صاحبا الصحيحين
يشغل الحديث الشريف مكانًا كبيرًا ويحتل منزلة رفيعة عند المسلمين. أولًا لأنه، بعد القرآن الكريم، المصدر الرئيسي الثاني لاستنباط أحكام الشريعة؛ وثانيًا لأنه، هو جوامع كلم الرسول -ص- في كل ما يحمل المرء على السير على طريق الفضيلة السوي
#قمم_من_الفكر_العربي_الإسلامي
يشغل الحديث الشريف مكانًا كبيرًا ويحتل منزلة رفيعة عند المسلمين. أولًا لأنه، بعد القرآن الكريم، المصدر الرئيسي الثاني لاستنباط أحكام الشريعة؛ وثانيًا لأنه، هو جوامع كلم الرسول -ص- في كل ما يحمل المرء على السير على طريق الفضيلة السوي
#قمم_من_الفكر_العربي_الإسلامي
2- والمعروف أن القرآن الكريم كانت تكتب آياته وسوره مع الوحي في أيام النبي -صلى الله عليه وسلم-. وقد جمعه الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في مصحف عُرِفَ باسمه ونشره في الأقطار، وهو المصحف المعروف الآن. لكن الحديث الشريف لم يدون لا في أيام النبي، ولا في أيام الخلفاء الراشدين
3- ولا حتى في أوائل العهد النبوي. والباحثون متفقون على أن كره التدوين للحديث في الفترة النبوية كان يعود إلى الخشية من أن يختلط عند الناس مع آي القرآن الكريم. واستمر هذا الوضع إلى حوالي نهاية القرن الأول للهجرة.
4- والمرجح بين رواة الأخبار أن الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز، الذي ولي أمر الدولة من سنة 99 إلى 101هـ، هو الذي رأى أن يُدَوّن الحديث، بعد أن استشار أهل الرأي. فقد كتب إلى عماله في المدن والأمصار أن يجمعوا ما كان معروفًا فيها من الحديث.
5- وكان أول من لبى طلب الخليفة الزهري، عالم الحجاز والشام (ت 124هـ) فدون له في ذلك رسالة. ولا شك أن خطوة عمر بن عبدالعزيز اُتخذت خشية أن يضيع حديث الرسول -ص- فيفقد المسلمون بذلك هذا الكنز الثمين. وثمة أمر آخر وهو أن الوضاعين بدأوا يضعون الأحاديث وينسبونها إلى الرسول.
6- والتدوين في النصف الأول من القرن الثاني الهجري كان فيه الحديث ممزوجًا غالبًا بفتاوي الصحابة والتابعين، على نحو ما كان في "موطأ" مالك المتوفي سنة 179هـ. وبدأت عملية التدوين ورافقها الرحلة في طلب الأحاديث. واشتد أمر الرحلات في طلب الحديث في القرن الثالث الهجري/الثامن الميلادي.
7- وترتب على الاهتمام بالتدوين إن نشأت "علوم الحديث"، من حيث الجرح والتعديل، وعلم رجال الحديث، وعلم مختلف الحديث وعلله وغريبه، هذا إلى الإسناد الذي هو أساس الرواية أصلًا. وقد صنفت في الحديث كتب كثيرة.
8- يقول د. صبحي الصالح: "وصل إلينا بعضها ولم يصل بعضها الآخر، وكان يجب أن تكون كتب الحديث بهذه الكثرة لأن مجموعة الأحاديث النبوية يتعذر إحصاؤها وضبطها في كتاب مهما يكن الكتاب ضخمًا". فالأمام أحمد (ت 241هـ) انتخب مسنده من750 ألف حديث مع أن أحاديث هذا المسند قد لا تبلغ ال 40 ألفًا.
9- وكثرة الكتب التي صنفت في الحديث هي التي أدت في نهاية المطاف بالعلماء إلى تصنيف هذه الكتب إلى طبقات. فالطبقة الأولى فيها من أقسام الحديث المتواتر والصحيح والآحادي والحسن. والثانية يكون فيها الضعيف. وهناك طبقتان تليان ذلك واحدة تكثر فيها أنواع الضعيف من الأحاديث.
10- والأخيرة هي التي جمعت في العصور المتأخرة من أفواه القصاص والوعاظ والمتصوفة والمؤرخين غير العدول وأصحاب البدع والأهواء. وهذه لا يعول عليها أحد ممن لهم إلمام بالحديث النبوي.
11- وكما تعددت طبقات كتب الحديث تعددت أنواعها. والتي تهمنا في هذه المناسبة هي المسماة كتب الصحاح وهي التي تشمل "الكتب الستة"، وهي: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داوود، جامع الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه. ويشار إلى كتابي البخاري ومسلم بالصحيحين، والكتب الأربعة بالسُنَن.
12- وقد غلب الاسم الصحاح على الكتب الستة. وثمة خلاف على ابن ماجه؛ فالبعض يضع موطأ مالك مكانه. وموطأ مالك هو أقدم هذه جميعًا، لكن بعض علماء الحديث من القدامى كانوا يرون فيه كتاب فقه، كأن الإمام مالك أراده دليلًا لأولئك الذي قد يميلون إلى الانصراف إلى هذه الناحية.
13- وصحيح البخاري، للإمام محمد بن إسماعيل، ولد في بخارى -إحدى مدن اوزباكستان حاليًا- سنة 194هـ، وتوفي سنة 261هـ في نيسابور -مدينة في شمال شرق إيران-، وقد وضعه في 16 سنة، وكتب عن أكثر من ألف شيخ. وعدد أحاديث البخاري بالمكرر 9082، فيها من المتون الموصلة بلا تكرار 2602 من الأحاديث.
14- وقد وضع البخاري بنفسه عناوين فصول صحيحه البالغة 93 فصلًا، وطريقة تبويبه تدل على يقظته الفكرية ومعرفته الواسعة. ونجد أن أكثر الأبواب تفتح بآية من القرآن الكريم أو أكثر.
15- والإمام مسلم، صاحب الصحيح الآخر، هو مسلم بن الحجاج القشيري، من قبيلة قُشيرة العربية. وكان معاصرًا البخاري. ولد في نيسابور سنة 206هـ، وتوفي في نيسابور سنة 261هـ. وعدد الأحاديث في صحيح مسلم -بلا تكرار- يبلغ نحو 4 آلاف حديث.
16- وقد رتّب مسلم أحاديثه بطريقة خاصة، فجعل كل طائفة من الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد متلاحقة متتابعة من غير أن يفردها بعنوان يضعه لها بنفسه. إلا أن الإمام النووي بوَّب صحيح مسلم ووضع له العناوين، فأصبح استعماله أسهل، والانتفاع به أيسر.
17- ويبدو من هذا الذي ذكرنا أن صحيح مسلم أسهل تناولًا، لأنه جعل لكل حديث موضعًا واحدًا يليق به، جمع فيه طرقه التي ارتضاها وأورد فيه أسانيده المتعددة. فيما نجد أن البخاري يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة.
انتهى.
- المرجع: قمم من الفكر العربي الإسلامي: لنقولا زيادة.
جاري تحميل الاقتراحات...