ترقبوا الجزء الثاني من هذا الثريد بعد ان بدأ عصر الخلافة العباسية كيف أصبحت الحياة فيها يا رفاق
بعد أن استقرت شؤون الحكم في الدولة العباسية وبسطت رقعتها من فتوحات، تداعت الأموال إلى الخزينة وكثرت، فشرع الخلفاء في الإهداء للشعراء وصناع اللهو والفرجة، وتزايدت أعداد المهتمين والعاملين بهذا المجال حتى أصبحت ظاهرة مستفحلة في المجتمع
فشهد هذا العصر إنطلاقة جامحة للغرائز الجنسية والأحاسيس الفردية، وانتشرت بيوت المتعة واللهو، فإزداد دور البغاء، وعرفت بيوت الخمارين اليهود بكرم دلالتها الحافلة بالجنس، وتصوروا لنا كتب التاريخ مظاهر عدة لهذا الترف
وقد مضى المؤرخون يصفون تلكم الحياة التي عاشها الخلفاء والقادة والولاة ومن يلحقوا بهم من الأمراء وكبار رجال الدولة والعلماء والشعراء والمغنين حتى أضحت واضحة المعالم لكل باحث عن الأمر، ولا شك في أن هذا البذخ كان على حساب الكادحين والفقراء من الرعية
وهذا لا يعني أن الأمر محصور في العصر العباسي، بل هو سابق عليه، فلقد انتشرت في نهاية العهد الأموي نساء الهوى، وليس شعر الفرزدق إلا شعر الخلاعة والجنس، وهو يعتبر تعبير صادق عن تلك المرحلة التي سادت فيها الكثير من الممارسات البعيدة كل البعد عن تعاليم القرآن الكريم
وفي ذلك قال عروة بن الزبير واصفاً مدينة دمشق "الفاحشة فيها فاشية والناس قلوبهم لاعية"، لكن الأمر تفاقم في بغداد في عهد بني العباس، ويقول الجاحظ واصفاً القيمة كانت تعرف كل ما يحبب الرجل بها وكل ما يثير شهوته، وكانت تعيش على ذكر الزنا والقيادة والعشق والشوق
ويضيف كان ميل العرب للإيماء أكثر من الحرائر، لأن الجمال في كثير من نساء هذه الأمم المفتوحة أوفر والحسن أتم، فقد سقلتهم الحضارة وجل لهن النعيم، ولأن العادة ألا ينظر للحرة عند التزويج بخلاف الأمة، لذلك صار أكثر الإيماء أحظى عند الرجل من أكثر المهيرات
وقد كان في بغداد شارع يسمى شارع دار الرقيق تهب في الصراع بين الأمين والمأمون، ونعاه الشاعر في قصيدة آخرها ومهما أنسى من شيء تولى، فإن ذاكر دار الرقيق، وقد تجلى هذا المجون في الشعر العربي. ويعد أبو نواس أشهر الشعراء على الإطلاق في هذا الفن
وقد نال بسبب ذلك مكانة مرموقة في بلاط هارون الرشيد، ويقول الدكتور طه حسين واصفاً هذا الأمر أن التمازج في الشعر قد بدأ بتحول السلطة من الأمويين إلى العباسيين، ويرمي من وراء ذلك إلى أن العنصر الفارسي له الأثر البارز في نشوء هذه الظاهرة
عندما لاحظ أن أغلب الشعراء المجاني كانوا من الموالي ويقول بطرس البستاني"وأفرط الشعراء في المجون لإتساع رزقهم ووفرة أسباب لهوهم، فخلعوا رداء الحياة وأرادوا التغزل فتظاهروا، وأسرفوا في تعثرهم
فكان شعرهم صورة لتلك البيئة المريضة الأخلاق"، وعودةً إلى أبي نواس فقد كان خليعاً متهتكاً لا يبالي بحدود الأدب والدين، ولا يراعي شيئاً من هذا، ولقد أفرد للخمريات باباً مستقلاً فجعل له عالماً خمرياً متكاملاً، وبدأ قصائده بذكر الخمر
فقال "لا تبكي ليلاً، ولا تضطرب إلى هندي، وشرب عن الورد من حمراء كالوردي، فالخمر ياقوت، والكأس لؤلؤة في كف جارية ممشوقة القدي تسقيق من طرفيها خمر ومن يدها خمر، فما لك من سكرين من بدي"
ويقول أيضاً "دع المساجد للعباد تسكنها وطف بنا حول خمارٍ ليسقينا، ما قال ربك ويلُ للذين سكور، ولكن قال ويلُ للمصلين"
والأنكى من ذلك أنه لمح في شعره شذوذاً وصل به إلى حد التغزل بالمذكر "الورع أو الصبي"، فقال "تأتيه بجماله صلف لا يستطاع كلامه تيها، للحسن في وجناته بدعُ ما إن يمل الدهر قاسيها، لو كانت الأشباح وتعرفه أجلالهم إجلال باريها، لو تستطيع الأرض لإنقبضت حتى يكون جميعه فيها"
وإنتشرت بالتوازي مع ظاهرة الجواري ظاهرة الغلمان، وفي ذلك يروي الطبري في تاريخه أن الخليفة الأمين طلب الخصيان وإبتاعهم وغال بهم وسيرهم لخلوته في ليله ونهاره، ورفض النساء الحرائر والإيماء، ورغم محاولة والدته ثنيه عن عادته هذه
فأتت له بفتيات يتشبهن بالغلمان وشعرهم قصير دون أن تنجح في مسعاها، ويروي المسعودي في كتابه مروج الذهب أن الخليفة المعتصم كان يحب جمع الأتراك وشرائهم من أيدي مواليهم، فاجتمع له منهم أربعة آلاف فألبسهم أنواع الديباج والحلي المذهبة
ومن أجل هذا كان خلفاء بني العباس يفضلون النوم بالنهار والسهر بالليل ليشرب الشراب ويلهو مع الندماء، وإن من يسمع عن إنتشار المجون والخمر في العصر العباسي يظنه خيالي، بيد أن أكثر المراجع التاريخية تتفق على ذلك على نحو يجعل المسلم الحالي مندهشاً إن لم نقل مصدوماً
أمام التصور الذي ساد لديه أو الذي تم تشكيله عن سلفه الأول
انتهى الجزء الثاني من الثريد ورتبها
@rattibha
@rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...