غِياث
غِياث

@Mme_3455

77 تغريدة 155 قراءة Apr 08, 2022
لو كنتَ شاهدًا ذلك اليوم ..
لرأيت منه ما يدمي الفؤاد، لرأيت الرمح ناهلٌ من بطن حمزة، ولرأيت السيف في يد أم عمارة تذود به عنه ﷺ ولرأيت يدي مصعب بن عمير تتقطع وهو يحمل الراية، ولسمعت الناس تقول: مات محمد ﷺ .. ولرأيت أفضل خلق الله ينزف دمًا وعيناه تذرفان الدمع ..
"معركة أحد"
مضت سنة منذ وقعةِ بدر على المشركين وكان السادة فيها قد حرّموا البكاء على قتلاهم كيلا يشمتَ المسلمون بهم، أيامٌ تمضي وعذابهم مستمر لا ينقطع، وكانوا إن أرادوا التخفيف عن حدة الألم ما وجدوا سوى عبرة، وما يجدوها الآن ..
وهذا الأسود بن عبدالمطلب ضريرٌ قد قُتل له ثلاثة أبناء في بدر، وكان قلبه يحترق حُزنًا عليهم ولا يملك أن يبكي فيطفئ شيئًا مما يجد!
ولو أنطق الله عينه لشكت ..
قاست الظلمة وحبس الجفون!
وبينا هو ذات مرة يناوئ دمعته ألا تزل، وعقله ألا يصوّر له مصرعهم،سمع امرأةً تنوح، فقام فرِحًا وبه كمد،
فجعل يبعث غلامه فقال: أنظر .. هل أُحِلَّ النحب؟
هل بكت قريش على قتلاها؟
لعلِّي أبكي على أبي حكيمة -ولده- فإن جوفي قد احترق، وذهب الغلام وقعد ينتظر الخبر
فلما جاء الغلام لم يتكلم ولم يسأله
كانت كل ملامحه تسأل وجعل يُميّلَ رأسه يمنةً ويسرةً يترقب الصوت، ينتظر الخبر، فتكلم الغلام وقال:
إنما هي امرأة تبكي بعيرًا لها أضلته ..
فقعد الأسود مكانه في حالةٍ يرثى لها،
ولم تسكن عينه ويهدأ قلبه إلا لما سمع بأن قريش أعدت العدة، وتجهزت للقتال، لتأخذ بثأرها في بدر
وعلم النبي ﷺ بذلك، ولم يكُ يريد الخروج لهم وكان يرى أن يتحصن بالمدينة، ولكن الصحابة أكثروا عليه حتى خرج وسرعان بلغوا أحد ومعه ﷺ ألفٌ من الجيش، فخرج المنافق ابن سلول ومعه ثلاثة مئة فبقى مع النبي سبعة مئة، وأما المشركون فكانوا ثلاثة آلاف.
التقى الخميسين وبدأت قصة "أحد" ولمعركة أحد قصص وصورٌ عظيمةٌ تعيي العقول عن تصورِّها ..
وهذا جبل الرماة في أحد له قصةٌ عجيبة ..
كان قد جعل عليه الرسول ﷺ رماةٌ وجعل عليهم عبدالله بن جبير، وقال لهم النبي ﷺ بحذرٍ شديد وأمرٍ واضحٍ جليّ:
"إن رأيتمونا تخطفنا الطير -هزمنا- فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو -أنتصرنا- فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"
"هند بنت عتبة"
جاءت من بين الجيش ..
لو كان الحزن امرأةً لكان هند ..
لو كان الغضب امرأةً لكان هند ..
تحت عيناها سواد الليل من البكاء ..
وفي قلبها نارٌ لظى ..
فقد مات أبوها وأخوها وعمها في بدر.
أخذت الدف ومعها النسوة حتى تشجع الجيش وتقول:
وَيها بني عبدالدار
وَيها حماة الديار
ضربًا بكل بتار
و وقفت أمام الجيش وقالت باسم جميع النساء :
نحن بنات طارق
إن تقبلوا نُعانق
ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
وبدأت المعركة وتقدمت الصفوف وحمي الوطيس،
والنبي ﷺ والصحابة يقاتلون في أرض المعركة، وعبدالله بن جيير ومن معه من الرماة، يحمون ظهورهم، وسرعان ما غلبت كفة المسلمين، ودُحِرَ الكفار، فصرخ أبو سفيان: عودوا أدراجكم، فعادوا
خمسون ممن كانوا على الجبل نظروا فإذا بالمشركين يقهقرون والمسلمين عليهم ظاهرون يأخذون الغنائم فقال أحدهم: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنتظرون،
وكان عبدالله بن الجبير رافعًا سهمًا مترقبًا أحد الكفار حتى يرميه، فالتفت غاضبًا مما قال، واخفض سهمه وقال: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ.
فقالوا: إنِّا والله لنأتين الناس فلنصيبنّ من الغنيمة!
فنزلوا عن الجبل، ولم يَسطِع عبدالله أن يمنعهم، فما بقى معه من الخمسين إلا تسعة رجال هو عاشرهم،
في تلك اللحظة وخالد بن الوليد عائد ومعه الجيش وهو على ميمنته، التفت فإذا بجبل الرماة لم يبقى عليه من الرماة إلا القليل، فصرخ قائلاً:
أعْلُ هُبَلْ، أعْلُ هُبَلْ،
فعرف أبو سفيان صوت خالد، فَكَرَّ بالجيش إلى المعركة
وصعد خالد بن الوليد الجبل وقتل وجَيشُه عبدالله بن الجبير ومن كان معه من الصحابة الذين امتثلوا أمر رسول الله ﷺ ولم ينزلوا عنه، فأصبح المسلمون محاطون من المشركين، وحمي وطيس المعركة كرة أخرى، ورجحت كفة المشركين وأثخنوا في المسلمين قتلا.
"مصعب بن عمير"ً
كان يحارب حاملًا راية المسلمين فجاء ابن قمئة يقاتله، فضربه على يده حتى بُتِرت، فسقطت يده وما زالت الراية، فقد عزَّ على نفسه أن تسقط راية الإسلام فأخذها بيده الأخرى، فضربه ابن قمئة ثانيةً حتى بترت الأخرى ..
فسقط على ركبتيه، حاول أن يحتضن الراية بجنبيه كي لا تسقط فما استطاع أمرا، فغرز ابن قمئة سيفه في صدره فاستشهد رضي الله عنه.
كان ابن قمئة يخال أنه النبي ﷺ لما قتله، فصاح في الجيش: قتلت محمدا، قتلت محمدا.
فبكت عين كل مسلم وكأن المعركة توقفت من هول الخبر، فانقسم المسلمون إلى ثلاث فئات، فئة فرّت من المعركة، وفئة قعدت في أرض المعركة دون قتال، وفئة استمرت.
أما رسول الله ﷺ كما تقول إحدى الروايات قد سقط في حفرة كان قد احتفرها أحد الكفار قبلها بليالٍ، لعل النبي ﷺ يسقط فيها وحدث بالفعل ما أراد، فسقط رسول الله ﷺ وارتطم وجهه الكريم بالصخرة.
وكان رسول الله ﷺ مرتديًا خوذةً لها حديد على جانبيها حتى تحمي وجهه، فلما سقط على الصخرة كُسِرت رباعيتة -مقدمة الأسنان- وتألم ظهره، ولكنه قوّى نفسه وحين جاء ليقوم، فإذا بابن قمئة قد أخرج سيفه وبدأ يضرب رأس رسول الله و وجهه بسيفه مسطحًا، حتى دخل حديد الخوذة في وجهه.
وجاوؤا الصحابة يبكون وأول من وصل أبو بكرٍ
رفعه والنبي ﷺ لا يعرف عينه من أنفه من فمه، ودماؤه تسيل على الأرض، فبكى أبو بكر وقال:
فدتك نفسي يا رسول الله.
حاول أبو بكر أن يخلع الخوذة فما أستطاع وللخوذة أسنان دخلت في خدي رسول الله ﷺ فتقدم أبو عبيدة بن الجراح يحاول أن يخلع الخوذة بعد أن أعيت أبو بكر، فاستلقى النبي ﷺ على الأرض وحاول بيده أبو عبيدة فما استطاع،
فأمسك الخوذة بفمه، وبينا هو يكاول تحطمت أسنانة فلم يحفل بها حتى أخرج الخوذة وما بقي في فمه سن.
وآثار الخوذة في وجهه الكريم والدم ينزف بكثرة
في تلك اللحظة رفع النبي ﷺ كفيه ليدعو، حلَّ السكوت وكأنُ لم تعد هناك معركة، ماذا سيدعو النبي ﷺ على قومه بعد أن فعلوا به هذا؟
أسيفعل مثل أخيه موسى فيغرقهم باليم؟
أسيفعل مثل أخيه نوح ويغرقهم بالطوفان؟
أسيفعل مثل أخيه لوط ويقلب ديارهم بجناح جبريل؟
ماذا سيقول وماذا سيدعي؟
يقول أبو بكر في تلك اللحظة:
خشيت أن يدعو على أمته
فإذا بصوته الكريم يقول هذا الدعاء متألمًا:
اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
"وحشي"
ما زالت المعركة في أوجها ..
وهذا وحشي له صلابةٌ لم يُرَ مثلها وشدة في البأس قل نظيرها، ولكن ما لبث على هذه الحال حتى استحالت قوته ضعفا، وشدته وَهْنا، وسواد رأسه بياضا.
ومن حرارة مكة إلى برودة الشام ..
و من ضيق الحال إلى سعة المعاش ..
ويغدو وحشي العبد إلى ذلك الشيخ الذي يسرف في الشرب عسى أن ينسى كيف قتل حمزة.
فذهبا شابان بعد المعركة بسنوات طويلة، ووحشي أصبح على ما ذكرناه، يبحثان عنه ليسألوه كيف قتل حمزة، فقيل لهما: ستجدناه بفناء داره وهو رجل قد غلبت عليه الخمرة، فإن تجداه صاحيًا تجدان رجلاً عربيًا
فقدما عليه فسألاه عن قتله لحمزة فنظر لهما وقد نُكِئت جروحٌ بالية، وكأن الزمان قد عاد بوحشي إلى تلك المعركة.
في المعركة:
يترصد وحشي في الرجال يبحثُ حمزة لا يريد سواه،
فحليُ هند الثرية وحريته التي تتحرق لها نفسه الأبية في روح حمزة، وتي حربته في يده يبحث عنه حتى وجده فإذا به أسدًا هصور، يقتحم الرجال ويزجي الصفوف لا يهاب أحدًا كأنه الموت،
فدنى منه وحشي وأمسك حربته وجعل يوجهها شطره حتى استيقن أنه لا يخطِئه، فرماه بها.
فوقعت به بين ثنيته
وخرجت من بين رجليه
فما اختلج نفس أسد الله حمزة تلك اللحظة؟
هل أحسَّ بالجنة؟ هل وجد ريحها؟ هل بكى نفسه وحزن أنه ميت ومفارق الدنيا؟ وما ذاك حبًا لها ولكن لم يرد منها إلا نصرة ابن أخيه وأخيه وصاحبه ونبيه محمد ﷺ وإعلاء كلمة الله سبحانه.
فالتفت فرأى وحشي .. رأى قاتله
ومشى إلى وحشي والرمح من بين رجليه
كل خطوةٍ يدافع بها الموت ألف مرة ..
وأما وحشي فقد وجم خَوفًا منه لم يستطع الحركة،
حتى وصل إليه فأمر الله تلك اللحظة أن تقبض روحه ففاضت لبارئها.
"جميلة بن عبدالله"
لم تكن بالمعركة ولم تحمل السيف ولم تطبب الجرحى، ولكن لها قصةٌ تدمع العين، وهي أنها ذلك اليوم سيقت عروسًا إلى شاب من أحسن شباب المدينة إيمانا، وأكملهم دينا، فلما دخل عليها التقى قلبيهما وشكرا الله حبورًا وغِبطة.
وما كانت فرحة حنظلة بجميلة ولا فرحة جميلة بحنظلة أن تصف، وعاشا أجمل ليلةٍ في عمرهما وما أن انتهى ونظر كلٌ منهم للآخر نظرةً حب ومودة، حتى سمعا الهاتفة تهتف أن الحقوا برسول الله والجهاد،
فما سمع حنظلة النداء حتى فزَّ من فراشه ونظر إلى جميلة نظرة المودع، وكان جُنُبًا لمّا يغتسل،
وسرعان ما تبدل السِلم حربَا ..
قاتل حنظلة ببسالة وشدة وقضى ما عليه من الحق، فجاءته طعنة أردته.
فسقط ولفظ أنفاسه ومات.
فنظر رسول الله ﷺ إلى ذلك المنظر والله لا يستطيع عليه القلم وصفا، لقد حملت الملائكة جسد حنظلة وغسلته بين السموات والأرض فقال رسول الله ﷺ: إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه
فذهبوا إلى جميلة بعد المعركة فسألوها فأخبرتهم عن أمره.
"أنس بن النضر"
لم يشهد بدرا وبقى يطوي الأيام متحسرا، نَدِمًا على ما فاته، وسرعان ما دارت الأيام فإذا به في أحد يتشحط في دمه، فيأتيه أحد المسلمين يسأل هلِعًا: يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قتل؟
فقال أنس: إن كان محمد قد قتل فقد بلَّغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم.
ولما انكشف المسلمون قال:
اللَّهم إني أعتذر إليك عما صنع هؤلاء -يعني: أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المشركين- ثم تقدم ولقى سعد بن معاذ وقال له: يا أبا عمرو أين؟، وآهٍ لريح الجنة أجده دون أُحد.
وقاتل الكفار حتى أُرديَ قتيلاً في جسده بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية.
"قتادة بن النعمان"
أصدق الحديث حديث العيون
وأفصح القول قولها ..
كانت لعين قتادة ذلك اليوم معجزةٌ للنبي ﷺ
وذلك حينما قاتل وأبلى بلاءً حسنًا، فجاءه سهمٌ لم يدرِ من رماه حتى أصاب عينه، فسالت على خده،
بدأت الدنيا تعتم في عين قتادة وعينه الأخرى لم تلبث طويلاً قبل أن تُعمى، فذهب إلى النبي ﷺ وبينا كان النبي يقاتل فإذا بقتادة من بعيد وعينه على خده، فجاءه ونظر إليه نظرةً الأب المشفق على ابنه، ورفع يده الكريمة، ورّد عينه إلى مكانها فعادت كما كانت، وأصبحت أحسن عينيه.
وبعد تلك المعركة بسنواتٍ طويلة حينما دخل ابن قتادة على عمر بن عبدالعزيز قال له عمر: من أنت
فقال:
أنا ابنُ الذي سالتْ على الخدِّ عينُه
فرُدَّ بكف المُصطفى أحسنَ الردِّ
فعادتْ كما كانت لأولِ أمرها
فيا حُسْنَ ما عينٍ ويا حُسْنَ ما خدُّ
"اليمان وثابت بن وقش"
كانا في الآطام مع النساء لكبر سنهما
قد رقَّ عظمهما ولولا أن أدركا الأسلام لما كان لحياتهما معنى، وجاء الإسلام لهما وما عادا يريدان شيئًا سواه.
كانت تلك الفكرة تراود اليمان ولا تغيب عن بال ثابت، فنظر بعضهما إلى الآخر وقد كانت المعركة في أسوأ أحوالها فقالا: إنه لم يبقى من آجالنا إلا ظِمْءُ حمار، فتقلدا سيوفهما فكادا أن يعودا شابين من الفرح، ونزلا ليحضرا الحرب، وكان طريقهما من ناحية الكفار،
وما خافا وما جزعا وما خرجا ليريدا الحياة
ولم يخف ويجزع ويبكي إلا حذيفة بن اليمان، لما لمح أبوه وسط الحرب يقاتل، شيخٌ كبير لا فرصة له للنجاة فصرخ بحرقة: أي عباد الله، أبي أبي.
وكانت تلك آخر مرة قالها، مات حذيقة ومات ثابت
وأما ثابت فقتله المشركون.
وأما حذيفة فقتله المسلمون خطأً.
"أم عمارة"
خرجت أم عمارة مع الجيش ومعها سقاء في ماء حتى يشرب الجيش وقلبها يحترق خوفًا على نبي الله، فقد ظهرت الغلبة لجيش الكفار وهي تنظر ما يصنع رسول الله ﷺ وهو يقاتل فارسًا ثم أتاه رجلٌ آخر فبدأ يقاتلهم جميعًا.
وابن قمئة لعنه الله يترصد النبي ﷺ فلما رآه أتاه من خلفه، فصرخت أم عمار تريد أن ينتبه النبي ﷺ له وهي تقول: يارسول الله! يا رسول الله!
والنبي ﷺ لا يسمعها فقامت في قلبها حرب ماذا تصنع تخاف أن يُقتل رسول الله فما هي إلا هنيهة حتى امتشقت سيفًا وتلثّمت حتى ظنوا أنها رجل.
فطفقت تذود عن ظهر رسول الله ﷺ وتقاتل ابن قمئة فسقط لثامها فلما رآها امرأة قال:
إليك عني، إنّا لا نقاتل النساء
فلم تأبه لكلامه فبدأت تدفعه
فضربها على يدها فطار السيف
ثم التفت حول رسول الله ﷺ تحذره فلم ينتبه لها، فخافت أن يبلغ النبي ﷺ فيقتله فجعلت تقف أمامه تدفعه بنفسها،
فضربها بسيفه على متنها ثلاث مرات حتى غار عظمها وسقطت.
وحينما سقطت رآها ابنها وهي تبكي، ليسَ ألم الضرب وإنما خوفًا على رسول الله، فأتى ولدها ودفع ابن قمئة حتى هرب ثم جاء إلى أنه فقال لها:
يا أماه قومي.
"دعني"
امرأةٌ كبيرة قد ضُربت بالسيف حتى غار عظمها
هي في عوز للمساعدة، فتؤثر النبي ﷺ على نفسها وتنسى فيه آلامها وأوجاعها فتقول بصوت مغضب لابنها:
"دعني .. اذهب إلى رسول الله إذا سلم رسول الله سلمنا، وتكررها وتقول: إذا سلم رسول الله سلمنا"
"أصيرم بني عبد الأشهل"
أبى الإسلام أول الأمر على قومه
وحاربه بقلبه، ولكن حينما شاء الله لم يقدر منعه، دخل الإسلام قلب الأصيرم في ذلك اليوم والنبي ﷺ في يوم من أصعب أيام دعوته، فامتشق سيفه وخرج يقاتل.
لأول مرة يشعر أن لقتاله معنى قتالٌ لإعلاء كلمة الله ..
قتالٌ ما كان لقبيلة ولا أرض بل لإنقاذ البشرية
شعر بهذا الشعور أول ما رفع سيفه يقاتل ..
وما أخفضه حتى أثبتته الجراح، وحينما جاؤوا بني الأشهل يبحثون عن قتلاهم لم يصدقوا أن الجريح الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة هو الأصيرم، لقد تركوه وهو منكر لهذا الحديث فسألوه فقال: آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي وغدوت مع رسول الله ﷺ فقاتلت حتى أصابني ما أصابني
وما لبث أن مات.
مات الأصيرم وهو لم يعلم ما الصلاة وما الصيام ولم يسجد في حياته لله سجدة، ولكن عرف أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ولما أخبروا به النبي قال: إنه لمن أهل الجنة،
دخل الجنة الأصيرم وهو لم يسجد لله سجدة
أما هذا الأعرج شديد العرج الذي يقاتل المشركين وعلى ثغره يفتر الفرح، فقد خرج قبلها بساعات إلى رسول الله حينما أراد أبناؤه حبسه عن المعركة وقالوا: إن الله قد عذرك،
فأتى رسول الله وقال والعبرات تخنقه: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة.
لم تهمه الإعاقة لم يقبل بالأعذار وأن جاءت من عند الله ورسوله، كان أمله أكبر، وحلمه أسمى، كان يريد أن يطأ بعرجته الجنة مع رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: أما أنت فقد عذرك الله، فلا جهاد عليك، ثم قال ﷺ لبنيه: ما عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله يرزقه الشهادة
فسمعوا كلام رسول الله ﷺ فخرج بعرجته يقاتل ويذود عن الإسلام حتى استشهد.
انتهت المعركة
وأما رسول الله والصحابة الذين معه صعدوا إلى جبب وأما الكفار فقد مثلوا بالقتلى، وجدعوا أنوفهم وآذانهم، وبقرت هند كبد حمزة، ثم علت صخرة وقالت:
نحن جزيناكم بيوم بدرِ..
والحرب بعد الحرب ذات سُعرِ..
ما كان لي عن عتبة من صبرِ ..
ولا أخي وعمه وبَكرِ ..
شفيت نفسي وقضيت نذري ..
شفيت وحشي غليل صدري ..
فشكر وحشي علي عمري ..
حتى ترم أعظمي في صدري ..
ثم تقدمت إلى وحشي أمام المسلمين وأعطته ختمها وقلائدها وقرطها
يظنون إلى الآن الكفار أنهم قتلوا النبي ﷺ فلما جهز جيش الكفار العودة إلى مكة وقف أبو سفيان يضحك على المسلمين فقال:
أنعمت فعال، وإن الحرب سجال، يوم بيوم، تعمل هبل
فلما سمع ذلك رسول الله ﷺ قال قم يا عمر فأجبه فقل: الله أعلى وأجل لا سواء فقتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
فلما سمع ذلك أبو سفيان علم أن النبي ما مات ..
وبعدها الكل ذهب يلتمس قتلاه
لكل منهم قصةٌ تبكي منها العين
وما هناك قصةٌ تثير الشجون وتستدر الدموع كقصة النبي ﷺ مع قتيله: خرج ليبحث عن أخيه -من الرضاع- وعمه ورفيق دربه و وزيره وناصره
ذهب ليبحث عن حمزة.
فوجده ﷺ في بطن الوادي قد جُدِع أنفه وأذناه وبقرت كبده فقال ﷺ:
"لن أصاب بمثلك أبدًا، ما وقفت موقفًا قط أغيظ إليّ من هذا"
فنظر فإذا بصفية عمته جاءت من بعيد سمعت بما حدث لأخيها، شعر النبي ﷺ حينما رأى حمزة بشعور لن يقدر أحد وصفه، ولكنه لم يكن يريد أن ترى أخته ما رأى فقال: المرأة المرأة -أي: أمنعوا المرأة أن تأتي- فجاءها ابنها الزبير يدركها قبل أن ترى حمزة.
فلدمته في صدره وقالت: إليك، لا أرضَ لك
فقال: إن رسول الله عزم عليكِ.
فلما سمعت الأمر من الرسول رضت .
ثم أخرجت بحزن ثوبين وقالت والعبرة تخنقها:
هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة
فقد بلغني مقتله فكفِّنوه فيهما
ثم صلى النبي ﷺ على القتلى صلاة الميت، وعاد للمدينة، وما بين صيحةٍ واسترجاع مرّت تلك الليلة، وما واساهم إلا أن النبي ﷺ بخير، فحين يعرفون ذلك تهدأ نفوسهم، وبعضهم لم تهدأ نفسه حتى يراه.
ومن هؤلاء امراةٌ من بني دينار
جاؤوا إليها لا يعلمون كيف يخبرونها
مات زوجها وأبوها وأخوها، ولما نعوهم لها لم تأبه وسألت: ما فعل رسول الله ﷺ؟
قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمدالله كما تحبين
قالت: أرونيه حتى أنظر إليه.
ولم تهدأ حتى رأته فلما نظرت لوجهه الكريم ..
شعرت أن مصائب الدنيا كلها تهون عند أن يُفقد رسول الله ﷺ فقالت: كل مصيبةً بعدك جلل -صغيرة-
ظل رسول الله وفيًّا لشهداء أحد يذكرهم، فقد صلّى عليهم بعد ثمانِ سنين، وهو يودّع الأحياء والأموات، وما ذكرناه عن معركة أحد فما هو إلا قليلٌ مما أصاب المسلمين فيها وغيرها، إلا أنهم ما توانوا قط وما لانوا لنصرة وتبليغ هذا الدين، رضوان الله عليهم.
-غِياث

جاري تحميل الاقتراحات...