيوني وعدم وضعه محل تساؤل بعد إنهاء الإنتداب البريطاني
بدأت المواجهة بين المستوطنين الصهيونيين والفلسطينيين في العام 1904-1905، مع نزوع المستوطنين الى تأسيس مشروع استعمار استيطاني يهدف الى بناء دولة "قومية".
في هذا السياق، ميّز البحث ما بين الاستيطان الصهيوني الذي بدأ في العام 1882، وكان يهدف الى بناء مستعمرات مزارع ربحية تقوم على استيطان دائم بدون أي ادعاءات سياسة واضحة حول الأرض وهوية الدولة،
وبين الاستيطان الاستعماري الصهيوني الذي بدأ في العام 1904-1905 وترافق مع سياسات استيطانية مختلفة تهدف الى بناء دولة جديدة لا مكان فيها للفلسطينيين.
تبنت الصهيونية بحلول العام 1914 استراتيجية تنمية اجتماعية اقتصادية تقوم على أساس الانفصال الاقتصادي واستبعاد العمالة العربية التي كان هدفها على المدى الطويل التطور المتدرج لاقتصاد يهودي حصري في فلسطين، وهذا بدوره يمكن في نهاية المطاف من إنشاء دولة يهودية قابلة للحياة.
بيد أن المنعطف الأهم كان في العام 1920، عندما تحالفت المنظمة الصهيونية العالمية (رأس المال اليهودي الصهيوني) مع العمال الصهيونيين (لا يملكون سوى قوة عملهم) من أبناء الهجرة الثانية، في أعقاب مؤتمر لندن، مما أفضى الى ولادة نمط انتاج جديد سأطلق عليه هنا نمط الإنتاج الصهيوني المنظم.
عادة ما يتم تسمية نمط الإنتاج من خلال توصيف اقتصادي، مثل نمط الإنتاج الرأسمالي، والاقطاعي، والسلعي، والحرفي وغيرها، لأن هذه الأنماط تُعرف من خلال شكل العلاقات الإنتاجية التي تقوم عليها، وبالتالي طريقة استخلاص الفائض الاقتصادي من خلال التعاون أو الصراع الطبقي.
لكن في حال نمط الإنتاج الإسرائيلي المنظم فإن علاقات الإنتاج ووسائل الإنتاج كان لها خصوصية هي صفتي: الصهيونية والتنظيم. ويحظى نمط الإنتاج الصهيوني المنظم الذي بدأت معالمه تتضح في العام 1920 بأهمية بالغة في فهم مستقبل فلسطين تحت الاستعمار الاستيطاني. ويقوم هذا النمط الإنتاجي على:
1) وسائل الإنتاج، وأهمها الأرض بالإضافة الى مصانع ومعامل ومزارع وبنى تحتية وموارد مالية وضعتها الحركة الصهيونية تحت تصرف حركة العمل الصهيونية ابتداء من العام 1920؛
2) عناصر لا تعمل ولكنها تتحكم في توزيع العمل وإدارة وسائل الإنتاج، وتحقيق التراكم وتوزيع الفائض الاقتصادي. في هذا النمط لم تكن هذه العناصر أفراداً وإنما مؤسسات ومنظمات مثل، المنظمة الصهيونية العالمية، والهستدروت؛
3) الشغيلة الذين يعملون وينتجون الخيرات المادية، وكانوا من المستوطنين الصهيونيين الأوروبيين الذي بهجرتهم الى فلسطين تحولوا في معظمهم الى أيدي عاملة لا تملك وسائل انتاج.
تقوم العلاقات الإنتاجية في نمط الإنتاج الرأسمالي الصهيوني المنظم على وضع حدود عرقية تحدد من بإمكانه ومن ليس بإمكانه الانخراط في العملية الإنتاجية والاستفادة من وسائل الإنتاج التي توفرها الحركة الصهيونية.
وقد تم التعبير عن علاقات إنتاج هذه من خلال مبدأ العمل العبري. هذه العلاقات الإنتاجية لم تتطور من العدم، إنما لها سياقها التاريخي هو الذي دفع الصهيونيين الى تطوير حدود عرقية لحجب العمال الفلسطينيين عن الاستفادة من وسائل الإنتاج الصهيونية.
ولا يمكن فهم نمط الإنتاج الرأسمالي الصهيوني المنظم بمعزل عن السياق الاستعماري الاستيطاني الذي تكون فيه. فجوهر الاستعمار الاستيطاني يقوم على الهجرات الجماعية للمستوطنين لبناء دولة جديدة.
ولا يمكن جذب المستوطنين الصهيونيين بالارتكاز فقط على الأيديولوجيا والخطاب الصهيوني: العودة الى العمل، ونفي المنفى، والرجوع الى صهيون. بل يجب على المستوطن أن يكون قادراً على إعادة انتاج نفسه اجتماعياً من خلال العمل المنتج.
وقد كان واضحاً، بناء على التجربة الصهيونية التي امتدت منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر وصولاً على الحرب العالمية الأولى، بأن العمال الصهيونيين غير قادرين على الاستيطان الذي يتيح لهم إمكانية إعادة انتاج أنفسهم اجتماعياً من خلال العمل.
وبدون ابتداع أنماط إنتاجية جديدة، فإن المُشغلين الرأسماليين (الصهيونيين، أو حتى الحكومة البريطانية) كانوا يفضلون العمالة الأرخص المتمثلة بالفلسطينيين أو العرب، الأمر الذي دفع معظم المستوطنين الذين دخلوا الى فلسطين بين العام 1882-1918 الى العودة والهجرة العكسية الى خارج فلسطين.
وعليه، فإن انشاء الهستدروت (نقابات العمال الإسرائيلية) كان يعني التدخل من الخارج تجاه قوانين السوق لخلق علاقات إنتاجية جديدة تتيح للعمال الصهيونيين بأن يحظو بالأفضلية أثناء البحث عن قوة عمل لتشغيل وسائل الإنتاج، وهي استطاعت القيام بذلك من خلال علاقات ملكية وعلاقات إنتاجية عنصرية.
رأت الهستدروت في كل مكان عمل فرصة لا يمكن التفريط بها لاستيعاب المزيد من المستوطنين الصهيونيين.
لكن من جهة ثانية، كان العديد من المُشغلين ينزعون الى تفضيل العمالة العربية الأرخص، والأكثر مهارة، وهم بذلك إنما كانوا يقوضون مشروع الاستعمار الاستيطاني ويتركون المستوطنين الجدد أمام خيار العودة الى أوروبا لانعدام وجود فرص عمل.
لقد نشأت الهستدروت بهدف دمج أكبر عدد ممكن من الصهيونيين في سوق العمل، وتأهيلهم لبناء الدولة الجديدة. وعندما استطاعت الهستدروت أن تفرض سياساتها على المُشغلين، وأصحاب العمل، فإنها كانت واضحة في تطبيقها لمبدأ العمل العبري، بحيث أنها كانت تمنع استيعاب عمال فلسطينيين في سوق العمل.
في هذا السياق، شيّدت الهستدروت، عن طريق جمعية العمال وباستخدام رأسمال صهيوني عالمي، شركات ومزارع ومصانع تقوم على توظيف العمال الصهيونيين حصراً.
وفي حالات أخرى، رأت الهستدروت، والتي أصبحت قوة سياسية داخل مجتمع اليشوف، بأن الوقت قد حان لفرض سياساتها على المُشغلين الرأسماليين الصهيونيين في المزارع الربحية. هنا، استخدمت الهستدروت سياسات تدخل أخرى، تراوحت بين مقاطعة المٌشغلين، واستخدام القوة لطرد العمال العرب.
وعندما كانت الهستدروت تفشل في فرض سياساتها على المُشغلين، فإنها كانت تلجأ الى الحيلة والمكر، حتى لو تطلب الأمر تأطير العمال الفلسطينيين داخل منظمات ونوادي صهيونية، أو تدريبهم على العمل النقابي، وتوعيتهم.
وقد برزت هذه السياسات في سوق العمل التابع للاقتصاد البريطاني الانتدابي. وقد اعتقدت الهستدروت أن هذه الممارسات ستدفع العمال الفلسطينيين الى رفع أجورهم، وبالتالي ستقلل الفجوة بين أجرة العامل الصهيوني والعامل الفلسطيني، الأمر الذي سيدفع السوق الى استيعاب المزيد من العمال الصهيونيين.
ويمكن القول إن مسألة العمال الفلسطينيين كانت إشكالية حقيقية تواجه الهستدروت الى أن بدأ الإضراب الكبير في العام 1936، واستجاب له العديد من العمال الفلسطينيين الأمر الذي وفر فرصة تاريخية للعمال الصهيونيين للانقضاض على أماكن العمل المتروكة .
ومع أن الإضراب الكبير استمر فترة ستة شهور، إلا أنه كان فترة مناسبة للهستدروت للاستيلاء على المزيد من أماكن العمل حتى بعد انتهاء الإضراب.
في نهاية العام 1939، استولى المستوطنون على معظم أماكن العمل، لكن هذا لا يعني بأن الإضراب، كمحطة نضالية هامة في تاريخ الشعب الفلسطيني، كان خطأً استراتيجياً، إذ أن الاتفاق حول صوابية الخطوة يحتاج الى دراسة منفصلة.
عمومًا الاقتصاد الصهيوني راح ينمو بشكل متسارع، ويستوعب العديد من المستوطنين الجدد في منتصف عقد الثلاثينات، خاصة أثناء الإضراب الكبير .
لكن من جانب أخر، فإن صعود النازية الى الحكم، وما تبعه من هجرات جماعية واسعة الى فلسطين كان له أيضاً تأثيراً لا يقل أهمية في تطوير المكانة الاقتصادية للمستوطنين في فلسطين.
ومهما يكن من أمر، فإن سياسات الهستدروت الرامية لحجب العمالة الفلسطينية عن سوق العمل في فلسطين لم تنتهي مع بداية الإضراب الكبير، وإنما استمرت حتى النكبة وطرد القسم الأكبر من العمال الى خارج حدود دولة المستوطنين الجديدة.
عندما تأسست إسرائيل عام 1948 كدولة كانت قادرة على نشر سلطة الدولة بشكل منظم وفعال لتعزيز مشروع الاستيطان الصهيوني. وقد تم ذلك من خلال الاستبعاد الأولي لغير اليهود من معظم سوق العمل، وعن طريق المصادرة الجماعية لأراضي الفلسطينيين.
وبعد الاستيلاء على ما تبقى من فلسطين في عام 1967، امتد منطق الاستيلاء على الأراضي والاستيطان على ما يبدو إلى الضفة الغربية وغزة ، ومعظمها بدعم أو على الأقل موافقة من ورثة الصهيونية العمالية.
ومنذ أوسلو في أوائل التسعينيات بدى نظام السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين يتحرك نحو شيء ما أقرب إلى نموذج الأبارتيد في جنوب أفريقيا كنظام فصل عنصري، قومي، عرقي، رغم ذلك (بشكل ملحوظ) دون الاعتماد الكبير على العمالة المحلية التي ميزت جنوب أفريقيا.
بمعنى ما، فإن ما لدينا هو استمرار نموذج الاستيطان المحض (الإصرار على الحفاظ على دولة يهودية في معظم فلسطين قدر الإمكان) إلى جانب هيمنة الإحتلال بالقوة على ما تبقى من فلسطين والإكراه القسري والعنيف في كثير من الأحيان لسكانها غير اليهود.
هناك بالتأكيد العديد من الإسرائيليين الذين ينظرون (مثل شافير) إلى ما حدث منذ عام 1967 كخطأ فظيع ويؤمنون أنه لكي تبقى إسرائيل دولة يهودية يجب أن تنسحب من الأراضي المحتلة عام 1967. ولكن هناك منطق صهيوني قوي للاستيطان، والتوسع والنزوح يعمل ضد مثل هذه القراءة.

جاري تحميل الاقتراحات...