1- الحرب اليوم ليست كالماضي يلتقي جيشان ويتلاحمان، فلا يُقتل إلا المقاتل، ومن أدبر ترك، وفيها لا تهدّم الصّوامع والمصانع، ولا يقتل الشّيوخ ولا الأطفال ولا النّساء، ولا الرّهبان وغير المقاتل، ولا تقطع الأشجار، وتهدم الجسور، فكانت هناك أدبيات، تلتزم بها أمم وتتجاوزها جورا أمم أخرى.
2- تجاوزتها جورا حيث جعلت الحرب لاحقا طريقا للسّبي لأجل استعباد البشر، واستغلالهم في الخدمة والفلاحة والمصانع والجيوش والأعمال الشّاقة، وفي المتعة الجنسيّة والمباهاة والتّجارة، ولكسب أكبر قدر من الغلمان والجواري والخدم.
3- الحرب اليوم أشدّ بشاعة، فتطوّر الإنسان علميّا، قابله تطوّره في صنع أسلحة يفتك بها البشر، وتدمر فيها القرى، فلم تعد تلك الحرب الّتي يلتقي فيها جيشان متقاتلان، بل أصبحت حربا على الأطفال والنّساء والشّيوخ والعجزة، تدّمر كلّ شيء، من جسور ومصانع ومدارس ومستشفيات ودور عبادة.
4- ولم يعد ذلك العالم الفسيح الّذي يهرب فيه الضّعيف حفظا لنفسه من بطش الحروب، بقدر ما يجد حدودا مغلقة، يعيش فيها لاجئا مشردّا، لا يقيه برد الشّتاء، ولا يخفف عنه حر الصّيف، في عالم من الاستعباد الجديد، والاستغلال في صور مختلفة، بعضها باسم الإنسان نفسه.
5- الاحتراب شر وبلاء يصنعه الإنسان، فلقد كانت الأرض فسيحة أمام "قابيل" و"هابيل"، فما أعطي هذا لم يعط ذاك، ولكن هذا التّعدد الأثنيّ كفيل بهما أن يتعاونا في تكامل الآخر من خلال استعمار الأرض صلاحا لا فسادا، ولكن قتل أحدهما الآخر، في رمزيّة تتكرر اليوم في استغلال أمم، ونهب خيراتها.
6- لا زالت الذّاكرة حاضرة ما فعلته أيدي الإنسان من آثار الحرب العالميّة الثّانية على هيروشيما وناجازاكي، واليوم العديد من الدّول تملك أسلحة ذريّة ونوويّة تكفي لدمار العالم أجمع، وما يستخدم في الحروب لا زال شيئا بسيطا ممّا يملكه البشر من أسلحة تفتك بعوالم عديدة، وتضع الأرض بلاقع.
7- ليست الإشكاليّة في العلم والأديان والفلسفات إذا ما كانت الغاية هو حفظ الإنسان، وبناء الأرض واستصلاحها، وعدم التّفريق بين البشر، ولكن الإشكاليّة عندما يستثمر العلم في غير طريقه، ويستغل الدّين لغير هدايته، وتستخدم الفلسفة بعيدا عن غاياتها الكبرى.
8- لقد اضطر البرت أينشتاين[ت 1955م] ممتعضا ومتثاقلا على الإمضاء على خطاب روزفلت[ت 1945م]للحاجة إلى إجراء تجارب على نطاق واسع لبحث إنتاج قنبلة ذريّة لولا خوفه من سيطرة النّازية على هذا المجال قائلا: إنني أعتقد أنّ القتل في أثناء الحرب ليس أفضل ولو قليلا من ارتكاب جريمة قتل عاديّة.
9- ويقول أينشتاين أيضا: "إنّ الإنسان قد عجز عن تشييد أشكال التّنظيم السّياسيّ والاقتصاديّ الّتي تضمن التّعايش السّلميّ لأمم العالم، إننا لم ننجح في بناء ذلك النّوع من التّنظيم الّذي يمكن أن يستبعد إمكان وقوع الحرب، ويحرّم إلى الأبد أدوات التّدمير الجماعي السّفاحة".
10- مع محاولة العديد من عقلاء العلم والدّين والفلسفة في وضع منظومة حقوقيّة إنسانيّة تقود إلى السّلم العالميّ المحقق للعدل والمساواة بين البشر جميعا، إلا أنّ العالم اليوم يعيش متخوّفا من حرب عالميّة ثالثة أخرى، يستخدم فيها العلم والدّين والفلسفة في قتل الإنسان، وتدمير الحياة.
11- اليوم التّمسك بحبل السّلم ضرورة،مع محاربة دعوات الاحتراب، أو تضييق ما يبررها سياسيّا أو أيدلوجيّا، وإن كان الطّريق رومانسيّا، لكن ما فعله العقلاء بعد الحربين العالميتين أثبتت قدرة العقل الإنسانيّ في تحقق ذلك، لتعمر دول هدّمت بالكامل، ويشتغل الإنسان بالعلم والإحياء والبناء.
12- تبدو هذه الدّعوات أقرب إلى الاستهلاك المعرفي، ولكن فضاء اليوم يؤثر فيه خلق الأفكار الّتي تتدافع مع بعضها، ثم تؤثر أفقيا، وهذا من أحدثه العقل في القرن العشرين وهذا ما ينيغى أن يبنى عليه في القرن الحادي والعشرين، لتنعم الأجيال القادمة برخاء وسلم يقودهم إلى عمارة الأرض وإصلاحها.
13- للمزيد ينظر مقالنا في جريدة عمان حول الاحتراب والإنسان
omandaily.om
omandaily.om
جاري تحميل الاقتراحات...