د. أحمد المطرودي
د. أحمد المطرودي

@Almtrodi

38 تغريدة 41 قراءة Aug 09, 2022
١. يرى الجابريُّ في مطلع كتابه: تكوين العقل العربيّ، الذي استهلّ به مشروعَه النقديّ: في نقد العقل العربيّ يرى أنَّ الثقافة -في جوهرها- عمليَّةٌ سياسيّة، كما يرى أنَّ الثقافة العربيّة -بالذات- لم تستقلّ، ولم تستطع التعالي في مرحلة من مراحلها عن الصراعات السياسيّة والاجتماعيّة..
٢. الهيمنة الثقافيّة كانت مُنطَلَقًا لكلِّ حركةٍ سياسيّة، أو دينيّة، أو قوة اجتماعيّة، تطمح للسيطرة، أو تريد المحافظة عليها..
وهذا -بوصف الجابريّ- قاد لصراع إيديولوجيّ، وصدام إيبستمولوجيّ في الثقافة العربيّة..
٣. استحضار ذلك الصراع وذلك الصدام يمكِّننا من استحضار أطراف الصراع كافة، ويحرِّرنا من قبضة التاريخ الرسميّ للثقافة العربيّة، الذي يُعنَى بالثقافة التي تشرف عليها الدولة فقط، ويتجاهل الثقافة المضادّة، أو يعرضها على الهامش، وفي سبيل الانتقاص والتحقير..
٤. القارئ المتحزِّب مازال -بوعي أو دون وعي- منخرطًا في صراعات الماضي، يعيش عليها، ويقتات منها حضورَه!
الماضي مُلْكٌ للجميع، ويجب أن تكون صراعاته وراء الجميع؛ لا معهم، ولا أمامهم..
٥. الاهتمام بالأفكار يختلف عن الاهتمام بالأداة المنتِجة لهذه الأفكار... وقد كان اهتمام الجابري -هنا- منصبَّاً على تلك الأداة..
وفي الفكر تتداخل الأفكار مع أداة إنتاج الأفكار، وليس هناك قوة مدرِكة معزولة عن مدرَكاتها..
٦. وفي المقابل: هل يمكن التمييز بين العقل والمعقولات؟
وهل للمعقولات وجودٌ موضوعيّ مستقل؟
هذه مفردات جعلت الجابريَّ يستخدم لفظة العقل؛ بدلا من لفظة الفكر... أعني في عنوان كتابه: تكوين العقل العربيّ، وفي بقية كتب مشروعه النقدي: في نقد العقل العربيّ..
٧. المثقَّف يُنسَب إلى ثقافة معيَّنة إذا كان يفكِّر داخلها، وهذا لا يعني التفكير في قضاياها؛ بل التفكير بواسطتها..
الثقافة قد تشمل مختلف أنواع الإنتاج الماديّ والروحيّ، ومختلف أنماط السلوك الاجتماعيّ، والأخلاقيّ، وقد تُحصَر الثقافة في الإنتاج النظريِّ وحده..
٨. التفكير بواسطة ثقافة ما يعني التفكير؛ وفق محدّدات هذه الثقافة، ومكوِّناتها: الموروث الثقافي، والمحيط الاجتماعي، والنظر إلى المستقبل؛ بل والنظرة إلى العالم، والكون..
العقل العربيّ هو هذا الفكر الذي صنعته الثقافة العربيّة، الفكر بوصفه أداةً للإنتاج النظري..
٩. تلك خطوةٌ منهجيّة مهمَّة، خطاها الجابريُّ، وانتقل بها ومعها من مجال التحليل الإيديولوجيّ (الدين- العقيدة) إلى مجال البحث الإيبستمولوجيّ (الحفريّات المعرفيّة).. وتلك الخطوة جعلت الجابريَّ يُعنَى بأدوات الإنتاج الفكريّ؛ لا منتَجات هذه الأدوات..
١٠. يتكئ الجابريُّ على التمييز الذي أقامه لالاند بين العقل المكوِّن (الفاعل- بتشديد الواو وكسرها) والعقل المكوَّن (السائد- بفتح الواو) فالأول نشاط ذهنيّ يقوم به الفكر، ويصوغ من خلاله المفاهيم، ويقرِّر المبادئ.. والثاني يتمثّل في مجموع المبادئ والقواعد التي نعتمدها في استدلالاتنا.
١١. العقل المكوَّن ينزل منزلة المطلق عند مَن يفتقد الروح النقديّة، ويحكمه العقلُ السائدُ، الذي أنتجه عقلُ أجدادِه الفاعلُ؛ وبذا يجعل ثقافتَه الثقافةَ الوحيدة الممكِنة!
١٢. يمكن أن نعتبر العقل العربيَّ عقلا سائدًا قوامه جملة مبادئ وقواعد تؤسِّس المعرفة في الثقافة العربيّة، كما يمكن اعتباره عقلا فاعلا ينشئ العقل السائد، ويصوغه.. وهذا يُمَكِّنُنا من إنشاء عقل سائد جديد؛ عبر إنشاء وصياغة مبادئ جديدة، تحلُّ محلَّ القديمة، وعبر نقد العقل السائد..
١٣. وعملية النقد هذه يجب أن تمارَس داخل العقل نفسه، من خلال تعرية أسسه، وتحريك فاعلياته، وإغنائها بمفاهيم، واستشرافات جديدة، نأخذها من الفكر: الإنسانيّ والفلسفيّ والعلميّ..
١٤. يقارن الجابريُّ بين العقل العربيّ والعقل اليونانيّ والعقل الأوربيّ الحديث... ويرى أنّ هذه العقول الثلاثة -وحدها- مارست التفكير النظريَّ العقلانيّ بطريقة سمحت بقيام معرفة علميّة، أو فلسفيّة، أو تشريعيّة منفصلة عن الأسطورة والخرافة..
١٥. للزمن الثقافي مقاييسه الخاصّة؛ باعتبار الثقافة ما يبقى بعد أن يتم نسيان كل شيء..
الزمن الثقافي لا يخضع للتوقيت السياسيّ، والاجتماعيّ..
والعلاقة بين العقل والثقافة التي ينتمي إليها علاقة لاشعورية؛ باعتبار ما يتمّ نسيانه يبقى حيّا في اللاشعور..
بنية العقل تعيد إنتاج الثقافة..
١٦. اللاشعورُ المعرفيّ طاقةٌ نفسيّة تقوم على الرغبات، وتوجِّهها المكبوتات، أو تتحكَّم بها!
واللاشعور المعرفيّ العربيّ: "هو جملة المفاهيم والتصورات والأنشطة الذهنيّة التي تحدِّد نظرة الإنسان العربيّ إلى الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ"..
١٧. اللاشعورُ المعرفيّ مفهومٌ إجرائي يمكِّننا من إرجاع عملية المعرفة إلى جهاز من المفاهيم والآليات القابلة للرصد والمراقبة والتحليل، ويمكن ربط الزمن الثقافي بزمن اللاشعور؛ باعتبار اللاشعور لا تاريخ له، أو أنّ له زمنه الخاص الذي يختلف فيه عن الزمن الشعوري، ومثل ذلك الزمن الثقافي..
١٨. زمن أوربا الثقافي المعاصر يفرض نفسه علينا في المجالات كافة، ويمزّق زمننا الثقافي الراكد الممتد.. والتنقل بين مرجعيتين مختلفتين يجعل الوعي بالزمن مرتبطًا بالوعي بالمكان..
"وهكذا يتناوب الماضي مع الحاضر على ساحة الوعي العربيّ"
العودة للماضي والانكفاء فيه هروبٌ من مواجهة الحاضر!
١٩. التاريخ الثقافي العربي كما يقدَّم في الكتب والمدارس والجامعات تاريخ فِرَقٍ وطبقات؛ بمعنى أنّه تاريخ مجزّأ، يكرّس الاختلاف في الرأي.. وخلف تاريخ الاختلاف هذا يثوي ويتوارى تاريخٌ آخرُ هو تاريخ الوحدة والتكامل والاتصال، وهو تاريخ إيجابي يجب أن يقوم على أنقاض ذلك التاريخ السلبي..
٢٠. في الثقافة العربية بِنياتٌ أزلية يجب الكشف عنها؛ بهدف تجاوزها، وليس بحثًا عن أصالة موهومة فوق الزمن!
في هذا الصدد يتداخل معنا قولُ أدونيس في كتابه الثابت والمتحوِّل، عند تلمّسه مشكلات الفكر العربي: لابدّ أن تتهدّم البنية التقليديّة السائدة للفكر العربي..
هدمٌ من أجل البناء!
٢١. تحرص الثقافة التراثية التقليدية على اختزال العصر الجاهلي في صورة نمطية لا تكتفي بوصفه بالجهل؛ بل تسعى لنفي أي علم، أو معرفة عنه، كما تسعى لتصويره قائمًا على الفوضى المطلقة، في ظل غياب الوازع الجماعي سياسيًا (الدولة) أو خلقيًا (الدين)..
بيئة كهذه: هل تستطيع تصدير تلك الأشعار؟!
٢٢. هل حقّق الإسلامُ قطيعةً معرفيّة مع العصر الجاهلي؟
لم يكن القرآن الكريم ليخاطب العرب بتلك اللغة وذلك البيان وتلك المعاني السامية والحجج العقلية لو لم يكونوا في مستوى يمكِّنهم من التعامل معها فهمًا، واستيعابًا!
مجادلة العرب للقرآن تنمّ عن ثقافة متقدمة، وتلك أدوات سجلها القرآن..
٢٣. عصر التدوين هو الإطار المرجعيّ الذي يشدّ ويربط فروع الثقافة العربيّة، ويتحدَّد به ما قبله؛ فصورة العصر الجاهلي والإسلامي وعصر بني أمية صورةٌ نسجتها خيوطٌ أفرزها عصر التدوين، وهي الخيوط نفسها التي نسجت صور ما بعد التدوين، وهذه الخيوط بالذات هي العقل العربيّ، كما يرى الجابريّ..
٢٤. أول تجلِّيات العقل العربيّ المكوَّن -بتشديد الواو وفتحها- تمثَّلت في شروط الصحّة المعتَبرة في الحديث والفقه واللغة والنحو..
كانت تلك -بتعبير الجابري- أول مظهر من مظاهر الخلق والإبداع في هذا العقل..
تلك الشروط مازالت تشكِّل الإطار المرجعيّ للفكر العربي في سياقه العام والفاعل..
٢٥. لا يُقصَد بتلك الشروطِ الشروطَ التي صرّح بها أهلُ الحديث، وجامعو اللغة، وواضعو النّحو، أو التي استُخلِصت من أعمالهم، كنقد الرواة، والجرح والتعديل؛ بل المقصود -هنا- شروط أخرى لم يُعلَن عنها؛ لأنّها كانت تنتمي إلى اللاشعور المعرفيّ؛ فما المحدِّدات الخارجيّة لهذه الشروط؟
٢٦. العقلُ العربيُّ مفاهيمُ وفعالياتٌ ذهنيّة تَحْكَمُ رؤيةَ الإنسانِ العربيِّ إلى الأشياء، وطريقة تعامله معها في مجال اكتساب المعرفة، وإنتاجها، وإعادة إنتاجها... والإنسان العربيُّ هو ذلك الفرد الذي تشكَّل عقله داخل الثقافة العربيّة، التي باتت له إطارًا مرجعيًّا رئيسًا، أو وحيدًا!
٢٧. رَسَمَ السماعُ من الإعرابيّ حدودَ العالم الذي تنقله اللغة العربية الفصحى لأهلها، كما أسهمت صناعة اللغويين والنحاة في قولبة العقل الذي يمارس فعاليته في هذه اللغة وبواسطتها..
هذا خطأ منهجي وإجرائي تفاقمت نتائجه السلبية، ومازالت!
٢٨. لغة المدن والعواصم كانت أكثر ثراء وأصدق تعبيرًا عن حالة اللغة العربية وأهلها.. وتلك حالة أسهمت في انتشار اللهجات، وتمرّدها على الفصيح؛ لأنّ اللهجة باتت أقدر على التعبير عن متطلبات الحياة؛ فنحن لا نحتاج كل تلك الأسماء والأوصاف للإبل والخيل.. التي تملأ معاجمنا القديمة والحديثة!
٢٩. نحن أحوج لمعرفة أسماء المبتكرات العلمية، ومصطلحاتها، وأوصافها، وهذا ما حاولت معاجمُنا الحديثة الدخولَ فيه على استحياء؛ فما زالت معاجمنا القديمة ضاغطة، ومازالت الثقافة التي أفرزتها متحكِّمة!
المعجم واجهة حضارية ومازلنا ننتظر معجمًا معاصرًا، يلبّي حاجاتنا..
٣٠. يرى الجابري أن اللغة العربية تتسم بخاصيتين أساسيتين: لا تاريخيتها، وطبيعتها الحسيّة.
ويرى أن القوالب الصورية التي صبّ فيها اللغويون اللغة العربية منحتها دينامية داخلية (الاشتقاق) وبالمقابل حصّنتها ضد كل تغير أو تطور يقترحه التاريخ!
القفز فوق التاريخ يمنع من الاستجابة للتغيير!
٣١. جمعُ اللغة العربيّة من الأعراب وحدهم طَبَعَها بخصائص أولئك الأعراب، وجعلها محدودة بعالمهم الحسّيّ!
الزمن الممتد الطويل زمن التكرار والرتابة الذي عاشه الأعرابيُّ في الصحراء هو ما نقلته العربيّة إلى أهلها!
الحياة الحسيّة البدائيّة انعكست على تفكير الأعرابي، وبالتالي على اللغة..
٣٢. ويرى الجابريُّ أنّ اللغة العربيّة التي جمعها اللغويون من الأعراب جاءت فقيرةً؛ مقارنةً بالنصّ القرآني..
الاعتماد على خشونة البداوة مقياسًا في قبول اللغة جعلها عاجزةً عن استيعاب كثير من الكلمات والمفاهيم، التي وردت في القرآن والحديث، والتي كانت رائجة في مكّة والمدينة، وغيرهما..
٣٣. الحضارة اليونانية حضارة فلسفة، والحضارة الأوربية المعاصرة حضارة علم وتقنية؛ أما الحضارة العربية فحضارة فقه، شغل فيها الفقهُ مساحة كبرى من منتجات الحضارة الإسلامية..
استنزف الفقه الطاقات الفكرية للأمة الإسلامية، وهو -بذلك أو مع ذلك- أقرب منتجات العقل العربي للتعبير عن خصوصيته.
@mohdalsubaie وربما يتطلب الموضوع أن تملك خلفية سابقة عن مشكلات العقل العربي، وتطّلع على معيقات النهوض العربي والإسلامي..
٣٤. انتشر المعتزلة والأشاعرة والسلفيون داخل المذاهب الفقهية بطريقة جعلت المذهب الفقهيَّ يعلو المذاهب الأخرى؛ فلقد قام الفقهُ بإعادة توزيع الشخصيات العلمية التي التقت على صعيد المذهب الفقهي؛ برغم ما بينها من فوارق على الصعيد العقدي والسياسي والفلسفي..
الفقه= مجمل استنباط الأحكام..
٣٥. الجابري دشّن إمبراطورية معرفية ومنهجية هائلة، لم يألفها العقل العربي المعاصر، وربما لم يكن مستعدًا لفهمها وهضمها!
تلك الإمبراطورية المعرفية تتجسّد في تلك الخطوات الجسورة التي خطاها الجابري في سلسلته: نقد العربي..
مقارباتي -هنا- تتمثل في محاولة تجسير تلك الأفكار، بقراءة جديدة.
نقد العقل العربي..
سقطت كلمة العقل سهوًا!
٣٦. البحث في مكوِّنات العقل العربيِّ يَتَّجِهُ لأصول الفقه أكثر من الفقه؛ باعتبار تلك الأصول طريقةً للإنتاج النظريّ للفقه.. وإذا كان الفقهُ تشريعًا للمجتمع فإن أصولَ الفقهِ تشريعٌ للعقل العربيّ؛ وبذا صارت طريقةُ عمل الفقهاء منهجًا عامًّا شاملًا تسلكه بقية العلوم: النحو، والكلام..
٣٧. الشافعي من خلال كتابه الرسالة دشَّن أساسًا وهيكلا وقواعدَ عامّة لهذا العلم المنهجي، وهي قواعد تشبه -كما يرى الجابري- قواعد المنهج التي وضعها ديكارت للعقل الأوربي الحديث..
لقد كان الشافعي وما زال الشخصية الأبرز تأثيرًا في ساحة الفكر السلفي (السني) حتى وُصِفَ بالمشرِّع الأكبر..
٣٨. قد يكتسب الماضي قوّة القانون، ويصبح تبرير الحاضر مستمَدًا من الماضي، وتأويل أحداثه؛ وبذا ستكون عملية إعادة بناء الماضي وترميمه ضرورة..
الخلافة وأحداثها الأولى وتصحيح سياسية الماضي وبيان مشروعيتها أمورٌ ومفردات قُرِئتْ متأخرة بأدوات سعت للتبرير... وهنا سبقت الممارسةُ التنظيرَ!
٣٩. نَظَّرَ الأشعريُّ مواقفَ أهلِ السنَّة في الخلافة، مرتكزًا على أصول الشافعيِّ، وَجَعَلَ الكلام في السياسة تشريعًا للماضي؛ فأكمل صاحبُ الإبانةِ ما تركه صاحبُ الرسالة..
الحاجة إلى ذلك التشريع في عهد الأشعريِّ كانت أقوى بسبب تحوُّل المعارضة الشيعية إلى قوة سياسية تهدِّد الخلافة..
٤٠. وجوبُ النصِّ على الإمامة كان ركنًا ومعتقدًا عند الشيعة، وهذا وضعٌ أجبر السنّة على الارتفاع إلى مستوى التحدِّيات الجديدة..
إنّه -بوصف الجابري- استجابة سنيّة لمنبِّهٍ شيعي..
٤١. حاول الشافعيُّ أن يكون وسطًا بين تضخُّمِ الرأيِ، وتضخُّمِ الحديثِ، وسار الأشعريُّ في طريقٍ مشابهٍ؛ فترك معسكر المعتزلة، وعاد لصفوف السنّة متسلِّحًا بأدوات جديدة، تسعى لتقييد العقل بالنقل، وتشرح النقلَ بالعقل..
الشافعيُّ قرّر قواعدَ منهجيةً؛ بينما قرر الأشعريُّ قواعدَ عقديةً..
٤٢. تكامل عمل النقّاد والبلاغيين مع عمل الفقهاء والنحاة والمتكلِّمين؛ إذ قنّنوا الذوق الأدبي، ووضعوا معايير تقوم على تقليد القديم، وتلزم الجديد ليكون على مثال سابق؛ فكيف يحدث الإبداع؟!
السائد تكرار ومماثلة؛ بينما الإبداع تمرد عن السائد، وتفلتٌ من القيود!
الذائقة الأدبية منزاحة..
٤٣. هناك نظام معرفي بياني يؤسِّس للإنتاج في العلوم العربية الإسلامية، ويقوم على ربط فرع بأصل، وهي الآلية ذاتها التي تؤسِّس البيان العربي= التشبيه..
ماعلاقة هذا النظام مع الأنظمة المعرفية الأخرى التي عرفتها الثقافة العربية؟
"كان هناك آخر يهدّد البيان العربي، ويشوِّش الرؤية داخله"
٤٤. المعقوليَّة في البيان العربيِّ يحدِّدها نصُّ القرآنِ الكريم في قالب جدليَّة المعقول، وغير المعقول، ومن خلال الصراع بين التوحيد والشرك، الذي يغطِّي تاريخ البشريَّة..
"هكذا يذوب الزمان بين دورات الأنبياء والرسل؛ ليبدأ التاريخ مع كلِّ دورة، وينتهي بنهايتها"
٤٥. ينقل الجابريُّ ما لَحَظَهُ دودس، في كتابه (اليونان واللامعقول) من كون الديانات تنمو -في الغالب- على التراكم، وليس التعويض؛ فلا تقوم بِنْيَةٌ جديدةٌ بمحو بنية سابقة محوًا تامّا؛ بل يواصل القديمُ الحياةَ داخل هذا العنصر الجديد، ويبقى التياران مقبولَين، في الوقت نفسه..
٤٦. المعقول الدينيُّ وحده كان سائدًا في الجزيرة العربية، وشمال إفريقيا، والأندلس، ومصر التي حضر فيها الفتح قويًا من البداية، وبقي حتى عهد الخلافة الفاطميّة، التي استندت على الموروث القديم..
في سوريا والعراق وفارس تعايش المعقول الدينيُّ مع اللامعقول الدينيِّ..
٤٧. يرى الجابريُّ أن الموروث القديم بقي حيًّا في إيران، وفي بنية معتقداتها الدينيّة الجديدة، التي جاء بها الإسلام، وبقي ذلك الموروث مستترًا، يتسرَّب على شكل تيارات تتنازع البقاء مع المعقول الديني، والبيان العربي؛ حتى اندمج ذلك الصراع أو الاختلاف في صيغة واحدة هي الفكر الشيعيّ..
٤٨. السلطة السياسية المركزية في المناطق التي هيمن فيها المعقول وحده تمسَّكتْ بذلك المعقول وحده، واعتبرته إيديولوجيا رسمية، تسهم في تثبيت أركانها، وتمنحها طاقة وقوة في ردِّ ما تصدِّره الأقطارُ الأخرى، التي تعايش فيها المعقول، مع اللامعقول، وهي صادرات ذات ملامح قديمة سبقت الإسلام..
٤٩. ردَّ المعتزلة هجمات المانوية، وفكّكوا أطروحاتهم، وسحبوهم إلى دائرة الاحتكام إلى العقل البياني العربي، الذي يعتمد الحس والتجربة، وهو ما يعني نفي الغنوص ابتداء..
واستطاع المعتزلة -من خلال مشاداتهم الكلامية مع أهل السنة- الارتفاع بالعقل العربي، وتمكينه من التعامل مع منطق أرسطو..
٥٠. ربط المعتزلةُ مصيرَهم بالدولة في سعيها لحمل الناس بالقوة والعنف على اعتناق أفكارهم، وهذا أدَّى -بعد الانقلاب السُّنِّيِّ في عهد المتوكل- إلى تصنيف المعتزلة سياسيًّا، وتهميشهم اجتماعيا وفكريا، وهو ما قطع الصلة بين الفلسفة والاعتزال، وفسح المجال لللامعقول لاحتلال مواقع جديدة...
٥١. إدماج التاريخ الثقافي للمراكز الحضارية والعلمية داخل الوطن العربي مطلب ضروري، يتعارض مع الروح الرومانسية البدوية!
ووصلُ تاريخنا الثقافي القومي بالتاريخ العالمي ضرورةٌ كذلك؛ بهدف الكشف عن مكونات الثقافة العربية والإسلامية وفحصها ونقدها؛ سعيًا لإعادة بناء الذات على أسس جديدة...
٥٢. يتداخل العقل المستقيل في ثقافتنا مع الهرمسية؛ فما هي المواقع التي احتلها في مفردات ثقافتنا؟
الهرمسية تدفع بنا للقول بسلاسل الأسباب غير المنتظمة، التي يغلب فيها الشذوذُ الاطّرادَ، وهذه حالة نخضع فيها لتقلبات التجربة والمزاج، ونبعد فيها عن الضرورة العقلية!
تلك مفردات تشرّبناها!
٥٣. انكماشُ الثوبِ وإطلاق اللحية والحرص على المسواك في الفم أو مخباة الصدر مفرداتٌ كانت جواز عبور للحضور والهيمنة، أيّام الصحوة... وتلك مفردات وحضور معاد يقتات من ذلك العقل المستقيل، الذي تداخل مع الهرمسية، وتقاطع معها...
وكلها مفردات تقوم على تغييب العقل، وشيطنة الآخر المختلف...
٥٤. مفهوم أهل السنة يكون عامًّا مقابل الشيعة؛ فيدخل فيه الأشاعرة والمعتزلة... وينكمش -أحيانًا- فيقصي الأشاعرة والمعتزلة، وينكمش أكثر -في مراحل هزلية مضحكة- ليقتصر على أهل نجد وحدهم!
إنّهم الفرقة الناجية؛ وفق تلك التعبيرات المدرسية الباقية الممتدة، والراسخة!
صحوة السياسي أربكتهم!
٥٥. إلحادُ ابنِ الراونديِّ وإنكاره النبوّة قائمٌ على مبادئ هرمسيّة، ولم تكن تلك الأفكار قائمة على مبادئ عقلية مادية؛ خلافا لما احتفل به أدونيس في كتابه الثابت والمتحول..
ذلك الهزال الذي سقط فيه ابن الراوندي وقع فيه ابن سينا!
لقد كانا عالِمين في مجالهما جاهلين فيما عدا ذلك المجال!
٥٦. تلك وسائل ترى الطريق للمعرفة مقصورًا على المشاهدة والكشف، ولا تحتاج إعمال فكر ولا استعمال لفظ وتمثيل؛ وبهذا تتعارض مع البيان العربي، وتكرِّس نظامًا يقوم على العرفان، ويقصي البيان..
هناك ثقافات وأمم دخلت تحت مظلة الإسلام، ولم تنسَ أفكارها ومعتقداتها فأعادتها عبر مسارات جديدة..
٥٧. هناك عَداءٌ مستَحكِم بين الفقهاء والمتصوِّفة، وهو عداءٌ يعكس تعارضَ نظامين معرفيَّين، يقوم أحدُهما على الاستدلال؛ بينما يعتمد الآخرُ الوصالَ (الاتّصال المباشر والمعرفة اللدنيّة)..
اعتبر الفقهاءُ التأويلَ الباطنيَّ (الشيعيّ والصوفيّ) دخيلًا، ومناقِضًا لظاهر النصوص الشرعيّة..
٥٨. صاحبَ تقدُّمَ الثقافة العربيّة في الترجمة والتأليف حضورٌ متجذِّر للعقل المستقيل (النظام العرفانيّ) ولم يكن حضور هذا العقل نتيجةً لتشدُّد الفقهاء، ولا لجفاف الاتِّجاه العقليّ عند المتكلِّمين؛ بل جاء هذا الاتِّجاه سابقًا، كما يرى محمّد عابد الجابريُّ..
٥٩. والأقرب أن تكون العقلانيّة العربيّة والإسلاميّة هي التي جاءت ردَّةَ فعلٍ على الغنوص المانويّ، والعرفان الشيعيّ..
حركة الترجمة التي اتّجهت إلى أرسطو كانت جزءًا من استيراتيجيّة جديدة لجأ إليها المأمون؛ لمقاومة الأساس المعرفيّ للغنوص المانويّ، والعرفان الشيعيّ (حركات المعارضة)..
@qQYimMDlDtJCrIj طبعا: أنت تقصد البيئة الجغرافية؟
أما بيئة الأسرة والمحيط الاجتماعي فمؤثر قوي..
٦٠. كان الصراعُ بين العباسيّين والعلويّين صراعًا سياسيًّا وإيديولوجيًّا.. استخدم العباسيّون العقل الكونيَّ، وأقاموا بينه والمعقول الدينيّ العربيّ تحالفًا يهدف لصدِّ هجمات العقل المستقيل..
الهجمات الغنوصيّة كانت تهدِّد العباسيّين والفكر الدينيَّ الرسميّ بشقَّيه المعتزليّ والسنيّ..
٦١. الرحلات التجارية (كما هي رحلات العقيلات القريبة) أدَّتْ لانتشار موجيّ للثقافة، وتتناقص الموجةُ كلّما ابتعدت عن مركزها؛ فالموجات الثقافية التي كانت تنطلق من المراكز كانت تصل الجزيرة العربية خافتةً قريبة من التلاشي..
وكل طبيعة مجذوبةٌ لطبيعة أخرى، تتبادل معها التأثير والهيمنة..
٦٢. حَدَثَ التقاءٌ بين المعقول الدينيِّ العربيِّ والمعقول العقليّ اليونانيّ، بين النظام المعرفيِّ البيانيّ العربيّ والنظام المعرفيِّ البرهانيّ اليونانيّ؛ فما مضمون هذا اللقاء؟
وما أشكال حضور هذا العقل الكونيِّ في الثقافة العربيّة والإسلاميّة؟
وما تأثير ذلك في تكوين العقل العربيّ؟
٦٣. تحالفَ الإسلام الرسمي مع التفكير اليوناني ضد الغنوص، وسعى لمنع استمرار النبوّة في أشخاص الأئمّة..
كان الكندي منخرطا في الصراع الإيديولوجي الذي شهده عصره؛ فناصر دولة العقل في صراعها مع المانوية، والشيعة الباطنية..
إنه نظام ينطلق من المحسوس إلى المعقول؛ خلافًا للتجربة الصوفية..
٦٤. الإسلام الشكلي التقليدي -الصحوي جزء منه- يعيدنا لتلك الدوائر التي سعينا للانعتاق منها!
إنه إسلام ذرائعي يسعى سدنتُه لبقائهم، وامتداد سطوتهم، وحضورهم!
إنه منهج يغيّب مبادئ الإسلام السمحة العامة، ويلتقي بتلك الغنوصية؛ بحثًا عن مصالحه الخاصة، من خلال تغييب العقل، وإشاعة الخرافة!
٦٥. هناك هوَّةٌ واسعة تفصل الله -سبحانه وتعالى- عن العالم معرفيًّا، ووجوديًّا؛ لكن الغنوص حاول تجسير تلك الفجوة، من خلال خلع بعض الصفات الإلهية على بعض البشر!
هناك علم خاص بالرسُل، يقابله علمُ سائرِ البشر، وعلم الرسل يأتي بلا طلب، ولا تكلف؛ بينما يأتي العلم البشري بالطلب والبحث..
٦٦. مرويات أبي هريرة الكثيرة اللافتة تدخل في ذلك الغنوص والدعوة لتغييب العقل!
كل دعاوى الدفاع التي يبذلها السلفيون والمنتفعون عن تلك المرويّات تبقى خفيفة الوزن أمام المنهج العلمي!
إنسان عاش بائسًا في الصُّفَّة ثلاث سنوات من ٦ هجرية حتى ٩؛ لماذا يخصُّه الرسولُ بكلِّ تلك الرسائل؟!
٦٧. تلك مروِّيات تبقى موطنَ ضعفٍ، وهزال في الفكر السنِّيِّ، وهناك ما يماثلها وأشنع في الفكر الشيعيّ!
تقييم العقل العربي وقياس ما أنتجه يجب أن يقفز على تلك المذهبية، ويتجاوز تلك الطائفية..
البحثُ عن المشترك الفكريِّ، وتقصِّي جوانب الخلل أهمُّ من البحث عن جوانب الاختلاف والانشقاق..
٦٨. تلا الكنديَّ الفارابيُّ، واتَّجه إلى المنطق والسياسة؛ بتأثير من ظروف تفكُّكِ الإمبراطورية الإسلاميّة، وسعى لوحدة الفلسفة والدين..
خطاب الكنديِّ والفارابيّ يشكِّل خطابًا واحدًا إذا نظرنا إليه من زاوية النظام المعرفيّ، وهو خطاب يسجِّل لحظة جديدة في تاريخ تكوُّنِ العقل العربيّ..
٦٩. وكان ذلك بدايةً لدخول النِّظام المعرفيِّ البرهانيِّ (اليونانيِّ- أرسطو) في العقل العربيِّ، وهو نظامٌ بقي محكومًا بالصراع بين البيان، والعرفان..
اصطدم البرهان بالبيان؛ فما مظاهر هذا الاصطدام؟
٧٠. وعيُ علماءِ العربيَّةِ بذلك الاصطدام جاء مُبَكِرًا.. ونقدُ ابنِ تيميَّةَ المنطقَ اليونانيَّ جاء في هذا السياق؛ برغم دوافعه الدينيَّة العقديَّة..
تجاوزَ الاختلافُ بين النحو العربيِّ والمنطق اليونانيِّ حدودَ صراعِ الاختصاصاتِ، واختلافِ اللغاتِ؛ حتى وَصَلَ أسسَ المعرفةِ ذاتها..
٧١. مرحلةُ قيامِ البيانِ على البرهان في مواجهة العرفان والوفاق بينهما مرحلةٌ لم تَدُمْ طويلًا؛ فاكتمالهما قاد للتضحية بما جوهريّ في أحدهما أو كليهما..
وهذا -كما يرى الجابريُّ- مظهرٌ من مظاهر أزمة الأسس في الثقافة العربيّة، التي بدأت تنكشف بعد انتهاء عصر التدوين مباشرة..
٧٢. الفصلُ بين البيان والبرهان يعني الفصلَ بين الدِّين والفلسفة..
خطابُ الكنديِّ كان موجَّهًا لمعارضتين متخاصمتين: المعارضة الباطنيّة، والمعارضة السنّيّة، وتلك محاولةٌ مدَّها الفارابيُّ إلى حدودها القصوى في إطار حلمه الفلسفيِّ الطموح..
كان هناك اصطدامٌ آخرُ بين البرهان والعرفان..
٧٣. الفصلُ بين الدِّينِ والفلسفة مثَّلَ مصالحةً جديدة، تقوم على اعتراف الفلسفة باستقلال الدِّين، والتخلِّي عن الحكم الفلسفيِّ، الذي يقوم على احتواء الفلسفة للدِّين؛ باعتبار أنّ الأراء التي في المِلَّة تجد براهينَها في الفلسفة النظريَّة..
وهذه مرحلةٌ فلسفيَّة جديدة..
٧٤. يشكِّل ابنُ سينا _بكل تناقضاته_ وجهًا من وجوه أزمة العقل العربيّ، في تلك اللحظة التأريخيّة، ويسجِّل لحظة انفجار تناقض العقل العربيّ مع نفسه..
لم يستطع العقل العربيُّ تحقيق قطيعة نهائية مع الهرمسيّة، ونظامها المعرفيّ، وهذا ما مهّد للغزالي، الذي كرّس للهرمسيّة في دائرة البيان..
٧٥. ظلّتْ الساحة الثقافيّة في مصر والمغرب العربيّ تحت النفوذ السنِّيّ؛ فالانتصارات الشيعيّة (الإسماعيليّة) كانت سياسية فقط... ومع سقوط الدولة الفاطمية زال كل أثر شيعي..
في الشرق (إيران) كان الأمر على النقيض؛ فقد أخفقت الحركة الإسماعيلية في الوصول للسلطة، ونجحت في حضورها الثقافي..
٧٦. ظهر ما عُرِف بالتصوُّف السنِّيّ، بعد الانفصال بين الشيعة والمتصوِّفة، وبعد أن وجد المتصوِّفة أنفسهم مدفوعين للخروج على الدولة..
كان ذلك في عصر المأمون، عصر هيمنة المعتزلة، وكان ذلك تتويجًا لأزمة الأسس في الثقافة العربيّة، وهو من وجه آخر تأسيس لأزمة العقل العربيّ، وترسيم له..
٧٧. أزمة الأسس في الفكر العربيّ نبعت من تصادم، وتداخل النُظُم المعرفيّة المتنافسة داخله: البيان، والبرهان، والعرفان.
تصادم البنيات الفكريّة أصبح عامّا، وتجاوز التصادم الثنائيّ، والغزالي يشخِّص ذلك التصادم، والتداخل، بعد أن انحلّت عنه رابطة التقليد، وانكسرت عنده العقائد الموروثة..
٧٨. سَرْدُ الغزاليِّ وقائعَ أزمتِه الفكريَّة ورحلتِه فيها ومعها جاء محكومًا بما انتهتْ إليه التجرِبة (العرفان الصوفيّ)..
الغزاليّ -بتعبير الجابريّ- يقوم بإعادة بناء تجربته بَعْدِيَّاً، ومن منطلق لاحق، وليس باستعادتها، كما كانت بالفعل..
إنها حكاية ما بعد الأزمة..
٧٩. فَصَلَ الغزاليُّ المنطقَ عن الفلسفة، واعتبره قواعدَ للتفكير، يشترك فيها البشر، واستخدمه في الجدل؛ لا البرهان، ووظَّفه في الدفاع عن المذهب الأشعريّ، في علم الكلام، وعن المذهب الشافعيّ في الفقه..
لم يرد الغزاليُّ إنتاجَ معرفة؛ بل سعى للدفاع عن جزء متحقِّق منها، وإسقاط جزء آخر..
٨٠. تبنّى الغزاليُّ الإطروحاتِ نفسَها، التي كفَّر بسببها الفلاسفة، بعد أن ألبسها شكلًا بيانيّاً قرآنيّاً..
مسألة السببيّة بقيت وحدها موطن نفور وضديّة واختلاف بين الغزاليِّ والفلاسفة؛ مع أنّه لم يكفِّرهم بسببها..
٨١. أنكر الغزاليُّ السببيّة (العلوم العقليّة: الرياضيّة، والطبيعيّة) فأفرغ البرهانَ من مضمونه، وتمسَّك بشكله: القياس والجدل، ووظَّفه في الدفاع عن البيان، كما يقرِّره الأشاعرة..
كيف وفَّق الغزاليُّ بين أشعريَّته البيانيَّة، وعرفانه الصوفيّ؟
٨٢. تَرَكَ الغزاليُّ البيانَ للعامّة، وخصَّ الخاصّة بالعرفان، وجَعَلَ البيان طريقًا للعرفان..
انتصر العقل المستقيل في الغزاليِّ على كلِّ نبضات عقله في الفقه، والكلام!
وبتعبير الجابريِّ: انتصرت فيه الهرمسيّة الهاربة من الدنيا على الفقيه المتكلِّم المناضل من أجل الدنيا، والدين..
٨٣. انتصار العقل المستقيل خَلَّفَ جُرحًا عميقًا في العقل العربيّ، وهو جرح مازال نزيفه يتدفق..
٨٤. التحوُّل الإيديولوجيّ على مستوى الدولة والمجتمع يأتي عبر أجيال، ويتطلَّب وقتًا أطول..
٨٥. "شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيأهم فما استطاع"
تلك مقولة أطلقها ابن العربيّ، وتعني أنّ مكوِّنات الفلسفة وأدواتها بقيت فاعلة في لاشعور الغزالي، توجِّهه من حيث شعر، أو لم يشعر..
إنّها جوانب مضمرة مخاتلة، لا تظهر على السطح... والمضمر أشدُّ حضورًا وخطورة، وتأثيرًا..
٨٦. بُعْدُ الأندلس عن التيّارات الإيديولوجيّة المتصارعة في الإسلام جعل أصداء هذه التيّارات فيها خافتة سطحيّة..
والأندلس كالمغرب سارت على الطريقة السائد في المشرق: الإيديولوجيّا السنيّة في صورتها الأولى السابقة على الصياغة الأشعريّة لها..
كانت الدولة الإدريسيّة شيعيّةً بالنسب فقط!
٨٧. تلك طريقة حقَّقت للدولة الأمويّة في الأندلس الاستمراريّة على المستوى الفكريّ؛ بينما وظّفت الدولةُ العباسيةُ الاعتزالَ والفلسفة الأرسطيّة والعقيدة الأشعريّة في صراعها الإيديولوجيّ ضدّ الباطنيّة..
تحرَّكَ الأمويّون في الأندلس ضدّ هذه الفِرَقِ جميعًا..
٨٨. المذهب المالكيُّ كان المذهبَ الرسميَّ للدولة الأمويّة في الأندلس؛ لأنّه المذهبُ الوحيد الذي لم يوظَّف سياسيّاً في المشرق، وهذا يعني أنّ الدولة ستوظِّفه في التضييق على المذاهب الفقهيّة الأخرى..
٨٩.ظاهريّة ابن حزم كانت موقفًا سياسيّاً، كما كانت إعلانًا للإيديولوجيا، التي تتشكَّل في الأندلس، والتي ستُستخدَم سلاحًا نظريّاً تواجه به الدولة الأمويّة خصميها التاريخيين: الفاطميين في مصر، والعباسيّين في بغداد..
٩٠. شكَّل مذهبُ ابنِ حزمٍ الظاهريِّ المشروعَ الإيديولوجيّ للدولة الأمويّة في الأندلس، وصار أساسًا إيبستمولوجيّاً للثقافة الأندلسيّة..
كان المذهب الظاهريّ انفصالا أو انحرافًا عن المذهب الشافعيّ، ولم يكن تجاوزًا له..
٩١. ولم يكن إبطال ابن حزم القياسَ مجرّد موقف فقهي؛ بل موقف إيبستمولوجي عامّ، يهدف لتأسيس البيان على أسس جديدة، تختلف عمّا أسّسه الشافعي..
وكان القول بالظاهر رفضًا للقول بالباطن (العرفان الشيعي والصوفي) كما كان رفضًا لقياس الفرع على الأصل، أو الغائب على الشاهد، كما مارسه الفقهاء..
٩٢. ظاهريَّةُ ابنِ حزمٍ كانت مشروعًا فكريّاً فلسفيّاً، يسعى لإعادة تأسيس البيان، وإعادة ترتيب علاقته مع البرهان، وإقصاء العرفان، وهو مشروع تميَّز بطابعه النقديّ، وقدرته على تجاوز مرحلة التوفيق، وتجاوز مرحلة الجمع بين النقل، والعقل، أو الدِّين والفلسفة..
إنَّه إيديولوجيا ثوريَّة!
٩٣. امتدّتْ حملة العمل بالظاهر، ووصلت مجال النّحو؛ إذ ألَّف ابن مضاء كتابه: الردّ على النّحاة، وفيه رفضَ العلل النّحوية، ودعا لترك القياس، والاكتفاء بالسماع..
٩٤. كيف أعاد ابن رشد ترتيب العلاقة بين البيان والبرهان؟
استطاع الخطاب الرشديّ استعادة مشروع ابن حزم، وتجاوزه...
استعاده منطلَقًا، واتّجاهًا، وتجاوزه محتوى، ومضمونًا..
٩٥. شرح ابن رشد أرسطو بواسطة أرسطو نفسه، بعد أن رجع لآرائه، وفحصها وردّها إلى أصولها، والتمس لذلك الحجج من داخل المنظومة الأرسطية نفسها..
خلّص ابن رشد فلسفة أرسطو من الشوائب التي علقت بها، وتخلّى عن هاجس التوفيق والجمع بين الفلسفة والدين، وهنا - وفقا للجابري- تبرز أصالة ابن رشد..
٩٦. ظلَّتْ الثقافة العربية الإسلامية تعيد إنتاج نفسها منذ عصر التدوين؛ باستثناء التجربة الأندلسية، التي كانت قادرة على فتح آفاق جديدة تتجاوز علم الكلام وإشكالياته، والفلسفة السينوية وميولاتها الإشراقية، والمذاهب الفقهية وقياساتها..
كانت قادرة لكنها اختنقت، ولم يتردد لها صدى كافٍ!
٩٧. الزمن الثقافيّ العربيّ ظلّ كما هو منذ عصر التدوين، يجترّ نفسه؛ حتى انتهى به الأمر إلى الركود، والجمود على التقليد..
لماذا لم تستطع الثقافة العربيّة الإسلاميّة تحقيق ما تحقق في أوربا؟
لماذا لم تستطع تجاوز البداية؟!
أو بداية البداية، بتعبير الجابري..
٩٨. لماذا فشلتْ التجرِبة الثقافيّة العربيّة فيما نجحت فيه التجرِبة الأوربيّة، من خلال قدرتها على التقدُّم المطَّرد؟
لماذا لم تتطوَّر أدوات المعرفة (رؤية، ومفاهيم، ومناهج) في الثقافة العربيّة خلال نهضتها، بما يضمن لها استمرار التقدُّم؟
٩٩. تلافتْ التجربة الأوربيّة الحديثة ما وقعت فيه التجربة اليونانيّة؛ فعمدتْ إلى بناء العلم على التجربة، وبناء التجربة على آلات صناعيّة تُحسَّن باستمرار؛ فما مدى تداخل التجربة العربية الإسلاميّة مع هاتين التجربتين؟
وهل تقدُّم الفكر مرهون بتقدُّم العلم؟
١٠٠. نعود، ونقول: إنَّ العقل العربيَّ أبدع في تشييده علوم البيان، وهو إبداع -بحسب تعبير الجابريّ- قَلَّ نظيره في تاريخ الفكر البشريّ...
وإذا كانت الفلسفة هي معجزة اليونان فإنّ علوم العربية هي معجزة العرب..
١٠١. كما نعيد القول والتأكيد على فكرة محورية تتمثل في قولنا: إذا كانت الحضارة العربية حضارةَ فقهٍ ولغة، وإذا كانت الحضارة اليونانية حضارةَ فلسفةٍ فإن الحضارة الغربية المعاصرة حضارةُ علمٍ وتقنية..
انكمش العقل اليوناني؛ نتيجة احتقار التجربة؛ فهل تكرَّر ذلك مع العقل البيانيّ العربي؟
١٠٢. العقل اليوناني تعامل مع الكون، وظواهره، وهذا يقبل التجربة؛ بل يتطلّبها؛ خلافًا للعقل البياني العربي، الذي تعامل مع النصوص...
تلك -وفق الجابري- نقطة ضعف خطيرة!
١٠٣. الوضع الطبعيّ يقتضي أن يأتي تقنينُ اللغةِ تتويجًا لتطوُّرِ آدابها، كما أنَّ تقنين العقل يكون نتيجةً لتطوُّرِ منتجاته؛ لكن الذي حدث في التجرِبة الثقافيّة العربيّة جاء على عكس ذلك..
١٠٤. لم يكن في إمكان العقل البيانيّ العربيّ أن يتقدَّم أكثر ممّا فعل... والإنجاز الذي حقّقه في مجال اللغة والفقه تحوَّل قيدًا!
ثبتت آليات العقل العربيّ ونشاطه في حدود معيَّنة، لا يجوز اختراقها، أو المساس بها..
١٠٥. بتعبير الجابريّ "أصبح العقل البيانيّ العربيّ سجينَ هذا البناء، الذي طوَّق نفْسَه (به) فلم يكن من الركود مناص، ولا من التقليد مَفَرٌ"..

جاري تحميل الاقتراحات...