في الجزء الثاني من الكتاب -المسمى “رد الفعل”- يفسر المؤلف الانحطاط الليبرالي الناجم عن السياسة الغربية، فيقول إننا تعلمنا أن نعتقد أن القيم هي التي تشد عضد ديمقراطيتنا، وكان إيماننا بالتاريخ يغذي تلك الأسطورة.
فبرغم تسارع وتيرة انخفاض الفقر على مستوى العالم؛ فإن عشرات الملايين من الغربيين -الذين ظلوا طوال عقد كامل يحاولون عدم تلويث أرجلهم في وحل الأزمة الاقتصادية- سيناضلون لمجرد الإبقاء على رؤوسهم طافية فوق السطح، وعدم الغرق خلال العقود القادمة!!
الحقيقة هي أن أقوى غراء يجمع شتات الليبرالية الغربية معا هو النمو الاقتصادي، وعندما تتنافس المجموعات على ثمار النمو تصبح قواعد اللعبة السياسية سهلة نسبيا، ويعرف الجميع كيف يتعامل. لكن عندما تختفي تلك الثمار أو يحتكرها عدد قليل من المحظوظين فإن الأمور تتحول نحو الأسوأ.
منذ بداية القرن الحالي؛ فقد الغرب الكثير من هيبته ولم يعد نموذجه السياسي موضع“حسد”العالم كما كان من قبل.وتثور تساؤلات:هل ستترك تركيا الناتو؟هل ستستطيع بريطانيا التماسك؟ هل ستوقف أوروبا موجات تدفق المهاجرين من أفريقيا والشرق الأوسط؟ وهل يستطيع الغرب أن يستعيد دوره كمنارة للعالم؟
ومع الشك في الديمقراطية الغربية؛ تثور الشكوك أيضا في قوتها في العالم، وقد خسرت أميركا أيضا الكثير، فانخفضت حصتها من الناتج المحلي العالمي الإجمالي.وانخفضت المصداقية الأميركية بسبب الحروب الطائشة تحت مسمى كاذب للديمقراطية.
وكانت الخسارة الجيوسياسية في أوروبا مطلقة، وأصبحت القارة العجوز بالكاد قادرة على إبراز قوتها خارج حدودها. بل أصبحت الحدود المفتوحة لأوروبا تشكل تهديدا متزايدا للقارة. ويؤكد المؤلف أن كل ما سبق قاد بثبات نحو تحول مركز الثقل العالمي وبلا كلل نحو الشرق.
لقد أعلن في السابق فوكوياما عن "نهاية التاريخ" وأنه لن يكون هناك أيديولوجيا جديدة بعد الليبرالية. ثم ظهر له أنه أخطا التقدير كما أخطأ معه جمعٌ كبير من المفكرين.
الصدع الذي أصاب الغرب ليس متعلقاً بالبطالة، أو التضخم، أو قلة الموارد، أو تكلس النظام السياسي، ولكن في العرقية والولاء للوطن؛ فحملات المهاجرين غزت ربوع الغرب، وحملت معها أعراقاً وأجناساً جديدة
الصدع الذي أصاب الغرب ليس متعلقاً بالبطالة، أو التضخم، أو قلة الموارد، أو تكلس النظام السياسي، ولكن في العرقية والولاء للوطن؛ فحملات المهاجرين غزت ربوع الغرب وحملت معها أعراقاً وأجناساً جديدة لا تنتمي للتكوين الديمغرافي البيولوجي الغربي
ولا يربطها بأبناء أوروبا الأنقياء صلة أو أصرة. لا نقول مئات الآلاف، ولكن الملايين من المهاجرين الذين أنجبوا أطفالاً وأنشأوا أسراً وشكلوا داخل المجتمعات الغربية ثقافات جديدة لا تدين لحضارة الغرب بالولاء؛ فالخطر داخل الأبواب ولا مناص من مواجهته قبل فوات الأوان.
في المقابل تتراجع معدلات الخصوبة والإنجاب في أمريكا وأوروبا بعزوف الأسرة الغربية عن الزواج الكاثوليكي القديم، والتوجه نحو اللذة، وعدم تحمل المسؤولية، وظهور أسرة ما بعد الثورة التكنولوجية بتكوينها العضوي الأحادي الذي يحظى فيها الأطفال برعاية أحد الأبوين.
العدو الحقيقي للغرب ليس الآخر في منطقة الشرق الأوسط، أو أسيا، أو أفريقيا، أو أمريكا اللاتينية، ولكن الغرب ذاته الذي ينقرض بسبب جفاف خصوبته، وموت أخلاقه، وتآكل نظامه الأسري
دمرت الأزمة المالية في عام 2008 أمريكا الوسطى، لكن "نبلاء العصر الحديث" أو المصرفيون الذين غذوا الأزمة بالمخاطر لم يواجهوا أي عواقب، حيث إن استجابة الحكومة للأزمة العالمية في عام 2008 أنقذت "أولئك الذين لديهم الوسائل والذين قد لا يستحقون أن يتم إنقاذهم، تاركين آخرين يتعثرون".
وفي هذا الإطار تبرز "ترتيبات ما بعد الانهيار الاقتصادي"، مثل ما حدث في أعقاب الركود العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث تراجعت مستويات الديون إلى أقل من 10% في القطاع الخاص مع تخوف البنوك من القيام بعمليات إقراض واسعة وإن ارتفع مستوى الدين العام بسبب برامج انتشال الاقتصاد ..
ويرجح "سوليفان" حدوث "سلسلة مروعة" من عمليات الإفلاس عالميًا، تنتهي بانهيار شبه كامل للنظام البنكي الذي سيقتصر عمله على إدارة الحسابات الشخصية والحفاظ على الأموال من السرقة فحسب في أعقاب الأزمة المالية المقبلة التي سترتبط بالديون وفقًا لتقديراته.
وتشبه العولمة في كثير من الأحيان الآلة، فقد تعمل مع اختلال في أحد تروسها (فليكن الديون) وتعمل بكفاءة قليلة مع عطل يصيب أحد التروس الأخرى (وليكن المساواة) لكنه يصعب عليها العمل مع أعطال تصيب غالبية تروس الآلة، لتبقى مهددة بالانهيار التام أو العطل في أي وقت.
جاري تحميل الاقتراحات...