10 تغريدة 124 قراءة Mar 21, 2022
من الملاحظات المثيرة التي أشار إليها المُحلّلون النفسيون:
أنّ البشر يُفضّلون في نهاية المطاف أن يتمّ إيذاؤهم أو خيانتهم على أن يتمّ نسيانُهم
إذ ما مِن فكرة مُرعبة أكثر من فكرة أن نكون (كائنات قابلة للنسيان)، هذه الفكرة المُرعبة جسّدتها أم كلثوم حين غنّت:
بخاف عليك وبخاف تنساني
لأنّ النسيان = مَوت رمزي للذات Symbolic Death
وهو أكثر إخافة من المَوت الحقيقي، لأنّ المَوت الرمزي يعني أن نكون حاضرين وشاهدين لواقعة موتنا، فنحنُ نموت في ذهن أحدهم أو في أذهان الآخرين بينما لا نزال على قيد الحياة نرصد تلاشي حضور ذواتنا من ذاكرة الآخرين وأذهانهم.
لأنّه مهما كانت السردية التي سنتبنّاها لقصّتنا مع أحدهم، مهما كانت مُهينة أو مُذلّة:
يفضّل النّاس أن يكونوا ضحايا الألم، بدلًا من أن يكونوا ضحايا النسيان
فالنسيان يعني أن نصيرَ عدمًا، والتألّم أو الشعور بالخيانة أو الغدر أو الأذى يعني أنّنا ما زلنا على قيد الحياة.
ولذلك فاستنجاد العُشّاق بعد تجارب الانفصال العاطفي، لا تعدو أن تكون وصايا متكرّرة بعدم النسيان، (خليك فاكرني).
لأنّ إبقاؤنا في ذاكرة أحدهم نوع من أنواع التخليد الرمزي للذات، نوع من التأكيد الوجودي لحقيقة تجاربنا وحقيقة وجودنا، بأنّنا كُنا هناك حقَّا.. يومًا ما في لحظة ما.
وبالمناسبة، هذه فكرة فلسفية، خاضها علماء الكلام المسلمون، حول مسألة الخلود في العذاب، مقابل المعصية محدودة الزمن الدنيوي.
إحدى الآراء المركّبة تقترب من هذا المعنى، واعتقد أنّ (النورسي) قد أشار لها من أنّ (العذاب) وجوديًا أرحم من أن تصير الذات عدَمًا (الفناء المطلق)..
ولذات السبب استخدم القرآن في غير موضع، فكرة النسيان والتجاهل كشكل من أشكال العذاب الوجودي:
(وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا )
(ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة)
وقد تكون بالفعل فكرة (الإيذاء) أو التعرّض لـ (غدر) أو (خيانة) فكرة فظيعة وقبيحة للغاية
لكنّها فلسفيًا وبكامل قبحها وفظاعتها، تظلّ شكل من أشكال الاعتراف بوجودك، لأنّها لا تتحقّق إلّا من خلالك، (الأذى/الألم) لكنّ النسيان يتجاوزك، ويعبرك كما لو أنّك لَم تَكُن أساسًا.
وفكرة (الموت الرمزي) للذات في مقابل (التخليد الرمزي) للذات
هي فكرة حاضرة على الدوام في الخبرة البشرية، وهي نفس السبب الذي يجعل العربيّ، يخاف من (العار) أكثر من خوفه من (الموت) لأنّ العار يلحق ذاته الرمزية حتّى بعد الموت
أيّ أنّ أسوأ نوع من أنواع تخليد الذات، هو إلحاق العار بها
هذه ليست جراحة تجميلية لـ (الإيذاء) أو (الغدر) أو (الخيانة)
ولا تعني أنّنا يجب أن نرضى أو نختار الأذى والألم على النسيان.
لكنّها تعني أن نتجنّب إذلال أنفسنا أو سحقها إو إهانتها، وأن نرضى أن نبقى في أوضاع غير صحّيًا، خوفًا من النسيان والموت الرمزي للذات.

جاري تحميل الاقتراحات...